الجسد السليم ليس بأمر الرئيس وحده
قراءة في توصيات الصحة العالمية واليونسيف للدول بشأن علاج السمنة المفرطة
 
 
 

«أنا شايف الولاد والبنات في الجامعة مع كامل احترامي -دول ولادي- ﻷ، وزنهم لازم يقلّ وده معناه إن مفيش رياضة.. أنا نفسي ولادي يُنظر لهم بالبنان [يقصد يُشار إليهم بالبنان.. أي مقدمات أصابع اليد] الناس تتطلع ليهم كأنهم مرسومين».. هكذا تحدث الرئيس عبد الفتاح السيسي، الإثنين الماضي، في «منتدى شباب العالم». كما ربط بين زيادة وزن الشباب و«التوك توك» الذي تسبب في مشكلة؛ شارحًا أن الناس تعتمد على وسيلة المواصلات الشعبية في المسافات القصيرة، واقترح الرئيس أن حل أزمة السمنة يكون عن طريق المشي، على أن يكون استخدام المواصلات العامة للمشوار الذي تبلغ مسافته واحد كيلومتر، في حال إذا كان الشخص لا يعاني من مشاكل صحية.. هكذا حدد السيسي أوامره للشباب ليتخلصوا من السمنة.

كلام الرئيس جاء مغفلًا أسباب ذكرتها، سابقًا، منظمتا الصحة العالمية والأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، فضلًا عن سياسات طالبت المنظمتان الدول بتطبيقها لحل أزمة زيادة السمنة بين سُكّانها.

تؤكد «اليونيسف» على أن أحد أسباب السمنة هو سوء التغذية المرتبط بالفقر، وأوضحت أن التغذية الجيدة ليست مجرد القضاء على الجوع، بل هي أمر حيوي ومن أهداف عملية التنمية المستدامة التي تشمل القضاء على الفقر وضمان حياة صحية وتحسين نمو الاقتصاد. فيما أشارت «الصحة العالمية» في عام 2016 إلى أن ارتباط السمنة بالفقر يرجع لسياسات تغذية مضرة، والحد من هذه السياسات يأتي بضمان إتاحة الاختيارات الصحية والتغذية بتكلفة ميسورة لجميع المستهلكين، وضمان إتاحة الاختيارات الغذائية الصحية ودعم النشاط البدني المنتظم في مكان العمل.

لكن التخلص من البدانة أو التمتع بجسد صحي وممشوق ليست مسألة فردية بالكامل، فبحسب توصيات منظمة الصحة العالمية فإن سلوك الأفراد السليم في تناول الطعام وممارستهم للرياضة لن يحقق تأثيرًا كاملًا على نسبة السمنة في مجتمعات البلدان المنخفضة ومتوسطة الدخل مثل مصر. وأوضحت المنظمة العالمية أن هذا التأثير لن يتحقق إلا إذا أتبع الناس أنماط حياة صحية مدعومة من استدامة سياسات تتيح لكل فرد خياري النشاط البدني المنتظم والنظام الغذائي الصحي، بتكلفة ميسورة وبسهولة، وخصوصًا لأكثر الناس فقرًا. وهو ما يبدو أقرب لسياسات حكومية يجب الالتزام بها، تختلف عن كلام السيسي عن ضرورة تضحية المواطنين وتحملهم للمعاناة من أجل بناء  البلاد.

من جانبها، قالت الباحثة في وحدة الحق في الغذاء بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، هالة بركات لـ «مدى مصر»: «يوجد سوء فهم في الثقافة الغذائية لدى المصريين ﻷنهم لا يعلمون ما الذي يجب أن تكون عليه الوجبة الغذائية المتكاملة بأن تتكون من بروتينات وفيتامينات وكربوهيدرات، لذلك يوجد الخبز في الوجبة رغم وجود مكرونة أو أرز، وهو تكرار لعنصر يؤدي الإكثار منه إلى السمنة».

وعن وجود الخبز في أغلب وجبات غالبية المصريين، قالت بركات: «في ظني استخدام العيش المُفرط في وجبات المصريين مرتبط بالجوع.. زي ساندوتشات الكشري، وساندوتشات المكرونة، فالعيش بيسبب الشعور بالشبع».

بحسب منظمة الصحة العالمية، فإن الأطفال في البلدان المنخفضة ومتوسطة الدخل يتناولون الأغذية الغنية بالدهون والسكريات والملح بينما تقلّ فيها نسبة المغذيات الدقيقة، واصفة تلك الأغذية بأنها «تجنح إلى أن تكون أقل تكلفة.. ومع انخفاض مستويات النشاط البدني تؤدي إلى زيادات حادة في سمنة الأطفال». وهو ما تؤكده توصيات مؤسسة اليونيسيف التي أوضحت أن سوء التغذية يبدأ من مراحل مبكرة، تبدأ من الرضاعة، مشيرة إلى أن سوء التغذية له أشكال متعددة، أبرزها إصابة الأطفال بالسمنة بسبب انخفاض جودة الأغذية المرتبط بعوامل مثل الفقر وانعدام فرص الحصول على الوجبات الغذائية الكافية، ورداءة وسوء ممارسات تغذية الأطفال الصغار والرضع، مؤكدة على أن أُسس التغذية الجيدة تبدأ بالأساس بتحسين تغذية الأمهات قبل وأثناء وبعد الحمل، وتشجيع ودعم الرضاعة الطبيعية، وتوفير الأغذية التكميلية الآمنة والملائمة وعالية الجودة، وتوفير المواد الغذائية المناسبة.

وكان المسح الديموجرافي الصحي لمصر لعام 2014، أظهر أن 40% فقط من أطفال مصر يحصلون على الرضاعة الطبيعية المطلقة حتى سن ستة أشهر، بينما لا تتجاوز نسبة الأطفال الرُضع الذين يستمرون على الرضاعة الطبيعية المطلقة حتى الفطام 13%، وذلك لعدة أسباب، أبرزها تفشي ظاهرة الولادة القيصيرية في مصر، ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية فإن مصر من أعلى دول في العالم من حيث انتشار الولادة القيصرية، بنسبة 52% من حالات الولادة حسب المسح الصحي لعام 2014، بالإضافة إلى ضعف الأمهات بسبب سوء التغذية والانيميا، أو ضرورة عودتهن للعمل بعد شهرين أو ثلاثة أشهر عقب الولادة.

كما أشارت منظمة الصحة العالمية إلى أن السمنة مرتبطة أيضًا بالتغيرات البيئية والمجتمعية المرتبطة بالتنمية وعدم اتباع سياسات داعمة في قطاعات مثل الصحة، والزراعة، والنقل، والتخطيط العمراني، والبيئة، وتجهيز الأغذية وتوزيعها وتسويقها، وأخيراً التعليم.

كما تضع التوصيات مسؤولية مكافحة ظاهرة السمنة والحصول على أجساد سلمية على الدول متوسطة ومنخفضة الدخل، إلا أن الرئيس عبد الفتاح السيسي يرى أن بناء الإنسان هو عملية اجتماعية ولا شأن للحكومة بها، وقال في يونيو 2018: «تفتكروا معانا عصايا سحرية لبناء الإنسان..بناء الإنسان مسؤولية اجتماعية وليست مسؤولية حكومية».. هكذا يوجه اللوم للمواطن، دون تحميل الحكومة عبء؛ ففي يوليو 2018 في جلسة «اسأل الرئيس» ضمن فعاليات المؤتمر الوطني السادس للشباب قال السيسي في رده على سؤال «لماذا لم يتبع أفراد الحكومة والبرلمان سياسة التقشف وخفض الرواتب: «أنتوا عايزنا إحنا بس اللي نرشد؟.. طيب وأنتوا في رمضان بتعملوا إيه؟ ده ربع الأكل اللي بيتعمل بيترمي»، فقاطعه أحد الحضور «ده كان زمان»، فرد السيسي: «طيب كويس».

في حين سبق أن أشارت منظمة الصحة العالمية لمسؤولية فردية تجاه خطر السمنة، وذلك بقولها إن الأفراد عليهم تغيير نمط استهلاكهم للمواد الغذائية، بتقليل الأغذية ذات السعرات الحرارية العالية، وزيادة استهلاك الفاكهة والخضروات كما حددت في أكثر من منشور نوعين من المكسرات يساعد تناولهما على خفض السمنة وهما «الجوز والبندق»، وشددت على أهمية تناولهما. إلا أن المكسرات التي ذكرتها المنظمة كأغذية تساعد على تقليل السمنة، في أكثر من بيان وتوصية، وضعتها مصر في عام 2016 ضمن قائمة ما عرف بـ «السلع الاستفزازية» التي فُرض عليها زيادة جمركية بنسبة 20% بناءً على قرار رئيس الجمهورية رقم 25 لسنة 2016، والذي نصّ على «أن تعدّل بعض فئات التعريفة الجمركية الواردة بقرار رئيس الجمهورية رقم 184 لسنة 2013 وذلك بعد الاطلاع على قانون الجمارك رقم 66 لسنة 1963 وتعديلاته، وبعد موافقة اللجنة الاقتصادية ووزير المالية».

اعلان
 
 
كارولين كامل