من يتحمل تكلفة «الإصلاح الاقتصادي»؟
 
 

ينشر هذا النص كجزء من ملف مشترك عن «الإصلاح الاقتصادي» أنتجه شبكة الإعلام المستقل في العالم العربي التي تضم: «الجمهورية»، و«السفير العربي»، و«مدى مصر»، و«مغرب أميرجان»، و«ما شاء الله نيوز»، و«نواة»، و«أورينت 21».

يعاني المصريون خلال العامين الأخيرين من تراجع ملموس في مستويات معيشتهم، بعد انخفاض قيمة العملة المحلية وارتفاع أسعار السلع والخدمات بمعدلات كبيرة وبشكل متزامن، على غير ما ألفوه من تغييرات تدريجية خلال العقود السابقة، وترتبط معاناتهم بتطبيق برنامج «إصلاح اقتصادي»، يستهدف إخراج الاقتصاد المصري من أزمته عبر حزمة من السياسات التقشفية التي تم الاتفاق عليها مع صندوق النقد الدولي.

وفي الوقت الذي يتراجع فيه الإنفاق على عدد من البنود التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر، تتوسع الدولة في الإنفاق على عدد من مشروعات البنية التحتية والإنشاءات، التي لم تطرحها للحوار المجتمعي ولم توضّح لماذا تعتبرها أولوية؟، بينما هي لا تصب بأي شكل في تحسين المؤشرات الأساسية التي يسعى البرنامج الاقتصادي لتحسينها، وعلى رأسها الموازين الخارجية والدين العام، فضلًا عن السيطرة على عجز الموازنة الذي يفترض بالضرورة تقليص النفقات وزيادة الإيرادات.

ورغم أن المواطنين الذين تطبق عليهم السياسات وتُستخدم مواردهم في المشروعات يفترض أن يكونوا على علم بالقرارات المصيرية التي ستؤثر على حياتهم، إلا أن الحكومة لم تناقش تفاصيل برنامج «الإصلاح الاقتصادي» قبل تطبيقه، وعُرض البرنامج على الرأي العام بعد الشروع في تطبيقه، وجاء الإعلان عن تفاصيله من جانب صندوق النقد أولًا، قبل الحكومة، ثم حصلت الحكومة على موافقة البرلمان على برنامجها بعد نحو خمسة أشهر من بداية تطبيق أهم بنوده.

وبنفس المنهج تتبنى الدولة مشروعات ضخمة يوجه لها جانبًا كبيرًا من الموارد التي يشير برنامجها الاقتصادي إلى أنها شحيحة، وذلك دون أن تتشاور مع أحد في هذه المشروعات أو توضح جدواها أو مساهمتها في تنمية الدخل القومي، أو رفع القيمة المضافة أو سداد الديون أو تحقيق التنمية البشرية، وهي الأهداف التي يمكن تقييم المشروعات التي تتبناها الدولة بناءً عليها.

برنامج «الإصلاح الاقتصادي»

بدأت مصر البرنامج الاقتصادي المتفق عليه مع الصندوق في نوفمبر 2016، ويمتد تنفيذه لثلاث سنوات، تحصل خلالها على قرض بقيمة 12 مليار دولار، يُقدّم على دفعات مشروطة بالتزامها بتطبيق الخطوات المتفق عليها.

وقطعت مصر ثلثي الطريق، إذ تبقت لها سنة واحدة في ظل هذه الاتفاقية، وتشير التقارير المتوالية من الصندوق إلى رضاه عن أداء الاقتصاد المصري، كما تعتبر الحكومة أنها حققت حتى الآن إنجازًا كبيرًا بتحقيق عدد من أهداف البرنامج على رأسها زيادة معدل النمو الاقتصادي من 4.3% قبل تطبيق البرنامج إلى 5.3% في السنة المالية المنتهية في يونيو الماضي، ويتوقع الصندوق استمراره عند هذا المعدل خلال العام الجاري، مدفوعًا بـ «تعافي قطاع السياحة وزيادة إنتاج الغاز الطبيعي واستمرار تحسن الثقة بسبب تطبيق برنامج الإصلاح»، بحسب تقرير آفاق الاقتصاد العالمي الذي أطلقه صندوق النقد في أكتوبر.

واستطاعت الدولة من خلال السياسات المتفق عليها حل أزمة نقص النقد الأجنبي التي عانى منها الاقتصاد، بمساندة من القروض الدولية من جهة وبتخفيض قيمة العملة المحلية وتحرير سعرها من جهة أخرى، فتراكمت الاحتياطيات من النقد الأجنبي لدى البنك المركزي لتصل إلى مستويات تاريخية، (ارتفعت من 17.5 إلى نحو 44.5 مليار دولار خلال عامين)، في نفس الفترة التي زادت فيها الديون الخارجية بنحو 58% لتبلغ 88 مليار دولار بحسب آخر البيانات المتاحة لدى البنك المركزي.

أما المصادر التي تدر دخلا بالعملات الأجنبية فلم تشهد الدفعة التي وعدت بها الحكومة والمؤيدون لتعويم الجنيه، خاصة بالنسبة للصادرات التي تحسن أداؤها لكنها لم تشهد الطفرة المنتظرة خلال تلك الفترة، وارتفعت الاستثمارات المباشرة بنسبة 11% مع نمو قطاع النفط والغاز، أما السياحة فلم تكن استجابتها كبيرة لتخفيض العملة خلال العام الأول للبرنامج، إلا أنها بدأت تشهد نموًا كبيرًا في العام الأخير.

وبينما كان النجاح الأكبر الذي حققه تحرير سعر صرف العملة المحلية، والذي يعد ركيزة أساسية لبرنامج «الإصلاح» كما يراه المسؤولون، هو جذب المستثمرين لسوق الديون المصرية، حيث وصلت استثمارات الأجانب في أذون الخزانة والسندات إلى نحو 23 مليار دولار في مارس الماضي، ارتفاعًا من نحو 500 مليون قبل التعويم.

لكن هذه الأموال التي تم جذبها، رغم ما أتاحته من عملة صعبة، وما حصلت عليه الحكومة من سيولة مقابلها بالعملة المحلية لتمويل احتياجاتها، تمثل عبئًا على موازنة الدولة، لأن قيمة الأوراق المالية تُرد بعد فترة محددة مضافًا إليها الفوائد التي تتحملها الخزانة العامة، المثقلة من الأصل بأعباء الديون وخدمتها، حيث يصل حجم الدين المحلي لمصر إلى 3.5 تريليون جنيه (نحو 197 مليار دولار)، حسب آخر بيانات معلنة في مارس الماضي، وذلك بعد زيادته خلال فترة تطبيق برنامج «الإصلاح» بنحو 35%.

وتؤدى تلك الديون إلى أن يبتلع سداد الفوائد ما يقرب من 40% من الإنفاق الحكومي سنويًا، متفوقًا على نصيب الأجور والدعم والاستثمارات العامة من هذه النفقات.

وفضلًا عما يمثله من عبء على الموازنة فإن الاستثمار الأجنبي في الأوراق المالية حساس بطبيعته لأي تقلبات في الأسواق الدولية، وهذا أحد أوجه خطورته التي حذر منها عدد من الاقتصاديين، لأنه كما يأتي سريعًا يمكن أن يرحل سريعًا، وهو ما حدث في الشهور الأخيرة مع تشديد سياسة الفائدة الأمريكية وتصاعد التوترات التجارية والسياسية العالمية، وما أدى إليه من انسحاب لرؤوس الأموال من الأسواق الناشئة، ومنها مصر، إذ انسحبت من محفظة الأوراق المالية استثمارات بقيمة 6 مليارات دولار في الفترة من أبريل إلى يوليو الماضي (ربع الاستثمارات تقريبا).

 وبالتالي يكون تعويل الحكومة على جذب هذا الاستثمار واعتمادها عليه وضعها في مأزق، حيث إنها أصبحت مضطرة لطرح الأوراق المالية بأسعار فائدة أعلى مما كان مخططًا حتى يُقبل المستثمرون عليها في ظل عزوفهم الحالي عن الأسواق الناشئة، علما بأن كل 1% زيادة في الفائدة ترفع تكلفة خدمة الدين بالموازنة ما بين 4 و5 مليارات جنيه.

العجز وتقليص الإنفاق

الهدف الأكبر لبرنامج «الإصلاح الاقتصادي»، سواء في حالة مصر أو معظم التجارب التي تمت في إطار منهج صندوق النقد الدولي، هو تخفيض عجز الموازنة، والطريق إلى تحقيقه يكون عادة من خلال تخفيض صارم للنفقات الحكومية، بالإضافة لإيجاد طرق لزيادة الإيرادات.

والتزمت مصر في برنامجها بعدد من القرارات التي تقلص من الإنفاق العام وبالتالي تخفض عجز الموازنة، فخلال العامين الماضيين اتخذت الحكومة عدة قرارات لتقليص الدعم الذي تقدمه للمواطنين على الوقود والكهرباء والمياه بالإضافة لوسائل مواصلات رئيسية مثل مترو الأنفاق.

ورغم الآثار العنيفة لهذه الإجراءات على معدلات زيادة الأسعار ومستويات معيشة المواطنين، فإن الهدف يتحقق بصعوبة كبيرة، حيث تتفق الحكومة مع الصندوق كل بضعة أشهر على زيادة الرقم المستهدف لعجز الموازنة كنسبة من الناتج، سواء نتيجة لارتفاع الأسعار العالمية لمنتجات البترول التي تعتمد مصر على استيراد جزء كبير منها، أو بسبب تفاقم مدفوعات الفائدة وأقساط الديون نتيجة التوسع في الاستدانة.

وبذلك يتحمل المواطن الزيادات المتوالية في الأسعار، وانسحاب الدولة من دعمه، فضلًا عن عدم تقديمها أي ضمان لزيادة دخله، في سبيل تحقيق توازن لمؤشرات مالية يصعب أن تتوازن بشكل فعلي دون تغييرات كبيرة في هيكل الاقتصاد، لا يتطرق إليها برنامج «الإصلاح».

وبدأت خسائر المستهلكين من برنامج «الإصلاح» مع تطبيق ضريبة القيمة المضافة في سبتمبر 2016، والتي حلت محل ضريبة المبيعات ورفعت النسبة المفروضة على السلع الاستهلاكية، كما توسعت في إخضاع طيف واسع من السلع والخدمات التي لم تكن خاضعة للضريبة.

وكانت الحكومة المصرية قررت في يوليو 2016 (نفس العام الذي بدأ فيه البرنامج الاقتصادي) خفض الضرائب على الشريحة الأعلى من الدخل لتكون 22.5% بدلًا من 25%، وألغت في نفس الوقت ضريبة استثنائية مدتها ثلاث سنوات طبقت عام 2014 بنسبة 5% من دخل المواطنين الذي يزيد على مليون جنيه مصري سنويًا، كما ألغت ضريبة نسبتها 10% على الأرباح الرأسمالية.

ثم لحق تطبيق ضريبة القيمة المضافة قرار تحرير سعر الصرف في نوفمبر من نفس العام، والذي ترتب عليه انخفاض قيمة الجنيه إلى النصف ومعها القدرة الشرائية للمصريين، وكان هذا القرار هو تذكرة المرور للحصول على الموافقة النهائية على قرض صندوق النقد، والذي صُرفت لمصر الدفعة الأولى منه بعد أسبوع واحد من تعويم العملة. وفي نفس الليلة رفعت الحكومة أسعار الوقود بنسب تتراوح بين 30 إلى 80%.

نتيجة لهذه القرارات المتتالية بدأت موجة غلاء طاحنة، ووصل معدل زيادة أسعار المستهلكين (التضخم) لمستويات قياسية، وسجل 30.7% في المتوسط خلال عام 2017 الذي تلى التعويم. ثم اتجه معدل التضخم للتراجع خلال العام الجاري، وهبط إلى مستوى 11.5% نتيجة للمقارنة بالأرقام المرتفعة للعام السابق، لكنه عاود الصعود مع رفع أسعار الوقود مجددًا في يونيو 2018، ومن بعده الكهرباء. ويتوقع صندوق النقد في تقريره آفاق الاقتصاد العالمي، أن يدور المعدل خلال العام الحالي حول ما يقرب من 21%.

ولا يشير انخفاض معدل التضخم إلى أي تحسن في معيشة الناس، لأن الأسعار لا تتراجع وإنما تزيد أيضًا ولكن بمعدل أقل من ذي قبل، في الوقت الذي لا تشهد فيه الأجور زيادة موازية، بل وتلجأ بعض جهات التوظيف لتخفيض الأجور كوسيلة لتقليل التكاليف، وسط موجات ارتفاع أسعار السلع والخدمات التي تطول كل شيء بما فيه تكاليف الإنتاج.

وبذلك يكون المواطن (وليس الدولة أو المستثمر) هو أكبر متحمل لتكاليف سياسات الإصلاح، سواء تلك المبنية على خفض النفقات أو المؤدية لزيادة الإيرادات، فرغم تأكيد صندوق النقد على أهمية التوسع في فرض الضرائب على أصحاب الدخل الأعلى وملاحظاته في الوثائق الخاصة بمتابعة البرنامج الاقتصادي المصري التي تشير إلى أن الضرائب على أرباح الشركات تشهد تراجعًا مستمرًا خلال السنوات العشر الأخيرة، إلا أنه في نهاية الأمر سمح للحكومة بالتراجع عن الضرائب التي كانت قد بدأت تفرضها على أصحاب الدخل الأعلى، وعلى المعاملات الرسمألية، بينما ضغط عليها بشدة حين تأخرت في تطبيق ضريبة القيمة المضافة، رغم أن الأخيرة هي ضريبة تراجعية يتحملها المستهلك الذي لا يحقق أي أرباح.

ويطرح المنتقدون لتلك السياسات، سواء من الاقتصاديين أو العاملين في مجال الدفاع عن الحقوق الأساسية للمواطنين، الأسئلة حول كفاءة مثل هذا «الإصلاح» في إخراج الاقتصاد من أزمته، وإلى أي مدى يمكنه أن يقدم تغييرًا في هيكل وطريقة إدارة الاقتصاد بما يجعله يحقق نموًا مستدامًا، ويضمن توزيع الأعباء والمزايا بقدر من العدالة، بدلًا من تحميل المواطن عبء الإصلاح كاملًا، دون مقابل، بينما تملك أطراف أخرى فرصًا لتجنب التكلفة أو تحقيق المكاسب.

ما موقع المشروعات الكبرى من «الإصلاح»؟

في ظل الجهود المبذولة لتخفيض الإنفاق العام، والاقتطاع من ميزانية الدعم لسد العجز، وفي إطار الديون المتزايدة والفوائد التي تستهلك موارد الدولة، والتي تحول دون توسعها في الإنفاق على الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة، يتواتر الإعلان عن مشروعات إنشائية ضخمة، تتكلف مئات المليارات من الجنيهات، ويجري الترويج لها باعتبارها ستفتح الأبواب للمستقبل، دون أن توضح الحكومة للرأي العام الجدوى الاقتصادية لتلك المشروعات، وكيف تخدم أهداف التنمية المستدامة، وكيف تتوافق مع البرنامج التقشفي الذي تفرضه على مواطنيها.

في الوقت الذي وقعت فيه مصر على قرض صندوق النقد الدولي بـقيمة 12 مليار دولار ( مقسمة على ست دفعات)، وجمعت في إطاره نحو 12 مليار أخرى من الدول الصديقة والمؤسسات المقرضة بالإضافة لطرح السندات بالعملات الأجنبية في الأسواق الدولية، وذلك لسد الفجوة التمويلية القائمة لديها والإنطلاق في عملية «الإصلاح»، فإنها أيضًا بدأت في الإعداد لمشروع العاصمة الإدارية الجديدة، والذي قدر المسؤولون عنه تكلفته بنحو 45 مليار دولار (ما يعادل 800 مليار جنيه بسعر الصرف الحالي).

بعيدًا عن الأحاديث الدعائية التي تُقدم بها الحكومة هذا المشروع في وسائل الإعلام، فلم يتم فعليًا طرحه للنقاش العام والتعرف على جدواه الاقتصادية، وعلى مدى إلحاحه في سلم الأولويات بالنسبة لاقتصاد يعتمد على التقشف والاستدانة حتى يستعيد توازنه بعد فترة عانى فيها من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي.

ويقول رئيس شركة العاصمة الإدارية، التي أنشأتها الدولة لتكون مسؤولة عن مشروعها، إن تكلفة المرحلة الأولى للعاصمة تبلغ 300 مليار جنيه، وسيتم الانتهاء منها خلال ثلاث سنوات.

فإذا كانت هناك موارد بهذا الحجم يمكن تخصيصها لمشروع سكني بالأساس حتى لو اتخذ شكل مدينة، فلماذا لا يوجه هذا المبلغ للمجالات الملحة التي تحتاج للإنفاق إما لتحسين أوضاع قطاعات الاقتصاد الحقيقي التي ستعود بأرباح من النفقات التي يتم ضخها فيها، على عكس المدينة السكنية، أو في برامج تساعد في تخفيف وطأة الأزمة الاقتصادية على المواطنين، أو في تلبية احتياجات قطاعي التعليم والصحة اللذان يعانيان من تدهور أوضاعهما بينما يقل نصيبهما من الإنفاق العام كل عام مقارنة بالعام السابق.

ونظرا لأن هذه التساؤلات تتردد في المساحات المحدودة المتاحة للتعبير، مثل مواقع التواصل الاجتماعي، فإن المسؤولين يحرصون في كل مناسبة على التأكيد على أن مشروع العاصمة الإدارية غير ممول من ميزانية الدولة، بحيث تصبح التساؤلات دون معنى.

بينما تنقسم ملكية الشركة المسؤولة عن هذا المشروع بين القوات المسلحة بنسبة 51% وهيئة المجتمعات العمرانية بنسبة 49%، وكلاهما جهة عامة تابعة للدولة، وإن كانت كل الأمور المالية المتعلقة بالقوات المسلحة تعتبر سرية لا يعرف عنها أحد شيء، إلا أنها في نهاية الأمر أموال عامة.

ولا يتقصر الأمر على العاصمة الإدارية إنما تعمل الدولة على إنشاء مدينة العلمين الجديدة كذلك، لتكون مدينة مليونية ترفيهية سكنية، وتتكلف المرحلة الأولى منها 50 مليار جنيه، وتشمل مقرات حكومية وقصرًا رئاسية لتصبح مقرًا صيفيًا للحكومة.

ويشمل برنامج الحكومة الذي عرضته على البرلمان خلال الصيف الماضي، 13 مدينة جديدة تعتزم بناءها خلال السنوات المقبلة.

ورغم عدم وضوح الهدف من وضع هذه المشروعات الإنشائية كأولوية أولى في برامج الحكومة، يبدو أن هناك ميلا للاعتماد بشكل مفرط على قطاع التشييد والبناء لتحريك الاقتصاد وضمان وجود قدر من التشغيل للعمال، بدلًا من توجيه تلك الموارد لخلق فرص عمل لائقة في الاقتصاد الحقيقي تضمن مردودًا تنمويًا للنفقات التي سيتم ضخها.

ولخدمة هذه المدن شرعت الحكومة في الإعداد لمشروع قطار فائق السرعة، يمتد بطول 498 كيلومتر من العين السخنة حتى العلمين، رابطًا العاصمة الإدارية الجديدة، ومدينة 6 أكتوبر، والإسكندرية، بتكلفة تصل إلى 1.2 مليار دولار (نحو 28.5 مليار جنيه)، يتم تمويلها بقرض مُيسر من الصين.

والمفارقة الدالة على نوعية التحيزات التي تُبنى سياسات الدولة على أساسها في هذه المرحلة، أنه في الوقت الذي تتبنى فيه الدولة مشروع القطار السريع هذا لخدمة المدن الجديدة التي تبنيها، فإنها ترفض أن تتحمل مسؤولية مرفق مثل مترو الأنفاق الذي رفعت سعر تذكرته مرتين في عام واحد، وربما ترفعها مرة ثالثة، بدعوى تحقيق المرفق لخسائر تصل إلى 600 مليون جنيه (مبلغ لا يقارن بالمليارات التي يتم إنفاقها على المشروعات المشار إليها)، بينما هو في حقيقة الأمر مرفق رابح، وإنما تسعى الحكومة لتحميل الاستثمارات الجديدة التي تنشئ فيها خطوط جديدة للمترو داخل القاهرة على المواطنين الذين لم يقرروا التوسع في المرفق، والذين يمثل لهم هذا المرفق خدمة مواصلات آمنة وسريعة وغير مكلفة وسط الغلاء الذي يعيشون فيه، وذلك استكمالًا لدفعهم ثمن «إصلاح» تستفيد منه الشركات والبنوك والمقرضين المحليين والدوليين.

اقرأ في الملف أيضًا:

* ما جدوى الإصلاحات الاقتصادية المفروضة على العالم العربي؟

مديونية الأردن وصندوق النقد: إعادة إنتاج السراب مديونية الأردن وصندوق النقد: إعادة إنتاج السراب

إصلاح النظام المالي الفلسطيني: فصل في دفن الانتفاضة

* الديون التونسية: «أصدقاء تونس» يحاصرونها بقروضهم

* محاسيب سوريا ومصر: الانفتاح الاقتصادي كإعادة إنتاج للنخب السلطوية

* شمال أفريقيا: استقلال البنوك المركزية يبعث على الخوف

*النظام المالي اللبناني: الإصلاح المستحيل

اعلان