استعادة الشركات المخصخصة والهدف الحقيقي من القانون

تتداول الصحف أخبار مشروع القانون الذي أعدته الحكومة بزعم فض تشابكات الشركات العائدة من الخصخصة، والذي يتكون من مادتين فقط، تنصان على إحالة الشركات، التي صدرت أحكام قضائية بإعادتها للدولة، إلى لجنة الاستثمار وفض المنازعات بمجلس الوزراء  للنظر في كيفية تعويض المستثمرين الذين اشتروها، وتمت إحالة هذا القانون إلى مجلس النواب بعد إقراره من مجلس الوزراء، وبالطبع تأمل الحكومة في إقراره بنهاية العام الجاري.

ويعد هذا المشروع هو الثاني الذي يصدر بشأن أحكام مجلس الدولة ببطلان خصخصة بعض شركات قطاع الأعمال العام، فقد صدر سابقًا القانون 32 لسنة 2014 الخاص بإجراءات الطعن على عقود الدولة، والذي يحاصر حق المواطنين والعمال في رفع دعاوى قضائية تفضح الفساد الذي شاب بعض عمليات الخصخصة.

وصرح لنا مجلس الدولة بالطعن بعدم دستورية القانون 32، وصدر تقرير المفوضين بالمحكمة الدستورية العليا في مارس 2017  موصيًا بعدم دستوريته، لمخالفته نصوص الدستور، واعتدائه على استقلال القضاء وتدخله فى شؤون العدالة، وعدوانه على الحق في التقاضي، وإخلاله في الالتزام بمكافحة الفساد، وكذلك بمبادئ المواطنة وسيادة القانون وخضوع الدولة للقانون.

وأعادت المحكمة الدستورية ملف الدعوى مرة أخرى لهيئة المفوضين بها لإعادة بحث بعض مسائل الصفة والمصلحة، وإعداد تقرير تكميلي بهما، وما زال هذا التقرير الأخير في طور الإعداد.

اليوم يتم الإعداد للقانون الجديد، والتشريعات لا توضع في الفراغ بل تصدر لتحقيق أهداف محددة، وإذا كان زعم الحكومة في حملتها الصحفية لتمرير هذا المشروع أنها تستهدف تنفيذ أحكام القضاء النهائية في شأن استعادة الشركات، فهل تنفيذ هذه الأحكام يحتاج إلى تشريع جديد أم أن التشريعات السارية كافية بذاتها لتنفيذها؟؟!! أم أن الهدف على عكس تلك التصريحات، هو تمرير بعض النصوص التشريعية التي تفتح الباب للالتفاف حول الأحكام القضائية التي صدرت في هذا الشأن وتفريغها من مضمونها وجوهرها؟؟

لقد صدرت أحكام استعادة الشركات المخصخصة من القضاء الإداري في عامي 2011/ 2012، وأيدتها المحكمة الإدارية العليا في 2013، ومنذ هذا التاريخ، أي منذ أكثر من خمس سنوات، تتقاعس الحكومة في تنفيذ هذه الأحكام وعودة هذه الشركات لقطاع الأعمال،  بل وتمتنع عن تشغيلها، وهو تقاعس غير مبرر لكنه كاشف بذاته عن رفض الحكومة لهذه الأحكام.

ويوضح هذا الهدف الحقيقي من مشروع القانون الجديد، والذي أكده مدحت الشريف، عضو اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب، حيث قال إنها تحمي الوزير المختص من السجن في حالة عدم تنفيذ أحكام القضاء، وتعفيه من أي مساءلة قانونية، وتقضي على كافة الإشكاليات التي ظهرت بعد صدور الأحكام، مشيرًا إلى عزم اللجنة الاقتصادية استدعاء عدد من ممثلي الوزارات الاقتصادية للتباحث في تفاصيل التعديلات قبل مناقشتها.

تستدعي الدولة آلتها الدعائية للزعم بأن أحكام مجلس الدولة بشأن الخصخصة كلفتها تعويضات كبيرة في التحكيم الدولي، وفي هذا الأمر يجب توضيح عدد من الحقائق:

أولًا: أنه لم يصدر ضد مصر أي حكم تحكيم يفرض عليها أي تعويضات أو غرامات بسبب أحكام مجلس الدولة ببطلان الخصخصة.

ثانيًا: أن مجلس الدولة لم يحكم إلا بعودة سبع شركات فقط هي: طنطا للكتان، عمر أفندي، العربية للتجارة الخارجية، غزل شبين، سيمو للورق، المراجل البخارية، أما باقي الدعاوى الأخرى التي رفعها العمال في عدد من الشركات تم وقف نظرها بمجلس الدولة لحين الفصل في مدى دستورية القانون 32 لسنة 2014 السابق الإشارة إليه.

لذلك لا يجوز الإدعاء بأن أزمة مصر الكبرى في التحكيم بسبب أحكام الخصخصة، فكل أحكام التحكيم ضد مصر حتى اليوم لا تتعلق بأحكام استعادة الشركات بل تتعلق بمنازعات أخرى مع المستثمرين، فمصر في المركز الخامس على مستوى العالم من حيث عدد القضايا التى أقيمت أمام المركز الدولى لتسوية منازعات الاستثمار (ICSID) (إكسيد) التابع للبنك الدولى بعدد 32 قضية بعد الأرجنتين وفنزويلا وأسبانيا، بحسب تقرير للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية.

ثالثًا: أن خسارة التحكيم ليس قدرًا محتومًا على مصر بل يمكن توقي هذه الخسارة في شأن قضايا الخصخصة إذا ما أثبتت مصر فساد المستثمر أو مشاركته مع فاسدين من أجل تمرير الصفقة، فقد حصلت مصر في 2008 على حكم من إحدى المحاكم الفرنسية ببطلان الأمر الصادر بتنفيذ حكم التحكيم بتغريم الحكومة المصرية 14 مليون يورو لصالح شركة مالي كورب التي كانت ستنفذ مطار رأس سدر، حيث قدمت مصر ما يفيد أن الشركة خدعت الحكومة المصرية وقدمت لها أوراقًا مزورة بشأن حقيقة موقفها المالي، كما تمكنت كينيا من هزيمة شركة إماراتية في التحكيم في نزاع مطار نيروبي عندما أثبتت كينيا تقديم الشركة رشاوى لممثليها، فالأصل فى التحكيم أنه لا يحمى الفساد، ولكن يجب أن تتوافر لدى الدولة الارادة لمكافحة الفساد وكشف ما جرى بعمليات الخصخصة، ويمكن على سبيل المثال الاستناد لما حدث بقضية عبد الوهاب الحباك، رئيس الشركة القابضة للصناعات الهندسية وقت تمرير صفقة المراجل البخارية، وكذلك تحقيقات النيابة العامة في قضية بيع غزل شبين، وتحقيقات النيابة الإدارية في قضية بيع الشركة العربية للتجارة الخارجية، كما يمكن للحكومة المصرية تقديم ما يفيد إخلال المستثمرين بشروط التعاقد وإعدام الصناعة كما جرى بالمراجل.

رابعًا: أن مواجهة التحكيم لن تكون بالامتناع عن تنفيذ الأحكام التي كشفت الفساد الذي أصاب هذه البيوع، ولكن بمراجعة العقود التي تمت، واتفاقيات الاستثمار التي تجعل التحكيم الدولي شرطًا أساسيًا ووسيلة وحيدة لحل المنازعات، فقد وقعت مصر على 113 اتفاقية حتى 2014 منها 100 اتفاقية ثنائية [راجع تقرير المبادرة] ومراجعة الاتفاقيات ليس مطلبًا يخص مصر فقط بل كل الدول النامية لتتوافق نصوصها مع حزمة الإصلاحات التي اقترحها مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونتكاد) بشأن التنمية المستدامة والتوازن بين حماية الاستثمار والصالح العام، وألا يؤثر الاستثمار على الحقوق البيئية والصحية وحقوق العمال أو حقوق الإنسان بشكل عام وألا يتعارض معها، وهو ما سعت إليه كل من الهند والبرازيل والنرويج لتبنى وتقديم جيل جديد من اتفاقيات الاستثمار تحقق هذا التوازن، وهو ما يجب على مصر التقدم نحوه.

تتغافل الدولة عن حقيقة أن أحكام مجلس الدولة في شأن الخصخصة لم تصدر انحيازًا لفكر اقتصادى وسياسي ضد آخر، فالأمر لم يكن صراعًا بين الفكر الاشتراكي والفكر الرأسمالى، ولم يكن حربًا على الاستثمار والمستثمرين كما تصوره أبواق الدعاية الحكومية، بل في حقيقته كان صراعًا من أجل كشف الفساد المفزع الذي أصاب عمليات بيع بعض الشركات، والعدوان على المال العام للدرجة التي دفعت هيئات المحاكم التي أصدرت هذه الأحكام لتكتب في حيثياتها «وحيث إن المحكمة وهي تؤدي رسالتها القضائية قد تكشف لها ما تقدم من إهدار جسيم للمال العام، وتجريف لأصول الاقتصاد المصري تم تحت قيادة العديد من الوزارات لأكبر عمليات تخريب للاقتصاد ….. فإن المحكمة تعتبر حكمها القضائي هذا بلاغًا لكل جهات التحقيق بالدولة، للنيابة العامة، ونيابة الأموال العامة، وإدارة الكسب غير المشروع، والنيابة الإدارية لتتخذ كل جهة حيال هذا الأمر ما أوجبه عليها القانون، وما يقي البلاد شر الفساد».1

إن تجاهل هذه الأحكام، وعدم فتح التحقيق الجنائي أو الإداري أو النيابي في الوقائع التي شابت هذه البيوع كما أوضحتها حيثيات القضاء، بل والسعي لمحاصرة حق المواطنين في التقاضي من خلال القانون 32 لسنة 2014، ثم محاولة نقل إجراءات تنفيذ الأحكام القضائية النهائية من خلال مشروع هذا القانون إلى «اللجنة الوزارية لفض منازعات الاستثمار» يلقي بظلال من الشك والريبة، حول مساعي تفريغ الأحكام القضائية من جوهرها ومضمونها، وهو ما يمثل عدوانًا ليس فقط على المال العام ولا على حجية أحكام القضاء بل عدوانًا على استقلال السلطة القضائية، فالحماية التي كفلها الدستور للقضاء وردت على ثلاثة مستويات:

الأول: حماية استقلال السلطة القضائية، باستقلالها بشؤون أعضائها كافة وبمنع تدخل جهة الإدارة في شؤون جهات القضاء، وحماية استقلال القضاة وحظر عزلهم، وحظر التدخل في شؤون العدالة، وجعل ذلك جريمة من الجرائم التي لا تسقط بالتقادم.

الثاني: يتعلق بحماية عمل القاضي بحظر تدخل أية سلطة في القضايا المنظورة أمامه وتجريم التدخل في القضايا.

الثالث: يخص احترام نتيجة عمل القاضي بوجوب تنفيذ الأحكام التي تصدر، وتجريم تعطيل أو الامتناع عن تنفيذ الأحكام.

وقد أكدت المحكمة الدستورية العليا على أنه يتعين على السلطة التنفيذية بوجه خاص ألا تقوم من جانبها بفعل أو امتناع يجهض قرارًا قضائيًا قبل صدوره، أو يحول بعد نفاذه دون تنفيذه تنفيذًا كاملاً، وليس لعمل تشريعي أن ينقض قرارًا قضائيًا، ولا أن يحور الآثار التي رتبها.2

1- راجع على موقع المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية حيثيات أحكام محكمة القضاء الإداري في: الحكم 37540 لسنة 65 ق قضية خصخصة الشركة العربية للتجارة الخارجية، والحكم 37542 لسنة 65 ق قضية شركة النيل لحليج الأقطان، والحكم 34248 لسنة 65 ق قضية طنطا للكتان، الحكم 34517 لسنة 65 ق قضية غزل شبين، والحكم 40510 لسنة 65 ق قضية المراجل البخارية، والحكم 11492 لسنة 65 ق قضية عمر أفندى.

2- راجع حكم المحكمة الدستورية العليا بجلسة 15/6/1996 في القضية رقم 34 لسنة 16 قضائية دستورية.

اعلان