الإسم: شادي أبو زيد.. التهمة: ساخر
 
 
شادي أبو زيد
 

فجر السادس من مايو الماضي، داهمت عشرات من قوات الشرطة منزل شادي أبو زيد (25 عامًا)، ثم ألقت القبض عليه بعد تفتيش المنزل والاستيلاء على أجهزة الكمبيوتر المحمولة والهواتف المحمولة الخاصة به، ليبقى محبوسًا احتياطيًا منذ ذلك الحين على ذمة عدد من الاتهامات الفضفاضة، مثل الانضمام إلى منظمة غير قانونية ونشر أخبار كاذبة.

أما السبب الحقيقي وراء اعتقال شادي المفاجئ فيبقى غير مفهوم. لأنه ليس ناشطًا سياسيًا أو محرضًا، بل مدون فيديو وفنان ساخر؛ ممثل كوميدي ضئيل الجسد وقوي الحضور.

بعد أن تخرّج في كلية الدراسات الإعلامية في جامعة أكتوبر للعلوم الحديثة والآداب، بدأ شادي في نشر مقاطع فيديو في منتصف عام 2015 على قناة يوتيوب تسمى المحتوى الغني، ويعرض عليها أكثر من عشرين مقطع فيديو لمواهبه كفنان ساخر وطموح. بعضها بسيط ومباشر، والبعض الآخر ذو طبيعة تجريدية وعميقة، لكن جميع أعماله تتمتع بالأصالة والقدرة على تشريح المجتمع المصري بطريقة مختلفة، والسخرية من الأفكار البالية على نحو مُتميز.

تناول عمله قضايا مثل الأفكار الذكورية، النزعة الطبقية، التعصب الديني، التقاليد، كراهية الأجانب، السلطة الأسرية، وحقوق المثليين، وغيرها من القضايا.

«هو كان بيفكك كل حاجة»، يصف أنديل؛ رسام كاريكاتير وفنان ساخر يساهم بشكل منتظم في «مدى مصر»، عمل أبو زيد، موضحًا: “هو بيعمل كوميديا اجتماعية بيفتح فيها مناقشات مع الناس، مع المجتمع نفسه، وبيتحدى أفكار اجتماعية راسخة. فـ هو مش بيتحدى الدولة خالص، ولا بيحرض عليها، ولا بيتكلم عنها أصلًا، وبيتجاهل وجودها».

ضُم شادي للقضية 621 لسنة 2018، وهي واحدة من القضايا الرئيسية ضد شخصيات غير إسلامية، من بينهم المدونيّن محمد إبراهيم (مدونة أكسجين)، ومحمد خالد، والنشطاء شادي الغزالي حرب، وأمل فتحي، وعضو حركة 6 أبريل، شريف الروبي. ولا يزال التحقيق في تلك القضية مفتوحًا، ويضاف إليها متهمون جُدد على نحو فردي.

أهدى أنديل حلقة من برنامجه على الإنترنت «أخ كبير» إلى أبو زيد، بعد أيام من إلقاء القبض عليه. «النسبة لي هو من الكوميديانات المفضلين، من الناس القليلة اللي باحب شغلهم جدًا، وبالاقيه ملهم جدًا. ﻷنه هو من الناس القليلة اللي عندهم صوت كوميدي مش شبه حد»، يقول أنديل.

وفي أحد مقاطع الفيديو الأولى التي نُشرت على «المحتوى الغني» في يوليو 2015، يهاجم شادي التحامل المنتشر ضد الأقباط في مصر. ويكشف عن ازدواجية كل المقولات السائدة عن التسامح بين الأديان والوحدة الوطنية والمحبة الأخوية؛ والتي غالبًا ما تتداخل مع التحذيرات التمييزية والتعصب وإهانة الآخر. ويستخدم السخرية في فضح تلك المقولات المألوفة.

ويُعتبر التحرش الجنسي من أكثر الموضوعات تكرارًا في فيديوهات شادي. ويبدو أن التحرش كان أكثر القضايا الاجتماعية إثارة لغضبه وحماسه للعمل. وعلى مدى السنوات القليلة الماضية، أمضى عطلة عيد الفطر –حين ينتشر التحرش على نطاق واسع، عادةً في زحام الشوارع- في عمل حملات لمكافحة التحرش، من بينها حملة لرش اسبراي على ظهر المتحرش لتمييزه.

«كان مجهود فردي ومحاولات غير مدعومة من أي جهة»، كتبت عزة جمال الدين، إحدى صديقات شادي، على صفحتها في فيسبوك. «والولد [شادي] اتعرض للضرب والبهدلة من المتحرشين في الشارع، مع ذلك استمر في دعمه لبنات كتير بيتعرضوا لتحرش أو تعنيف في الشارع وفي محيط معارفهم وأسرهم حتى لو مش صديقة ولا بيجمعه بيها معرفة سابقة».

وفي مقطع فيديو في سبتمبر 2016، نرى مثالًا ساطعًا على طبيعة أعمال شادي: المواجهة والكوميديا. نرى شادي –القصير والنحيل- يسير في شوارع القاهرة إلى جانب صديق ضخم الجثة. يوقفان الشباب على نحو متكرر، ويسألونهم عن عدد النساء اللواتي تحرشوا بهن. وبمجرد أن يعترف أحدهم، يكسر صديقه بيضة طازجة على رأس المتحرش، ويسيل صفار البيض على وجهه. إنه أحد أشكال التشهير العام، يمتزج بنوع مماثل من انتهاك المساحة الشخصية والحدود المادية التي تعاني منها النساء بسبب التحرش.

وبعد أحد فيديوهاته عن التحرش في منتصف 2015، تلقى شادي عرضًا للعمل في البرنامج الساخر أبلة فاهيتا على قناة سي بي سي (قررت القناة وقف البرنامج في مارس الماضي). وسرعان ما حقق نجاحًا بوصفه مراسل البرنامج، الذي يُجري مقابلات في الشوارع ويسخر من طريقة المصريين في التعامل مع بعض القضايا الاجتماعية. ومن بين أشهر أعماله، مقطع فيديو لسفره إلى محافظة الدقهلية وإجراء مقابلة مع عضو مجلس الشعب المُنتخب حديثًا في ذلك الوقت توفيق عكاشة، ومقطع آخر يظهر فيه بملابس سانتا كلوز ويوزع الهدايا على المارة.

«لقينا شادي حرفيًا شال سيزون كامل من البرنامج على كتفه، واتحرك بيه خطوات لقدام لجمهور جديد خالص»، كتب محمود عزت؛ أحد منتجي البرنامج وأحد أصدقاء شادي المقرّبين، على فيسبوك: «كان الناس تقابلنا تقول لنا إنهم بيستنوا فقرته من أول ما الحلقة تبدأ، ومفيش مرة، ولا مرة وحيدة، واحنا قاعدين بنشتغل معاه ع الفقرة، ولا على أي حاجة تانية، حسينا إنه بيصدّر لنا إنه مهم أو مؤثر أو بقى نجم.. شادي فعلا من أذكى وأشطر الناس اللي اشتغلت معاهم».

وأثار شادي جدلًا في مطلع 2016، عندما نشر مقطع فيديو في الذكرى الخامسة لثورة 2011، يتظاهر فيه مع الممثل أحمد مالك بالاحتفال بعيد الشرطة يوم 25 يناير، ويُهديان بالونات مصنوعة من الواقي الذكري لبعض أفراد الشرطة غير المُدركين، وكُتب على البالونات: «من الشباب المصري إلى الشرطة في 25 يناير».

وانتشر الفيديو بسرعة، وحصد أكثر من مليون و400 ألف مشاهدة في يوم واحد، وتسبب في قيام أحد كبار الضباط بتقديم شكوى، مُطالبًا بمحاكمة هذين المُخادعين.

عاقبت نقابة الممثلين أحمد مالك، الممثل الشاب الصاعد في ذلك الوقت، وسرعان ما اعتذر وواصل سعيه للنجاح في مجال عمله وتحقيق مزيد من الشهرة.

وفي تلك الأثناء، أصدر شادي بيانًا يدافع فيه عن حقه في «معالجة القضايا الاجتماعية بطريقة كوميدية»، وانتقد التهديدات الموجهة ضده على صفحة فيسبوك الرسمية للشرطة. وفي نهاية المطاف، تقدمت عائلته بشكوى قانونية تطلب من وزارة الداخلية ضمان سلامته.

وكتب شادي: «إن دستور جمهورية مصر العربية، الذي تمت الموافقة عليه في عام 2014، يحمي صراحة حرية التعبير والإبداع ويُحمّل جميع هيئات الدولة مسؤولية حماية من يعبرون عن رأيهم وإبداعهم، وليس لإرهابهم وتهديدهم بالاختطاف والتعذيب».

وأصدر برنامج أبلة فاهيتا بيانًا لإدانة الفيديو بوصفه «إهانة، وغير مقبول»، واستبعد شادي. ولكنه استمر في العمل على نحو مستقل، وتابع نشر مقاطع الفيديو على «المحتوى الغني»، واتخذ قرارًا واعيًا بالابتعاد عن القضايا السياسية الصريحة.

«كان شديد الحرص على عدم الانخراط في السياسة، فقد عرف مدى صعوبة ذلك»، يقول وائل اسكندر؛ صديق شادي، ويشارك معه في بعض مقاطع الفيديو. يضيف اسكندر: «هو مدون فيديو يتفاعل مع الشارع، ويتحدث في أعماله عن المجتمع. وهذا هو شاغله الأساسي».

وفي واحد من أطرف مقاطع الفيديو، أجرى شادي مقابلات مع الناس في الشارع في يناير الماضي، وسألهم عن أفكارهم حول الأجانب. ومن خلال الأسئلة، كان شادي يستخرج الأفكار التقليدية عن الدين والقيم العائلية التقليدية والخوف من الآخر. ويتناقض العبث الصارخ في الإجابات مع تعبيرات وجهه الجادة.

ومنذ اعتقاله في مايو الماضي، تدفقت رسائل الدعم على وسائل التواصل الاجتماعي. ونشر أصدقاء شادي صوره وبعض الحكايات الطريفة عن نزواته ومواقفه الإنسانية، في محاولة لتذكير أنفسهم بأنه لن يُنسى.

يساهمون جميعًا في رسم صورة حية عن مُهرج طيب القلب، وصديق وفي؛ يحب الحيوانات والسينما والعزف على الجيتار والذهاب إلى الشواطئ. ويتفق كافة أصدقاء شادي وأفراد عائلته، بلا استثناء، على أن أبرز سماته هي: روح الدعابة.

وبالنسبة لغيره من مدوني الفيديو، حتى الذين تعرضوا لموجات الاعتقال المتكررة في مصر على مدى السنوات القليلة الماضية، كان اعتقال شادي بمثابة صدمة. وأبدى الكثيرون استياءهم من عدم وجود مبرر واضح -حتى بمقاييس الدولة الغامضة- لسجنه المفاجئ.

«أنا اتأثرت لعدة أسباب في قضية شادي دي بالذات، في أسباب منها شخصية طبعًا ليها علاقة بإن اللي هو بيعمله شبه اللي أنا باعمله. وإن القبض على واحد هو رسالة لكل الناس اللي بيعملوا حاجات شبهُه، فـ أنا طبعًا اتأثرت على المستوى الشخصي والعاطفي، بس كمان اتأثرت على مستوى سياسي ﻷن اللي بيعملُه شادي مش خطير خالص بالنسبة للدولة.».

وبعد عدة أسابيع من اعتقال شادي، قرر أنديل مغادرة مصر، والإقامة في الخارج.

وبعد أيام من مداهمة منزل شادي، نشرت وسائل إعلام رسمية صورة له وهو يرتدي تي شيرت وشورت، ويقف خلف منضدة عليها الكثير من الأشياء، لا يتخيل أحد سوى الدولة، أنها أدلة على ارتكاب جريمة، ومن بينها ملصقات ثورية، عبوات قنابل غاز مسيل للدموع، زجاجات خمر، قناع واقي من الغاز، وقناع جاي فوكس.

«أشعر بالإحباط إلى حد ما»، يقول إسكندر. «لدينا شخص يهتم بعمله ويتجنب الانخراط في السياسة لكي لا يُلقون القبض عليه، ولكنهم، مع ذلك، يقبضون عليه. يبدو الأمر مُحبطًا وصادمًا. يختلف الأمر إن كان قد ارتكب بالفعل ما يستحق عليه الحبس».

تزوره شقيقته رولا في السجن وتكتب عنه كثيرًا على فيسبوك. وبعد زيارته مؤخرًا، نشرت صورًا لقارب صغير وجميل على نحو مذهل، صنعه لأجلها من مئات العصي الخشبية الصغيرة، واستغرق أسبوعين من العمل المضني.

وكتبت رولا: «ده شادي، في أي مكان بيتصرف وبيطلع طاقته وإحباطه في حاجة مبدعة زي دي».

وفي آخر مقطع فيديو منشور على «المحتوى الغني» قبل ثلاثة أسابيع فقط من إلقاء القبض عليه، يصوّر شادي مشهدًا يشبه الأحلام. يبدأ المقطع عندما يغلق عينيه، ونرى على جفنيه رسمًا باللون الأسود لحدقتين، فيبدو مفتوح العينين، لا يرمش أو يُبصر. يتابع يومه كأنه يمشى أثناء النوم، في مشاهد سوريالية. يضع أحمر شفاه على خديّه، يأكل سيجارة، وينبش القمامة على جانبي الطريق بسنارة، وكأنه يصطاد السمك. يزور منزل أحد الأصدقاء حيث الجميع هناك على شاكلته؛ يحدّقون بعيون مرسومة ولا يبصرون شيئًا. أحدهم يحمل الجيتار على كتفه كأنه آلة كمان، والآخر يلف الأرز في ورق العنب، كأنه يلف سيجارة. يتناول شادي إصبع المحشي منه ويشعله ويُدخنه. يصبون زيت الزيتون في كؤوس بها ثلج ويشربونه. لا يتكلم أحد منهم. وينتهي المقطع بعودة شادي إلى منزله، حيث يتمدد على سريره لكي ينام.

اعلان
 
 
شريف عبد القدوس 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن