Define your generation here. Generation What
«دَوَرنا ع البطاطس»: الأزمة مرشحة للتكرار
 
 

طوال اﻷسابيع الماضية لم يكن هناك صوتٌ يعلو على صوت البطاطس، بعدما ارتفعت أسعارها في اﻷسواق بشكل غير مسبوق ما دفع الحكومة للتدخل في محاولة منها للسيطرة على اﻷسواق وتوفير أحد أهم المحاصيل الزراعية بأسعار في متناول المستهلكين، ورغم أن الحديث عن اﻷزمة خفت قليلًا خلال اﻷيام الماضية، برغم عدم انخفاض اﻷسعار في اﻷسواق، إلا أن البطاطس عادت للصدارة مرة أخرى منذ يومين، بعدما قلل رئيس الجمهورية من أهمية تلك اﻷزمة في حديثه لجمهوره من حاضري منتدى شباب العالم، معتبرًا أن «التدوير على البطاطس» أمر أقل أهمية من بناء الدولة وجعلها ذات قيمة.

في تعاطيها مع اﻷزمة، قبل أن يقلل الرئيس من أهميتها، أرجعت الحكومة أسباب ارتفاع أسعار البطاطس إلى ممارسات بعض التجار، معتبرة أن تعاملها معهم كان حلًا للأزمة بدأ أثره في الظهور بالفعل، على أن يتم حلها نهائيًا خلال الشهر المقبل مع طرح المحصول الجديد في اﻷسواق. إلا أن مصادر مختلفة في قطاع الإنتاج الزراعي شككت في أن يكون الحل الذي قدمته الحكومة نهائيًا، ورجحت تكرار أزمة البطاطس مرة أخرى، وإن كان بعضهم اتفق مع الحكومة في أسباب حدوث اﻷزمة.

بالنسبة للرئيس كان وصول سعر البطاطس إلى 11، 12، 13 جنيهًا أمرًا يمكن التغاضي عنه، ﻷن البلاد تبنى بالمعاناة و«الأسية»، غير أن البيانات المتاحة من الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، والخاصة بالبطاطس، ربما تظهر أن هذا المحصول الذي يعد أحد القواسم المشتركة في موائد المصريين كان مرآة لمعاناة و«أسية» قطاعات من الشعب المصري في ظل الأوضاع الاقتصادية الحالية، وهو اﻷمر نفسه الذي يتضح من الطريقة التي تعاملت بها «حكومة السيسي» نفسها مع اﻷزمة، ومسارعتها لحلها.

تطور نصيب الفرد من البطاطس بالكيلوجرام في السنة المصدر: النشرة السنوية لحركة الإنتاج والتجارة الخارجية والمتاح للاستهلاك من السلع الزراعية – عام 2016 – الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء

 

بحسب بيانات المركزي للتعبئة والإحصاء للعام 2016/ 2015، بلغت المساحة المنزرعة بالبطاطس 377 ألف فدان، أنتجت ما يزيد على 4.11 مليون طن، تم تصدير 413 ألف طن منها، بانخفاض قدره حوالي 25% عن العام السابق. فيما أعلنت وزارة الزراعة في فبراير الماضي نيتها زيادة المحصول إلى 5 ملايين طن في العام الحالي.

كما أوضحت بيانات الجهاز عن شهر سبتمبر الماضي تسجيل التضخم السنوي ارتفاعًا بنسبة 15.4% لإجمالي الجمهورية، وفي بيانه الصحفي ذكر الجهاز أن مجموعة الخضر والفاكهة كانت اﻷكثر  مساهمة في هذا التغير، نتيجة عدة تغيرات كان أولها ارتفاع أسعار مجموعة الخضروات، والتي كانت أعلى الزيادات فيها من نصيب أسعار البطاطس بنسبة 131%

تطور زيادة أسعار البطاطس منذ التعويم المصدر: النشرة الشهرية للأرقام القياسية لأسعار المستهلكين – الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء

كانت أسعار البطاطس قد احتلت صدارة اهتمام المستهلكين بعد ارتفاعها بشكل لافت في سبتمبر، قبل أن تصل ﻷعلى معدلاتها في أكتوبر مسجلة 14 جنيهًا للكيلوجرام، في القاهرة والمحافظات، ما يزيد على ضعف سعرها المعتاد، وبعد أسابيع من الارتفاع اللافت للأسعار طرحت وزارتا الزراعة والتموين كميات من البطاطس في منافذها بسعر ثمانية جنيهات للكيلو، قبل أن تطرح وزارة الداخلية بدورها بطاطس بسعر ستة جنيهات للكيلو في منافذها، لتشهد تلك المنافذ طوابير من المواطنين الراغبين في شراء «بطاطس الداخلية»، التي ظل سعرها هو اﻷرخص في اﻷسواق حتى دخل حزب «مستقبل وطن» -الموالي للدولة- على الخط وأقام منافذ في عدة مناطق طرح خلالها بطاطسه بسعر خمسة جنيهات للكيلو.

وفيما أعلن جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، اﻷسبوع الماضي، عن تشكيله لجنة لبحث الأزمة. أرجع المتحدث باسم وزارة الزراعة، حامد عبد الدايم، سبب حدوثها لتخزين بعض التجار البطاطس في الثلاجات.

وقال عبد الدايم لـ «مدى مصر» إن كلًا من هيئة الرقابة الإدارية ووزارة التموين قاما بدور في إنهاء الأزمة بعد ضبطهما تلك الكميات المخزنة، مضيفًا أن البطاطس المضبوطة تُباع الآن في «المنافذ الحكومية لحل الأزمة ومعاقبة التجار ببيع البطاطس بسعر أقل».

تزامن طرح البطاطس الحكومية بأسعار مخفضة مع إعلان الرقابة الإدارية نهاية اﻷسبوع قبل الماضي أنها وبالتنسيق مع وزارات: الداخلية والزراعة والتموين، شنّت عدة حملات لضبط كميات من البطاطس وصلت إلى 3820 طن كانت مخزنة لدى تجار، خاصة في محافظات الدلتا، وأضاف البيان، الذي حصل «مدى مصر» على نسخة منه، أن الإجراءات القانونية ضد المخالفين تم اتخاذها، وأن الكميات المضبوطة سيتم طرحها في منافذ الشركة القابضة للصناعات الغذائية ومنافذ وزارة الزراعة، وذلك قبل أن تعلن وزارة الداخلية عن أنها ستتدخل بدورها لحل الأزمة عبر توفير البطاطس وبيعها بسعر مخفض وهامش ربح صغير.

بدوره، اتفق محمد علي خليل، عضو مجلس إدارة الجمعية التعاونية لمنتجي البطاطس، مع رأي ممثل الحكومة في كون تخزين التجار والمزارعين للبطاطس من أجل رفع سعرها، أحد أسباب اﻷزمة، وإن أضاف لهذا السبب ضعف المحصول بسبب عدم إقبال الفلاحين على زراعته، ما جعل محصول البطاطس الذي تم حصده في مايو الماضي ضعيفًا.

أحد أسباب عزوف الفلاحين عن زراعة البطاطس، بحسب خليل، كان انخفاض كميات التقاوي المستوردة عن اﻷعوام السابقة، موضحًا أن كمية التقاوي المتاحة بلغت حوالي 100 ألف طن، بعد إعدام حوالي 10 آلاف طن غير صالحة للزراعة، في حين كانت كميات التقاوي في العادة تصل إلى 160 ألف طن. كما وصل سعر طن تلك التقاوي إلى 700 يورو، وهو ما كان أمرًا مكلفًا جدًا للفلاحين.

صبحي سمير، أحد زارعي ومصدري البطاطس، قال لـ «مدى مصر» إن تكاليف استيراد التقاوي تضاعفت بعد قرار الحكومة، العام الماضي، زيادة تأمين البطاقة الاستيرادية، مما قلص قاعدة المستوردين في مصر، وخلق منافسة بين المزارع الراغب في الحصول على البطاطس لاستخدامها كتقاوي، والمستهلك العادي، ما أدى لزيادة الأسعار المحلية.

وبحسب سمير، فإن «كل فدان من البطاطس [يحتاج] حوالي الطن من التقاوي، وكل فدان يطرح 15 طن بطاطس، بالتالي فإن كل طن تبيعه بدلًا من زراعته يهدر 15 طنًا كان يمكن الحصول عليها بعد أربعة أشهر».

مصدر آخر بالقطاع الزراعي، فضل عدم ذكر اسمه، قال إن هناك وكلاء استيراد يحتكرون تقاوي البطاطس، وهم مَن يحددون الدول المصدرة؛ كهولندا وألمانيا وإنجلترا وفرنسا، وهم كذلك مَن يحددون السعر، مشيرًا إلى أن الجمعية التعاونية كانت قديمًا هي مستورد التقاوي على مستوى الجمهورية، ولأنها جهة شبه حكومية وغير هادفة للربح، كانت تبيع التقاوي بأسعار مخفضة للفلاحين، قبل أن يتضاءل دورها بعد سياسات الخصخصة، ليرفع وكلاء الاستيراد أسعار التقاوي بعد تحرير سعر الصرف ليصل إلى ما بين 14 و23 ألف جنيه للطن. موضحًا أنه نتيجة لعدم صلاحية البطاطس المحلية كتقاوي لأسباب تتعلق بالمناخ، يضطر الفلاحون إما لشراء المستورد، أو زراعة محاصيل أخرى أقل تكلفة.

أما نقيب عام الفلاحين الزراعيين عماد أبو حسين فقال لـ «مدى مصر» إن الفلاحين لا دخل لهم بالأزمة، وأنهم تحملوا ارتفاع تكلفة الإنتاج، خاصة مع ارتفاع أسعار التقاوي. وبحسب أبو حسين، كانت تكلفة إنتاج الفدان الواحد من المحصول الموجود باﻷسواق حوالي 20 ألف جنيه، لينتج كل فدان ما بين 10 إلى 15 طن، بيع الواحد منها بسعر 900 جنيه، ما يعني خسارة 40%، أي ما يعادل 7000 جنيه.

تطور إجمالي مساحة محصول البطاطس المصدر: النشرة السنوية لإحصاء المساحات المحصولية والإنتاج النباتي عام 2015/2016 – الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء

كانت الجمعية التعاونية لمنتجي البطاطس قد قدمت مؤخرًا مذكرة لوزارة الزراعة قالت فيها إن تكلفة إنتاج البطاطس هذا الموسم وصلت إلى 50 ألف جنيه للفدان، بينما تكبد المزارعون خسائر بسبب الانخفاض الشديد في أسعار البيع، ما سيؤدي إلى عزوفهم عن زراعتها.

مذكرة الجمعية أشارت كذلك إلى أن هناك مئات الآلاف من المزارعين يقومون بتخزين البطاطس لبيعها للتصنيع، أو بيعها بالتدريج للمستهلكين، أو لزراعتها مجددًا ضمن الموسم الشتوي في شهري نوفمبر وديسمبر.

من جانبه، أشار حاتم نجيب، نائب رئيس شعبة الخضروات والفاكهة بالغرفة التجارية بالقاهرة، إلى احتكار لا يعلم المسئول عنه، «تجار ولا منتجين ولا وسطاء، ما أقدرش أقول، خصوصًا في الدلتا خزنوا كميات كبيرة أكتر من اللي بنخزنها في العادي»، وهو ما أدى في رأيه إلى قلة المعروض بالسوق، مضيفًا أن انخفاض سعر بيع البطاطس العام الماضي تسبب في عزوف المزارعين عن زراعتها.

تطور إجمالي إنتاج محصول البطاطس المصدر: النشرة السنوية لحركة الإنتاج والتجارة الخارجية والمتاح للاستهلاك من السلع الزراعية – عام 2016 – الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء

ورغم استمرار تراوح أسعار بيع البطاطس للمستهلكين في أسواق القاهرة ما بين 12 إلى 14 جنيهًا، أشار نجيب إلى أن اﻷزمة لم تعد موجودة خاصة في أسواق الجملة مثل سوق العبور.

غير أن نجيب أضاف لـ «مدى مصر» أنه نبه السلطات لضرورة عدم إغراق السوق بكل البطاطس التي تم ضبطها في المخازن، وطرحها تدريجيًا في السوق حتى لا تحدث أزمة مرة ثانية.

كان المتحدث باسم وزارة الزراعة قد اتفق مع عضو مجلس إدارة جمعية منتجي البطاطس في أن اﻷزمة في طريقها للحل نهائيًا مع طرح المحصول الجديد من البطاطس بداية من نهاية الشهر الجاري وحتى الشهر المقبل.

فيما قال المصدر العامل في القطاع الزراعي إن ما فعلته الحكومة لن يوقف الأزمة، معتبرًا أن الأداء الحكومي هو «منظرة» لتبدو وكأنها تتدخل لحل أزمة، خاصة وأن موعد الإفراج عن البطاطس المخزنة كان نهاية أكتوبر الماضي، ونتيجة تدخلها قبل أسابيع من هذا الموعد فيستم إعادة ملء ثلاجات المخازن الخاوية من المحصول الجديد، وفي الوقت نفسه سيسعى المستهلكون بدورهم لتخزين البطاطس خوفًا من ارتفاع سعرها، ما ستكون نتيجته ارتفاع السعر مجددًا.

ورأى المصدر أنه كان على الدولة مثلًا وقف تصدير البطاطس، طالما يوجد نقص في السوق المحلي، معتبرًا كذلك أن الدولة لا تقوم بدورها الواجب في تنظيم زراعة وبيع وتصدير المحصول كما ينبغي، وتتركه للسوق والمحتكرين، رغم أنها تتدخل في محاصيل أخرى لا تقل أهمية عن البطاطس، كالأرز مثلًا.

الرأي نفسه قاله نقيب عام الفلاحين، الذي أوضح أن الأزمة ستتكرر في البطاطس وفي محاصيل أخرى طالما لا توجد آليات لضبط الأسعار وإدارة السوق من قِبل الحكومة.

اعلان
 
 
ندى عرفات 
هدير المهدوي