Define your generation here. Generation What
تحليل إخباري: هل مصر تتحرك لحماية أمن الخليج فعلًا؟
 
 

«الجيش سيتحرك لحماية الخليج إذا تعرض لتهديد مباشر».. هكذا أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال حديثه مع المراسلين الأجانب في مؤتمر الشباب الذي اُختتم نشاطه أمس، الثلاثاء، بمدينة شرم الشيخ.

يأتي إعلان السيسي في إطار الرد على سؤال حول حادث مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، في ظل سياق معقد حيث يحقق النظام السوري وحلفائه في سوريا، وكذلك مع استمرار «الفزع الخليجي» من النفوذ الإيراني في المنطقة.

لكن الحديث عن أمن الخليج لم يكن جديدًا، بل قالها السيسي أكثر من مرة؛ بداية من أيام ترشّحه للرئاسة في انتخابات 2014، وذلك بقوله أن مصر ستكون «مسافة السكة» في حال احتاجتها أي من الدول العربية.

منذ وصول الأمير الشاب محمد بن سلمان لدوائر الحكم العُليا في المملكة العربية السعودية، شهدت المنطقة ردّات فعل على سياسات ولي العهد الحالي التي يجوز وصفها بأنها هددت بالفعل أمن الخليج. لكن سياسة مصر تجاه الخليج وأمنه كانت مغايرة لما يعلن السيسي، وما يبرزه إعلام الدولة. وحَكَم السياسة الخارجية للدولة في معظم هذه الأزمات خط مستقل بدرجة كبيرة، ما تسبب حتى في أزمات واضحة بين البلدين؛ مصر والسعودية.

الأمر لا يتوقف عند السعودية، رغم كونها الأبرز في الدول الخليجية على مستوى سياسات الإقليم، بل يمتد لتعارضات وتناقضات جلية مع الإمارات، والبحرين بالتبعية.

في اليمن

الوضع اليمني يشكل نموذجًا متكاملًا لكل ما تراه أغلبية دول الخليج إثارة للرعب. النفوذ الإيراني والصمود الحوثي، القصف المعتاد على أهداف عسكرية داخل الأراضي السعودية، عشرات القتلى من العسكريين السعوديين والإماراتيين والبحرينيين، كما أنها تشكل تهديد حقيقي بأن تتحرك دعوات قضائية دولية ضد كل من السعودية والإمارات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

منذ بداية الحرب على اليمن في مارس 2015، سقط مئات الآلاف من الضحايا المدنيين في اليمن، بين القتل والجرح والنزوح وحتى السقوط في خطر المجاعات والأوبئة. غير أن الطرف اليمني المعادي للسعودية ممثلًا بشكل أساسي في جماعة «أنصار الله»، أو الحوثيين، وجهوا ردودًا حاسمة على القوات المغيرة.

اعتادت قوات «أنصار الله» [الحوثية]على إطلاق صواريخها على منطقتي جيزان ونجران، وبحسب مصادر سعودية، فإن الحوثيين أطلقوا 150 صاروخ كاتيوشا على السعودية منذ بدء العمليات العسكرية قبل ثلاث سنوات.

وفي سبتمبر 2015، تمكنت قوات «أنصار الله» من قتل 92 عسكريًا منهم 60 من جنود التحالف العربي بقيادة السعودية.

استطاع الحوثيون، في يوليو الماضي، استهداف مطار دبي الدولي، وفي أغسطس الماضي استهدفوا مطار أبو ظبي الدولي. في المرتين استخدموا طائرات مسيّرة، ونشروا تصوير عملية القذف الجوي، إلا أن الإمارات نفت استهداف «أبو ظبي الدولي».  هذا بالإضافة إلى قصف قاعدة الملك خالد الجوية السعودية بالأسلوب نفسه قبل أيام.

حسنًا، شكّل العدوان العربي بقيادة السعودية ضررًا مباشرًا بالأمن الخليجي، فضلًا عن تهديد سياسي لمستقبل ولي العهد الشاب، خاصة بعد جريمة قتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في أسطنبول. فكيف تحرّكت مصر؟

في الواقع مصر لم تكن في «مسافة السكة»، ولا «هبّت لحماية أمن الخليج»، بدت سياسة القاهرة مستقلة في هذا الأمر، بخلاف الخطاب الإعلامي للدولة المصرية، وتمسكت بالمصلحة الأبعد من الأهداف المباشرة لدول الخليج.

وعقب الإعلان عن بداية العدوان على اليمن، قال مصدر سياسي سعودي لـ«مدى مصر» إن «مصر أقل دولة شاركت في عاصفة الحزم، هناك قطع بحرية معدودة أمام الساحل اليمني، لا أكثر ولا أقل، هناك غطاء سياسي مصري للعملية. لكن المملكة كانت تتوقع من مصر تدخلًا أكبر، وبخاصة عندما بدأ الحوثيون في ضرب مناطق داخل السعودية، بالذات أنه من المعلوم أن السعودية طلبت ذلك بشكل مباشر من مصر، إلا أن الأخيرة لم تستجب».

الأمر أكده العميد السابق في الجيش اليمني محمد جسّار، في وقت سابق، لـ «مدى مصر» قائلًا: «هناك قطع بحرية مصرية محدودة جدًا أمام السواحل اليمنية، لكن لم تسجل أي ضربات مصرية أو محاولات لإنزال بري وبحري».

وفي هذا الصدد، كان يحكم القرار المصري، بحسب ما قال مصدر سياسي رفيع المستوى لـ«مدى مصر» تخوف كبير من تدويل القضية ونظرها أمام محكمة العدل الدولية، بسبب ما يمكن وصفه بجرائم الحرب الواقعة في اليمن من قِبل السعودية والإمارات والبحرين.

أزمة خاشقجي

شهد ملف الصحفي الراحل جمال خاشقجي تقدمًا كبيرًا؛ فبات من المؤكد قتله داخل قنصلية بلاده في اسطنبول بمشاركة سعودية، في حين صدر قرار على الأقل من داخل الديوان الملكي، وذلك مع وجود ترجيحات بأن قرار القتل ربما كان صاحبه محمد بن سلمان نفسه.

عملية الاغتيال لحقها ردود أفعال دولية وصلت في بعض الحالات إلى المطالبة بإقصاء ابن سلمان عن دوائر الحكم، ما يمثل تهديدًا جديدًا لأمن الخليج. فيما ردّت السعودية على ذلك بالتلويح بالتحالف مع إيران وفتح الأراضي السعودية للمجال العسكري الروسي.

في هذه الأزمة كان الموقف السطحي الظاهر للدولة المصرية هو دعم السعودية. قال السيسي في مؤتمر الشباب «إحنا ليه بنستبق الأحداث وعاوزين نوجه الاتهام لأحد. وليه بنعمل كده؟ وليه ما بتصدقوش الناس اللي في منطقتنا؟». كما ثمّن التحقيقات السعودية قائلًا إنها تقطع الطريق على تسييس القضية.

الخارجية المصرية بدورها، وبعد اعتراف النائب العام السعودي بقتل خاشقجي في القنصلية بعد «مشاجرة باليد»، قالت إنها تثمّن تلك التحقيقات الأولية، والتي ظهر في ما بعد أنها لم تكن دقيقة، وأن قتل خاشقجي كان مدبرًا وليس حادثًا في مشاجرة.

في حقيقة الأمر حاولت مصر لعب دور وسيط بين المملكة والولايات المتحدة لتهدئة الأجواء ومحاولة استيعاب المطالبات الأمريكية بفرض عقوبات على السعودية، إلا أن ذلك أيضًا لم يتضمن تأييدًا مطلقًا للموقف السعودي الحرج، ورافقه ترقب الدوائر الدبلوماسية والأمنية في القاهرة لما قد تؤول إليه الأمور.

انعكس الترقب على الأرض برفض الرئيس عبد الفتاح السيسي دعوة ولي العهد السعودي للمشاركة في مؤتمر «دافوس الصحراء»، بحسب ما أكد مصدر دبلوماسي لـ «مدى مصر»، وإرسال وزير الخارجية سامح شكري بدلًا عنه، بالرغم من أن القيادات السعودية لا تفضل التعامل مع شكري، بل طالبت المملكة بإقالته، ما تحفظت القاهرة عليه «لما فيه من تدخل في الشأن الداخلي»، وفي فبراير 2017 جرى تعديل وزاري أبقى على شكري وزيرًا الخارجية.

وفي تقرير نشره «مدى مصر» عقب عملية الاغتيال: أكد مصدران مصريان أن المخابرات العامة المصرية جمّدت المفاوضات مع المستشار في الديوان الملكي تركي آل الشيخ لإصدار قناة «دي إم سي نيوز»، والمأمول منها مواجهة الإعلام القطري، على خلفية قتل خاشقجي وحتى تتضح تأثيرات العملية على وضع ولي العهد السعودي.

أزمة رئيس الحكومة اللبنانية

لطالما اعتبرت السعودية منذ صعود الملك السابق عبد الله بن عبد العزيز آل سعود عام 2005 أن لبنان يشكل منطقة نفوذ طبيعية لها، وفي التقسيم بين السعودية ومصر حيال الوضع الإقليمي فإن رؤية المملكة تسبق نظيرتها المصرية، بل وتحددها في بعض الأحيان. واُعتمّد هذا الأمر بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في 2005، وفي الحرب الإسرائيلية على لبنان في 2006 كذلك.

إلا أن العام الماضي، شهد دخولًا مصريًا على السياسة العربية في لبنان بشكل يواجه الرؤية السعودية؛ بدأ الأمر بعد استدعاء رئيس الحكومة اللبناني سعد الحريري ووضعه قيد الإقامة الجبرية في الرياض وإجباره على تقديم استقالته احتجاجًا على نفوذ «حزب الله» المحلي والإقليمي.

وكان حضور عبد الفتاح السيسي مع رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري في مؤتمر الشباب العام الماضي، واحدًا من أمور عدة فضحت الرواية السعودية. إذ سرّب السيسي لبري ما يؤكد أن الحريري لا يتمتع بحرية في الرياض، وأنه مكرهًا على تقديم استقالته.

فيما نشرت جريدة «الأخبار اللبنانية» أمس، الثلاثاء، ملفًا أشارت فيه لدور مصر، وذلك بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لاحتجاز الحريري. وقال الصحفي اللبناني حسن علّيق في تقريره: «عندما قرر ولي العهد السعودي أن يجول الحريري، المحتجز، على عدد من الدول العربية، ردت القاهرة بأنها لن تستقبل رئيس حكومة لبنان إلا إذا كان سيغادرها إلى بيروت». وأضاف أن ابن سلمان في رضوخه لإطلاق الحريري قرر ضرورة أن يزور الأخير قبرص بعد القاهرة قبل أن يعود إلى بيروت فقط لـ «كسر كلمة السيسي».

الحرب السورية

تعد الحرب الأهلية المستعرة في سوريا التعبير الأوضح عن التناقض الكبير في المصالح بين كتلة دول الخليج باستثناء قطر من جهة، ومصر من الجهة الأخرى. وبالتالي فإن سياسة الطرفين حيال الأزمة يسيران في اتجاهين متناقضين تمامًا.

السعودية والإمارات والبحرين لا يروا في سوريا مجرد ساحة حرب يمكن انتزاع مكاسب منها أو القبول بحد أقصى من الخسائر فيها. سوريا تحمل لهذه الدول الفزع الأكبر من منح «حزب الله» اللبناني مزيدًا من النفوذ الإقليمي، وكذلك لأنها تفتح المجال الأكبر للنفوذ الإيراني.

عبّر وزير الخارجية المصري سامح شكري عن التباين بين مصر والخليج علانية أول مرة في فبراير 2016 حين قررت السعودية بالتعاون مع الإمارات التدخل العسكري البري في سوريا. وحينها قال شكري، في مؤتمر مشترك مع نظيره الكويتي في القاهرة إن «مصر تعتبر قرار السعودية بالتدخل البري في سوريا أمر سيادي منفرد، ولا يأتي في إطار القوة الإسلامية لمواجهة الإرهاب»، مؤكدًا أن موقف مصر الثابت في القضية السورية هو اللجوء إلى الحل السياسي.

وفي سبتمبر 2016، قال شكري في مقابلة صحفية أجراها في نيويورك إن «(المملكة) تركز على ضرورة تغيير نظام الحكم أو القيادة السورية، ومصر لم تتخذ هذا النهج».

وكان مسؤول مصري قال في تقرير سابق لـ «مدى مصر» إن «الملف السوري هو القضية التي تستعد القاهرة فيها للذهاب بعيدًا في المواقف المتعارضة مع تلك المطروحة سعوديًا، وذلك على أرضية الحفاظ على الأمن القومي المصري، والذي ترى القاهرة أن بقاء الرئيس بشار الأسد يصب في صالحه من منظورين. الأول: هو إبعاد وصول الإسلاميين للحكم حتى لو بصيغة تشاركية. والثاني هو التأكيد على فكرة أن التظاهرات والاحتجاجات تسيء لصالح الأوطان، وأن الربيع العربي كان وبالًا على الشعوب».

الموقف المصري تجاه سوريا لم يقف عند حدود تشكيل رؤية مختلفة عن رؤية السعودية والإمارات للأزمة، ولم يتوقف عند حد التصويت المصري في مجلس الأمن على القرارات الأممية التي لا تريدها السعودية، بل وصل كذلك للتنسيق الأمني والعسكري مع قيادات الدولة السورية.

وفي أكتوبر 2016، استقبل رئيس جهاز المخابرات العامة -حينذاك- خالد فوزي رئيس مكتب الأمن الوطني السوري علي مملوك للتنسيق بين البلدين أمنيًا وسياسيًا. وحينها قال دبلوماسي سوري رفيع المستوى لـ «مدى مصر» إن «منذ البداية ونحن نفهم موقف الدولة المصرية، نحن دولتين لهما تاريخ مشترك كبير، بالذات على المستوى العسكري، ونواجه الآن نفس التحديات من جهة الإرهاب المحلي أو من جهة التحفز الدولي لإسقاط النظام، والرئيس السوري سبق وتحدث عن هذا الأمر صراحة، فلا عجب من الإعلان عن هذه الزيارة».

اعلان