مشروع حظر النقاب ومشروعية حرية الاختيار

قدمت غادة عجمي، النائبة بالبرلمان المصري، مشروعًا لحظر ارتداء النقاب في الأماكن العامة، ينص على منع ارتداء النقاب في المستشفيات والمدارس والمصالح الحكومية وغير الحكومية، وتوقيع غرامة مالية على من يخالف هذا القانون، ومضاعفة الغرامة في حال تكرار المخالفة.

بالطبع، اهتم متابعو مواقع التواصل الاجتماعي بهذا المشروع، الذي تراجعت النائبة لاحقًا عن تقديمه، وأدلى كلٌ بدلوه، وكما يقول رواد مواقع التواصل الاجتماعي: هبَدَ كلٌ هَبده.

كان هناك أربع فرق في ما يتعلق بذاك المشروع، إذا استثنينا الفرقة الناجية دومًا، وهي الفرقة غير المكترثة. فريقان شعبويان يؤيد أحدهما ويعارض الآخر القانون من واقع تفسيرات وتعليقات تثير الدهشة، والضحك أحيانًا، والغيظ حينًا، والانبهار دومًا.

كأن يتحدث مؤيدو المشروع عن المرأة التي أقامت وعشيقها مع زوجها تحت سقف واحد، حيث خدعت زوجها وأوهمته أن عشيقها هو صديقتها المنقبة. والرجل الذي ارتدى النقاب وقام بسرقة بنك. والرجل الذي ارتدى النقاب وقام بعمل إرهابي. والرجل الذي ارتدى النقاب واختطف طفلًا. إذن، على ما يبدو، فإن هذا الفريق لا يعارض ارتداء المرأة للنقاب بقدر ما يعارض ارتداء الرجل له، وهذا هو منطلقهم الرئيسي.

الفريق المعارض، طفق يتحدث عن الحرب على الدين، والإسلام، والعفة، والعفاف، وأخذ يردد عبارات عن الحرية والديمقراطية، وقرروا وقائع عجيبة غريبة مريبة، ألا وهي «انتو بتسيبوا الستات تمشي بالبيكيني في الشارع ومش عايزين تشوفوا المنقبات». بيكيني في الشارع؟ بيكيني لا يراه إلا المؤمنون! يجدر التنويه أن البيكيني هو لباس بحر من قطعتين، في طريقه إلى الانقراض من المجتمع المصري، حتى على حمامات السباحة، ولا نعلم متى رأى هؤلاء النساء يرتدين لباس بحر، قطعة واحدة أو قطعتين، في الشوارع!

هناك فريقان آخران نخبويان، ما بين مؤيد ومعارض، يعبر كل منهما عن وجهة نظره ونظرياته وكأنه أحد مواطني الاتحاد الأوروبي، وكأن مصر محكومة تمامًا بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان لا تحيد عنه، مثل حديث المعارضين النخبويين عن «الإسلاموفوبيا»، في دولة يدين أغلب سكانها بديانة الإسلام، وينص دستورها على أن دين الدولة الإسلام ومرجعيتها في تفسيره هو الأزهر. بينما يتحدث النخبوي المؤيد لمشروع القانون عن الخطورة الأمنية، واحتمال تهريب المتفجرات، وكم المهانة التي تتعرض لها المرأة حين ترتدي النقاب. وكأنه لم يتابع أحداث دير الأنبا صموئيل الإرهابية، حيث نفذ الإرهابيون عملية قاموا بها في العام الماضي، على نفس الطريق، وبنفس الخطة، وقد يكون بنفس السلاح وربما بنفس الأشخاص، دون أي تحرج أو تورع يدفعهم للتخفي تحت نقاب أو حتى خلف ملابس هالووين.

أما الحديث عن مهانة المرأة وحريتها في الاختيار، فلنا هنا وقفة.

متى كانت المرأة في مصر حرة في اختيار ملبسها ونمط حياتها وطريقة التعبير عن نفسها والبوح بما في داخلها بل وطبقة صوتها؟

يقول المتعاطفون مع التيار الإسلامي: «مش هي دي الحرية والديمقراطية بتاعتكم؟».

حسنًا، لقد اعترفوا ضمنًا أن الحرية والديمقراطية ليست «بتاعتهم» وإنما «بتاعة» آخرين. فإن كنت عزيزي الهَبيد من أنصار فكر لا يعترف بحرية الاختيار، وإنما يقول: ليس لنا خيار في ما اختاره الله لنا، ثم يعطف ما اختاره الله لنا على ما في بعض الكتب القديمة التي يعتقد في قدسيتها بالرغم من أن الكثير من متنها يتعارض مع القرآن ذاته الذي يؤمن به المسلمون. وإن كنت لا تعتقد في الديمقراطية وتظن أنها بدعة، وأنها تتيح للرويبضة التحدث في أمور العامة. وإن كنت لا تعتقد في المساواة، بل تُنَظِّر إلى أنها تنافي العدل، وتضرب أمثلة ساذجة كمثال التلميذ طويل القامة والتلميذ قصير القامة، والمساواة بينهما في الجلوس في نفس الأماكن في الفصل الدراسي، وكيف أن جلوس الإثنين في آخر الفصل الدراسي سيظلم القصير، بينما الجلوس في أول الفصل سيظلم آخرين سيعانون من طول قامة التلميذ الآخر، وحاجة آخر هَبد وهري وهذيان وتوهان، فلماذا عزيزي الهَبّيد تلجأ للحرية والديمقراطية والمساواة ما بين المنقبة وتلك التي «ترتدي البيكيني» في الشارع، والتي لم يرها سواك؟

أكرر السؤال: متى كانت المرأة المصرية حرة في أي اختيار كي يتحدث النخبوي والشعبوي عن قمع الحرية أو ترك الحرية لها في ارتداء هذا الزي أو ذاك؟

المرأة المصرية تقف كل يوم أمام المرآة لتختار الملابس التي تحول دون التحرش بها، لا الملابس التي تعبر عن ذوقها وشخصيتها. تختار نبرة صوت لا تثير اشمئزاز المواطنين الذين سينظرون إليها باستهجان لأنها: مايصة، أو دكر، أو صوتها عالي، أو مسهوكة… إلخ. تختار مشية في الطريق تفتخر بأنها تشبه مشية العسكري حتى لا تلفت الأنظار وتقع في خطيئة متعدية، تحمل فيها وزر المارة الذين لا تعرفهم ولا ترغب في معرفتهم ولن تقابلهم مرة أخرى ولو مصادفة، لكن رجال الدين قاطبة أشعروها بمسؤولية نحوهم، وأكدوا لها أنها ستتسبب في ذهابهم إلى النار، والكثير من النساء لم يتوقفن لحظة ليفكرن: ما يروحوا النار ولا يروحوا في داهية أنا مالي؟

المرأة المصرية تقع حائرة ما بين المهمة المقدسة في «اصطياد» عريس، وبين ضرورة أن تصرف عنها أنظار الرجال. تختار وظيفة لا تتسبب لها في القيل والقال، وتطلب مواعيد لا تعرضها للانتهاك في طريق الذهاب والعودة، حتى شريك حياتها تختاره عادة تحت شعار «أحسن ما أعنس».

المرأة المصرية مضروب عليها حصار إذا ما سولت لها نفسها المريضة أن تنخرط في العمل العام، فهي إما آنسة، فهي بالضرورة «عانس ومعقدة ومش لاقية اللي يبص في وشها عشان كده عاملة مناضلة»، أو متزوجة فهناك «خرونج مش عارف يلمها»، أو مطلقة فهي «شِمال»، أو أرملة فهي «عايزة راجل»، وهي إما مهتمة بمظهرها، فهي تغزو العمل العام بجمالها لا بعملها، أو تحتفظ بمظهر يخفي أنوثتها فهي «غفر». هذا الاستهداف المتوالي المستمر الذي يأكل روح أي إنسان، تقع المرأة المصرية في مرمى نيرانه بشكل يومي، بل بشكل لحظي.

لا يمكن لأي رجل أن يشعر بما تشعر به المرأة المصرية التي تسير سجينة جسدها الذي يقتحمه عليها الآخرون دائمًا وأبدًا، إما بالإشارة إليها بوصفها مَلبَن أو مُزّة، أو بالتعريض بها بوصفها دَكَر وغَفَر، أو باتهامها بأنها «شِمال» لإنها لا ترتدي الملابس المحتشمة المتعارف عليها اجتماعيًا باسم «الحجاب»، أو أنها معقدة ومكلكعة لإنها ترتدي الملابس التي يقرها المجتمع بوصفها نموذجًا للحشمة.

أنت لن تفهم أبدًا كيف يصبح جسدك هو القضية الأكبر في حياتك، هو عارُك الذي تريد أن تغسله، هو خزيك الذي يلاحقك، هو ذنبك الذي تستغفر عنه بكرةً وأصيلا، هو صليبك الذي تحمله، وخطيئتك التي لا يغفرها حتى الدم المقدس. لم يحدث أن تعرض رجل، مهما بلغ سفاهة أعدائه، لهذا الكم من الاقتحام الجسدي والتعريض بالبدن والمظهر. لم أسمع في حياتي أن رجلًا قيل عنه أن أنفه معيب، أو أن كرشه كبير، أو أنه مسلوَّع وساقاه مثل ساقي الكرسي الخرزان. ربما تبلغ الدناءة بالبعض أن يعرض بزوجة هذا الرجل أو أمه أو أخته أو ابنته لإهانته، وكأن المرأة هي بيت الإهانة.

وهذا هو بيت القصيد: المرأة بيت الإهانة. فلا يُنَظِرَّن أحدكم حول حرية المرأة وكرامتها في بلد مثل مصر.

اعلان