عامان على اتفاقية القرض.. ما لم يتوقعه الصندوق
 
 

قبل سنتين من الآن، كان صندوق النقد الدولي والحكومة المصرية يطلقان معًا توقعات متفائلة حول مستقبل الاقتصاد المصري بعد تطبيق برنامج التقشف المتفق عليه بينهما والذي يمتد لثلاث سنوات، في إطار قرض قيمته 12 مليار دولار حصلت مصر على أولى دفعاته في 11 نوفمبر 2016، وهو القرض الذي تم التوقيع عليه في ظل أزمة عدم توافر للعملة الأجنبية.

وبعد مرور عامين، تبدو أزمة العملة قد انتهت، وأهداف الصندوق بشأن النمو كذلك قد تحققت أو على وشك التحقق، ولكن بثمنٍ غالٍ على صعيد الدين الخارجي والتضخم وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين. أما فيما يتعلق بالموازنة وخفض مخصصات دعم المواد البترولية التي استهدفها البرنامج الاقتصادي بشكل خاص، فقد أدى تراجع قيمة الجنيه بعد التعويم إلى تضخم تلك المخصصات بدلًا من تخفيضها.

وقبل أيام، أصدر بنك الاستثمار «شعاع» تقريرًا غير منشور وجهه لعملائه، يشير إلى تحديات يواجهها الاقتصاد المصري أخفق صندوق النقد في توقعها.  

نمو واضح لكن غير متوازن

تطور النمو في الناتج المحلي الإجمالي بشكل واضح بالمقارنة بين السنوات السابقة والتالية لتوقيع الاتفاق مع الصندوق، ليرتفع من 4.3% قبل الاتفاقية إلى 5.8% متوقعة في يونيو المقبل، بنهاية الأعوام المالية الثلاثة التي يتضمنها البرنامج الاقتصادي المتفق عليه.

المصدر: وزارة التخطيط

إلا أن هذه المعدلات العالية من النمو في الناتج المحلي الإجمالي تخفي وراءها انعدامًا لـ «التوازن» كما يوضح تقرير «شعاع».

فالقطاع الخاص، الذي يستثمر في مجالات غير البترول والغاز والإنشاءات والعقارات، مر بصعوبات بالغة في الفترة التي سبقت تطبيق برنامج الضبط المالي –المرتبط بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي- بسبب أزمة نقص العملة الأجنبية في الأساس.

كما عانى كذلك في الفترة التالية لتنفيذ البرنامج، نظرًا للارتفاع في أسعار الطاقة، بالإضافة إلى زيادة أسعار خامات الإنتاج بعد التعويم، وارتفاع تكلفة الائتمان بشكل كبير مع تزايد أسعار الفائدة، كما يقول التقرير.

وكانت البنود المعلنة من الاتفاق بين مصر وصندوق النقد الدولي قد تضمنت أن «تركز السياسة النقدية على احتواء التضخم، والوصول به على المدى المتوسط إلى رقم متوسط في خانة الآحاد»، وهو هدف كان يعني عمليًا ارتفاعات كبيرة في مستويات الفائدة، من غير المتوقع تراجعها في الأجل القصير.

و«بالرغم من تباطؤ وتيرة التضخم الأساسي (الذي يستبعد تأثيرات السلع المتذبذبة الأسعار من ناحية والسلع الخاضعة للتسعير الحكومي)، فإننا نرجح أنه لن يكون حافزًا لاتجاه البنك المركزي إلى خفض أسعار الفائدة الأساسية على المدى القريب»، كما يرى «شعاع» في تقريره الشهري.

وبعيدًا عن قطاع البترول والغاز الذي استحوذ على معظم تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، بحسب التقرير، تبدو أوضاع القطاع الخاص أصعب.

في المقابل، يوضح مؤشر مديري المشتريات الصادر عن بنك دبي الإمارات الوطني أن الفترة منذ يناير 2015 وحتي يونيو 2017 لم يسجل خلالها المؤشر «50 نقطة» إلا سبع مرات تقريبًا. وبالرغم من أن المؤشر تجاوز الخمسين نقطة في شهري يوليو وأغسطس 2018، إلا أنه عاود الانخفاض مجددًا في سبتمبر إلى ما دون الخمسين.

ومؤشر مديري المشتريات PMI هو مؤشر يرصد كل شهر ظروف التشغيل والعمل وفي القطاع الخاص غير المنتج للنفط، مستندًا على ركائز أساسية هي الطلبيات الجديدة ومستويات المخزون والإنتاج وحجم تسليم المُوردين، وبيئة التوظيف والعمل.

ويهدف المؤشر، الذي يستند إلى استطلاع آراء مديري المشتريات في الشركات، إلى تقديم صورة عن ظروف العمل الحالية إلى صنّاع القرار في الشركات وللمحللين الماليين، والرؤساء التنفيذيين في الشركات.

وتشير قراءة المؤشر عند 50 نقطة إلى ثبات ظروف قطاع الإنتاج غير النفطي دون تحسن أو تراجع. أمّا القراءة الأعلى من 50 نقطة، فتشير إلى نمو في القطاع الخاص غير النفطي، بينما القراءة الأقل من 50 نقطة، فتعكس تراجعًا وانكماشًا في ذلك القطاع.

ويرى «شعاع» أن الحكومة اختارت الاستثمار في المشروعات الكبرى لتحفيز النمو عن طريق الأثر المضاعف لقطاع الإنشاء في حفز التشغيل، بينما يحتاج قطاع الصناعات التحويلية تشجيعًا أكبر، حيث أنه صاحب مساهمة أعلى في الصادرات والتشغيل المستدام.

البطالة تتراجع والأجور الحقيقية أيضًا

تُظهر البيانات الرسمية تراجعًا في معدلات البطالة من 12.8% في عام 2015 إلى 11.8% في عام 2017، تبعًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

لكن في المقابل شهدت نفس الفترة تراجعًا كبيرًا في القدرة الشرائية للمواطنين. فمنذ العام 2015 وحتى البيانات الأخيرة المتاحة تجاوز معدل التضخم في أسعار المستهلكين الزيادة في نمو متوسط الأجور، مما سبب إنهاكًا للقطاع العائلي. وقد يشكل هذا التآكل السريع في القوى الشرائية ضغطًا اجتماعيًا على الحكومة يدفعها لإعادة النظر في جدول «الإصلاحات»، كما يرى تقرير «شعاع».

وتُظهر البيانات الرسمية اتساع الفجوة بين معدل النمو في باب الأجور في الموازنة العامة والنمو السنوي في الأجور الشهرية من ناحية، ومعدلات التضخم خلال السنوات القليلة الماضية من ناحية أخرى. إذ انعكست المعادلة خلال السنوات التالية للقرض عن تلك السابقة عليه، حيث كان الفارق بين الأجور والتضخم يتجه لصالح زيادة الأجور الحقيقية، ولكن معدل النمو في الأجور في الموازنة بدأ في التراجع بشكل متواصل منذ 2015، في مقابل ارتفاع قياسي في معدل التضخم في أسعار المستهلكين بدأ في 2016. 

المصدر: بنك الاستثمار «شعاع»

ارتفاع قياسي في حجم الدين الخارجي

«بلغ رصيد الدين الخارجي نحو 92.6 مليار دولار أمريكي في نهاية يونيو 2018، بزيادة نحو 13.6 مليار دولار مقارنة بنهاية يونيو 2017»، تبعًا للتقرير الشهري للبنك المركزي المصري، الصادر في الأسبوع الأخير من شهر أكتوبر.

وبالرغم من أن البنك المركزي يشدد على أن تلك المعدلات لم تتخط الحدود الآمنة تبعًا لـ «المعايير الدولية»، إلا أن «شعاع» يرى أن سرعة تراكم الدين الخارجي لافتة للنظر.

وارتفع رصيد الدين الخارجي من 46.1 مليار دولار في الربع الأول من عام 2016/2015 إلى 92.6 مليار دولار في الربع الرابع من العام 2018/2017، وفقًا لبيانات البنك المركزي، وتتخطى هذه الزيادة نسبة 106% خلال ثلاثة أعوام.

المصدر: بنك الاستثمار «شعاع»

«هذا التسارع في وتيرة الاقتراض الخارجي والاعتماد على سوق الائتمان العالمي يخلق نوعًا من الهشاشة ناحية الأجواء النقدية، والتي تتجه نحو التشديد حاليا»، حسبما يقول تقرير «شعاع»، الذي يحذر من أن «أي انخفاض في سعر العملة قد يؤدي إلى ازدياد تعقيد الأمر مع أي تخوف يثيره يؤدي إلى خروج جماعي لرؤوس الأموال».

وارتفع الدين الخارجي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي من 15.1% في العام 2014 إلى 37% في يونيو من العام 2018 (أكثر من ثلث الناتج المحلي) تبعا لبيانات البنك المركزي. ويتخطى هذا الارتفاع بوضوح توقعات صندوق النقد الدولي في وثائق الاتفاق مع مصر، والتي رفع الحظر عنها في يناير 2017 بعد شهرين من موافقة الصندوق على القرض.

إذ توقع الصندوق أن تبلغ نسبة الدين الخارجي من الناتج المحلي 14% عام 2016 مرورًا بنسبة قدرها  23.1% في العام التالي، وصولًا إلى 27.1% في عام 2018، لكن فعليًا، فقد بلغت هذه النسبة 16.6% عام 2016، ارتفعت إلى 33.6% في العام التالي، قبل أن تبلغ 37% في العام الجاري.

المصدر: البنك المركزي المصري وصندوق النقد الدولي

تعويم الجنيه سلاح ذو حدين

يمثل تحرير سعر الجنيه وخفض دعم الطاقة معًا حجر الزاوية في الاتفاق المبرم بين مصر وصندوق النقد الدولي، إذ يرى الصندوق أن تعويم الجنيه يساعد على «تحسين تنافسية مصر الخارجية، ودعم الصادرات والسياحة، وجذب الاستثمار الأجنبي. وسيسمح هذا للبنك المركزي المصري بإعادة بناء احتياطياته الدولية».

كما يرى صندوق النقد الدولي أن دعم الطاقة لا يصل بدقة إلى المستحقين ويستفيد من معظمه غير الفقراء. ويتسبب أيضًا «في انحراف الإنتاج نحو الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة وبعيدًا عن المشروعات كثيفة العمالة والتي تخلق فرص عمل للمواطنين».

إلا أن تحرير سعر الجنيه عرقل عمليًا تراجع مخصصات دعم الطاقة إلى المستويات التي كان يتوقعها الصندوق.  

فبحسب الأرقام الرسمية، تراجع الوزن النسبي لدعم المواد البترولية بشكل كبير من إجمالي المصروفات، لكن هذا لا يرجع لانخفاض الإنفاق عليه وإنما لزيادة الإنفاق على بنود أخرى على رأسها بند فوائد الديون، أما قيمة الدعم فقد ارتفعت بشكل متواصل رغم زيادة أسعار بيع المواد البترولية للمواطنين، وكان سبب ارتفاعها بشكل كبير “فرق تقييم الدعم بالعملة المحلية بعد التعويم” حسبما يضيف تقرير «شعاع».

وارتفعت مخصصات دعم المواد البترولية من 51 مليار جنيه عام 2015/2016 إلى 115 مليار جنيه في العام التالي، الذي شهد قرار تحرير سعر الجنيه وتوقيع الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، بينما كانت توقعات الصندوق لذلك العام تقل كثيرًا عن المتحقق إذ توقع أن تبلغ تلك المخصصات 62.2 مليار جنيه فقط لذلك العام، ثم ارتفعت مجددًا إلى 121 مليار جنيه في العام التالي مقابل 36.5 مليار جنيه توقعها  صندوق النقد.

ويبلغ حجم مخصصات دعم المواد البترولية المتوقعة في العام المالي الحالي 89 مليار جنيه مقابل 19 مليار جنيه فقط وفقًا لتوقعات الصندوق في وثائق يناير 2017.

المصدر: بنك الاستثمار «شعاع» وصندوق النقد الدولي

اعلان
 
 
بيسان كساب