Define your generation here. Generation What

اقتصاديون ضد الرئيس

هناك صنفان من الاقتصاديين، أحدهما يحبه الرؤساء، والآخر يخبرهم بالحقيقة. ينطبق هذا إلى حد كبير على ما حدث مع  الباحث الاقتصادي عبدالخالق فاروق، صاحب كتاب «هل مصر بلد فقير حقًا»، والذي اختار أن يضع له عنوانًا شارحاً يقول فيه صراحة أنه أعد الكتاب ردًا على مقولة الرئيس عبد الفتاح السيسي «إحنا فقرا أوي»، مما عرضه للاعتقال.

هذا الصنف المنتقد للرؤساء ليس النوع الشائع من الاقتصاديين، فالأكثر انتشارًا هم الخبراء الذين يرددون خطاب مؤسسات التمويل الدولية عن أن مصر «على الطريق الصحيح»، ويرون سياسات التقشف «إصلاحات جريئة» و«شجاعة» ستنقل مصر إلى مصاف الدول المتقدمة.. هكذا تبدو مصر دائمًا في خطاب مؤسسات التمويل طالما أنها طائعة لها وتتبع نصائحها.

كما أن الاقتصاديين المقربين من الدولة يرون الرئيس، أي رئيس، يطبق أكبر عملية تحديث للبنية الأساسية المصرية منذ عهد محمد علي، ويطلقون على موازنته، أي موازنة، أكبر موازنة في التاريخ، مع إبراز صوره وهو يُقَبل الفقراء ويشرب الشاي مع البسطاء، فهو لا يبخل على الأدنى دخلا ويمد لهم مظلة الحماية الاجتماعية التي ينعم تحتها كل المصريين.

أما الصنف الآخر، الذي يرى أن التردي الاقتصادي سببه سياسات الرئيس شخصيًا، فعادة ما يتعرضون للتهميش أو الإقصاء وفي كثير من الحالات لا يجدون مجالًا لنقد الرئيس إلا بعد رحيله تجنبًا للمخاطرة.

في هذا المقال سنحاول استعراض بعض الأمثلة على اقتصاديين وخبراء وجهوا نقدهم الاقتصادي لرأس السلطة مباشرة، خلال العقود الماضية، كما فعل عبدالخالق فاروق، وكيف بدت أصواتهم المعارضة غريبة في زمنها وصادقة جدًا على مر الزمان، وأيضًا كيف كان صم آذان السلطة عن تلك الأصوات الناقدة مؤشرًا على أنها تقود البلاد إلى أزمة في المستقبل القريب.

مصر ليست فقيرة

الكتاب، الذي تعرض صاحبه للاعتقال بسببه قبل أن يفرج عنه، وإن بقى على ذمة قضية اتهم فيها بنشر أخبار كاذبة، يتضح من عنوانه أنه يأتي ردًا على مقولة الرئيس السيسي «إحنا فقرا أوي»، وهو مجموعة مقالات نشرها عبدالخالق فاروق في موقع مصراوي الصيف الماضي ثم جمعها في هذا الكتاب.

ولأن الكتاب يهدف لتفنيد مقولة عن فقر الدولة، فقد حاول فاروق من خلال تحليله أن يقيس الثروات المملوكة لجهاز الدولة ويضع لها تقييمات إجمالية، لكي يصل لاستنتاج مفاده أن مصر لا تنقصها الثروات لكنها تعاني من الفساد وسوء الإدارة.

ويقول في هذا السياق إنه استهدف «البدء فى رسم خريطة وهيكل لهذه الأصول الحكومية، وتقدير حجمها وتوزيعها، وتكاليفها على المجتمع والدولة، ووضع اللبنات الأساسية للتعامل الدورى مع هذه الأصول، ونظم صيانتها وإحلالها وتجديدها تمامًا كما المنشآت الإنتاجية بالشركات والمصانع وفقًا لعلم الاقتصاد والمحاسبة المالية».

وفي إطار هذا الهدف توصل فاروق مثلًا إلى أن المباني الحكومية التي أُنشئت منذ أكثر من خمسين عاما كلفت الدولة نحو 300 مليار جنيه بأسعار 2010، و«برغم ذلك فنحن نشاهد سنويا، مزيد من إنشاء وتأثيث المباني الحكومية الجديدة في مظاهر إسراف ليس لها مثيل في الدول المتحضرة، ويزيد عليها إنشاء عاصمة إدارية جديدة .. والآن هل هذا تعبير عن دولة فقيرة .. وفقيرة قوى كما قيل؟».

هكذا سعى فاروق لأن يسلط الضوء على نمط الإنفاق العام الجاري وتأثيراته الاقتصادية، كما حاول أن يقيّم الأراضي المخصصة لمشروع العاصمة الجديدة على وجه التحديد، والذي تديره شركة مشتركة بين مؤسسات تابعة للقوات المسلحة وبين هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، وطرح للنقاش مدى استفادة الخزانة العامة من عائدات هذا المشروع.

وفي هذا السياق استعرض التاريخ غير الشفاف لهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة قائلا «… حرصت الهيئة منذ ذلك التاريخ، وخصوصًا بعد أن تولى منصب وزير الإسكان الدكتور محمد إبراهيم سليمان عام 1993 واستمر فيه حتى أواخر عام 2005، على التصرف في أموال هذه الهيئة بعيدًا عن أية رقابة، وبطريقة غير تنموية يشوبها الكثير من الشك والريبة، ويََُقَدر حجم الفائض المتاح لدى هذه الهيئة بثمانية مليارات من الجنيهات سنويًا، ولم تقدم أية جهة رقابية بيانات تفصيلية حول موجودات هذه الهيئة».

وبصورة أكثر اتساعًا، ينبه فاروق إلى تضخم النشاط السكني في مصر بشكل منفصل عن احتياجات المواطنين، وهيمنة الطابع الاستثماري عليه، فيما قد يمثل مقدمات لأزمة في هذا السوق.

ويقول الخبير الاقتصادي «أظهر التعداد الأخير، أن عدد الشقق السكنية المغلقة قد بلغ 12 مليون شقة، وكان هذا العدد في تعداد عام 1986 يقارب ثلاثة ملايين شقة، ثم زاد في تعداد عام 1996 إلى 5.5 مليون وحدة سكنية مغلقة، وفي عام 2006 ووفقًا لنتائج التعداد بلغ العدد 7.9 مليون وحدة خالية أو مغلقة، (…) لقد استُخدمت ظاهرة الشقق المغلقة والخالية منذ عام 1986، للحديث حول أسباب تفاقم هذه الظاهرة، وأرجعها البعض من لوبي أصحاب العقارات القديمة، ومناصريهم من نواب مجلس الشعب، إلى مسؤولية قوانين الإسكان القديمة التي كانت تتحيز لصالح المستأجرين على حساب ملاك العقارات، وبدأ الضغط مكثفًا منذ ذلك التاريخ حتى نجحت جماعات المصالح تلك في استصدار قانون جديد للعلاقة بين المالك والمستأجرين رقم 4 لسنة  1996، وتحولت العلاقة إلى علاقة سوقية تحكمها عوامل العرض والطلب. وبرغم صدور هذا القانون المتحيز للملاك العقاريين، فإن ظاهرة الشقق المغلقة والخالية لم تنقص، بل على العكس زادت (… ) تؤكد هذه الظاهرة بما لا يدع مجالا لأدنى شك، أن مشكلة الإسكان في مصر ليست مشكلة عرض، (ما يتطلب بناء وحدات سكنية جديدة)… بل إن جوهر المشكلة يتمثل في الطلب، أي في ضعف قدرة المصريين المحتاجين فعلا إلى هذه الوحدات السكنية، على تلبية المطالب المبالغ فيها لأصحاب هذه الشقق».

وبنظرة سريعة على تاريخ الكتابات الاقتصادية التي انتقدت الرؤساء، يظهر بشكل جلي أن أصواتهم لم تكن مسموعة في عصورهم، لكن الكثير منهم نبهوا لمشكلات عاصروها، وتبين مع الوقت أن صم الآذان عن نصائحهم لم يمنع من وقوع الخسائر والمشكلات الكبرى التي استشرفوها.

عبد الناصر والنقد الاقتصادي

ربما يكون جمال عبد الناصر من أقل الرؤساء تعرضا للنقد من الناحية الاقتصادية، فالرجل أطلق إصلاحات حقيقية لتعميق الصناعة وإعادة توزيع الدخول، وفي كثير من الحالات كان النقد الموجه له يدور حول طريقته العسكرية في النقاش، ودوائر المصالح المنتشرة كالسرطان في نظامه.

ومن الأمثلة على هذا الخطاب النقدي ما قاله سيد مرعي، وهو صوت غير راديكالي بالمرة بل كان جزءًا من جسد السلطة، لكن ما قاله في مذكراته فيما يتعلق بمشروع ناصر للاستصلاح الزراعي «مديرية التحرير» يستحق أن نتوقف أمامه. خاصة وأن جيلنا عاش تجربة مشابهة لمديرية التحرير مع البروباجندا التي أطلقها مبارك حول مشروع توشكى والتي انتهت إلى نتائج مخيبة للآمال.

ويقول مرعي في الجزء الثاني من مذكراته التي نشرت بعد رحيل ناصر (تحديدًا في عام 1978) «كانت مديرية التحرير نموذجًا حيًا لمشكلة أهل الثقة عندما يتصدون لمسؤوليات أهل الخبرة (…) ليس كافيًا أن يكون المشروع ممتازًا… ولكن المطلوب أولًا وقبل كل شيء أن يكون الرجال على نفس الدرجة من الامتياز (…) الواجهة كانت براقة ومثيرة للحماس، وأما المضمون فقد جاء مخالفًا لكل التوقعات ومخيبًا لكل الآمال المعقودة عليه».

ويُرجع صاحب المذكرات الفشل الذي أصاب المشروع إلى الصاغ مجدي حسنين الذي «كان واحدًا من الضباط المقربين والموثوق بهم، ولعب دورًا هامًا في صف عبدالناصر ومجلس الثورة خلال أزمة مارس وكان هذا المؤهل كافيًا لكي يمسك بين يديه مسؤولية مشروع حيوي كبير مثل استزراع الصحراء وهو لا يقل أهمية عن الإصلاح الزراعي. وقد وصل الحماس للمشروع من جانب عبدالناصر إلى درجة أنه أعطى «شيكًا على بياض» لمجدي حسنين، ولم يكن يقبل أدنى مناقشة في مديرية التحرير طوال ثلاث سنوات. ولكن بدأت الخسائر تتوالى (…) ووجد الرئيس عبدالناصر على ضوء التقارير التي قدمت إليه أن الملايين تتبخر في شمس الصحراء وتبتلعها الرمال».

ويوجه الاقتصادي سمير أمين نقدًا مشابهًا للنظام الناصري، عبر حوار أدرجه في كتاب حديث «حول الناصرية والشيوعية المصرية» منشور في 2012، ينقل فيه شهادته عن القطاع العام وقت أن كان يعمل لدى الدولة.

ويقول أمين في سياق حديثه عن غياب الرؤية التخطيطية المُحكمة في الخمسينات، برغم حسن نوايا رأس النظام في تلك الفترة «شجع هذا الوضع على الاستقلال الذاتي لمراكز القوى المفتتة، ولا يخص هذا القول مراكز القوة فقط بل شمل أيضًا مستوى الشركات، عندما استولى على إدارتها كبار الضباط الذين كان لديهم وسيلة الاتصال هاتفيا مع الرئيس جمال عبدالناصر. فلم يكن أحد يجرؤ أن يقول لهم لا (…) تكونت حول هؤلاء الضباط (شلل) من التكنوقراط من زبائنهم الذين قدموا قراراتهم على أنها أفضل القرارات دون نقاش».

مواجهات مع السادات ومبارك

حقبة السادات كانت مثار انتقاد أعنف من اقتصاديين مختلفين خاصة الآتين من مدارس اليسار، وفي كثير من الكتابات كانت سياساته توصف بالفوضى والتحول غير المدروس لاقتصاد السوق، مع قدر من التآمر على المنجزات الناصرية والدفع بمصر صوب تبعية أكبر وأعمق تجاه الغرب.

ومن أهم الكتابات الناقدة للسادات هو العمل الكلاسيكي الشهير للدكتور فؤاد مرسي «هذا الانفتاح الاقتصادي» والذي يكتسب مصداقيته من أنه كتب ونشر في عهد السادات، وقدم في بداية عملية الانفتاح الاقتصادي نبوءات صادقة عن مآلات هذا التوجه الجديد.

ويقول مرسي في كتابه الذي نشر في 1976 «… فالمطلوب في الحقيقة هو التصفية -المادية والأدبية- للقطاع العام» قال الرجل ذلك قبل بدء برنامج الخصخصة بحوالي 15 سنة، واستشف الأمر من واقع متابعته لتوجهات النخبة الحاكمة.

وفي تقديمه للكتاب يقول «إننا لا نجادل في حقيقة أن اقتصادنا القومي يوجد في مأزق يصعب الخروج منه ولا نجادل أيضًا في حق بل في واجب كل مسؤول في البحث عن مخرج من هذا المأزق لكننا نجادل بشدة في صلاحية سياسة الانفتاح الاقتصادي كما طرحتها القوانين والقرارات التي صدرت منذ منتصف 1974 حتى الآن، ونرى فيها العكس خطرًا يتهدد التنمية الاقتصادية والعلاقات الطبقية والتحولات الديمقراطية، ومن وراء ذلك كله خطرًا يتهدد الاستقلال الوطني سياسيًا واقتصاديًا».

كانت أصوات الإطراء على سياسات السادات الاقتصادية تغطي على الأصوات المحذرة من نتائج هذه السياسات، وأخذت حالة من النرجسية تستولي على الرئيس تدريجيًا حتى العام الأخير من رحيله، والذي شهد اعتقال رموزًا سياسية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.

وبدأ مبارك حكمه بمؤتمر اقتصادي شهير، خلص فيه الخبراء إلى أن وضع الاقتصاد ليس على مايرام، وفي العقد الأول من حكمه ورث مبارك من السادات أزمة مالية كانت تتصاعد بشكل تدريجي.

وفي كتاب صدر عن حزب التجمع خلال الثمانينات، شارك فيه عشرات الكتاب، تحت عنوان «لهذا نعارض مبارك» يستوقفك اقتباس للاقتصادي اليساري إبراهيم العيسوي، أقرب لأجواء دراما المسلسلات العربية، حيث تصدح أبواق الاحتفال والهرج، بينما يسير رجل حكيم وسط الزحام يحذر من كارثة كبرى توشك على الحدوث.

في مقال العيسوي المنشور في الكتاب تحت عنوان «نحن لا نصنع الوهم» يشير إلى امتعاض مبارك من الأصوات المعارضة وهو يتحدث للبرلمان عن من «يصفون ما تحقق في ظل أصعب الظروف بأنه خداع للشعب بإنجازات وهمية»، ثم يفند الخبير الاقتصادي خطاب «الإنجاز» المقدم من السلطة وما ينطوي عليه من خلل وخداع للرأي العام.

وفيما يبدو أنه جزءًا ثانيًا من المقال، منشور في نفس الكتاب، يقول العيسوي «أما الزاوية الأخرى التي يمكن من خلالها تقييم كفاءة الإنجاز فهي مقدار الديون الخارجية التي ترتبت على ما حدث من زيادة في الإنتاج أو الناتج، فرض صحتها. (… ) كل 100 دولار زيادة في الناتج المحلي لمصر كان يقابلها إضافة 70 دولارًا إلى ديوننا الخارجية المدنية. فهل هذا ثمن معقول للإنجاز؟ ( … ) الدين الخارجي لمصر حوالي ضعف الناتج المحلي الإجمالي. وبكل المقاييس فقد تجاوزت الخطة حدود الأمان ودخلت في عمق منطقة الخطر. فهل هذا من الوهم أيضا؟»

قد يستهوي البعض أن يروا هذا الخطاب بنظارة السلطة، فيعتبرونه من قبيل مبالغات المعارضة التي تفتقر إلى الدقة، لكن الواقع التاريخي يخبرنا أن مصر في نهاية الثمانينات كانت توشك فعلا على الإفلاس المالي بسبب الديون، ولم ينقذها من هذا المصير غير حرب العراق، وموقف السلطة المؤيد للتدخل الأمريكي والذي تمت مكافأة مبارك عليه بإسقاط جزء ضخم من الديون.

وخلال السنوات الأخيرة من عهد مبارك كان هناك انفتاح نسبي في الحياة السياسية، ساعد اقتصاديون على توجيه نقدهم للرئيس بشكل مباشر، ومن أبرز الأمثلة على ذلك كتاب أحمد سيد النجار «الانهيار الاقتصادي في عهد مبارك»، والذي فند خطاب السلطة ووجه له نقدًا شديدًا وتعرض لأوجه الفساد وتدهور الحياة الاقتصادية من وجهة نظره.

وكان هناك أيضا كتاب سامر سليمان «النظام القوي والدولة الضعيفة.. إدارة الأزمة المالية والتغيير السياسي في عهد مبارك»، والذي طرح رؤية عميقة عن سياسة النظام الحاكم في الإنفاق العام بطريقة تمكنه من كسب ولاءات قطاعات معينة من المجتمع، تضمن له الاستمرار في الحكم.

وأصدر كلاً من الكاتبين السابقين، النجار وسليمان، نسخة محدثة عن كتابيهما بعد ثورة يناير، حيث شهد العامان الأولان من الثورة الفترة الوحيدة تقريبا في تاريخ البلاد التي كان يمكن فيها سماع الأصوات الناقدة لرأس السلطة بوضوح (سواء نقد الرئيس المخلوع، أو السلطة الانتقالية في ذلك الوقت)، وأصبحت ملفات الفساد وسوء الإدارة الاقتصادية متداولة في العديد من المواد الإعلامية والبحثية، ثم سرعان ما انسدل الستار عن هذا المسرح خلال السنوات التالية.

اعلان