في وداع «توحة»
 
 
عطيات الأبنودي أثناء زيارتها للسد العالي
 

منذ ثماني سنوات، تعرفت على عالم عطيات عوض، المعروفة باسم عطيات الأبنودي (1939 – 2018) من خلال عرض أربعة أفلام في مركز «كرمة بن هانئ» الثقافي؛ «حصان الطين» 1971، «أغنية توحة الحزينة» 1971، «ساندوتش» 1975، «راوية» 1995.

رغم الفشل في إيجاد أي نسخة على الإنترنت، كانت المشاهدة الوحيدة كافية لحفر مشاهد بعينها في الذاكرة؛  كمشهد الكلب الذي يشاهد السيرك من سطوح البيت في «أغنية توحة الحزينة»، ومشهد الطفل والماعز اللذان يتقاسمان الخبز واللبن في «ساندوتش».

كانت تلك الأفلام، بالنسبة لي، اكتشافًا. حتى حينها، لم أكن أعرف عن عطيات إلا فيلمها «حديث الغرفة رقم 8» الذي قدمته عن أمل دنقل، في محاولتها لحفظ شيء من أمل قبل غيابه، خاصة بعد فجيعة الرحيل المفاجئ ليحيى الطاهر عبد الله. كنت أعرفها فقط كمخرجة للفيلم، الذي كان مصدري الوحيد لمشاهدة أمل وسماع صوته. لكن بعد مشاهدة أفلام أخرى لها، بدا الأمر مختلفًا تمامًا، هنا توجد سينما حقيقة، توجد دراما ومشاعر مختلطة، يوجد شخص ذو وعي، يجلس وراء الكاميرا، وينقل لنا بكل صدق ما يدور أمامه.

ومع خبر رحيل عطيات، بعد مضاعفات إثر عملية جراحية، راودتني رغبة، في الحديث مع مقربين لها، لأقف أمام هذه التجربة. لذا تواصلت مع ابنتها أسماء يحيي الطاهر، وصديقتها وزميلتها المخرجة نادية كامل، ومن خلال حديثي معهما، بدأت أغوص أكثر في عالم عطيات الأبنودي، وكواليس أعمالها، قبل وأثناء وبعد التصوير.

ما بين الدراسة في كلية الحقوق، والعمل في السكة الحديدية، والعمل في المسرح، تنقلت عطيات، لكن خطفتها السينما، نادت عليها كالنداهة، لتدخل عالم الأفلام والإخراج، الذي لن تعود منه أبدًا، عالم سيأخذ من روحها وجسدها، وستهب حياتها له. ومن السينما ستختار أن تعمل على الأفلام التسجيلية. تقول أسماء: «اختيار ماما للعمل في الأفلام التسجيلية كان بمثابة تحدي لها، وتوضيح لشخصيتها القوية والجريئة وغير السائدة، لتصبح الأفلام التسجيلية هي كل حياتها طوال مسيرة الإخراجية».

كانت التجارب الأولى كـ «حصان الطين» الذي يصور صناعة الطوب، و«أغنية توحة الحزينة» الذي يصور السيرك المتجول، كفيلة بالالتفات لعطيات كمخرجة مهمة، رغم أنها  كانت فقط نقطة انطلاق وبداية. وساعدتها هذه المشاريع الأولى، على أن تجد نفسها، لأنها «رأت نفسها في تلك المساحة. جعلت الناس هم الأبطال، وأهم حتى من قصتهم نفسها»، تقول أسماء.

أغلب الناس لم ترَ إلا القليل من أعمال عطيات، وهذا لأسباب كثيرة لا مكان لها هنا، ونأمل قريبًا أن نرى جميع أفلامها متوفرة على الإنترنت، وهذا ما تعمل عليه كل من أسماء ونادية في تلك الفترة. تقول نادية إن عطيات «بدأت العمل في وقت كانت السينما التسجيلية المصرية لا تمتلك رصيدًا وزخمًا، خارج إطار الريبورتاج والتقرير الجاف. بالطبع كانت هناك تجارب مهمة في الوقت نفسه، وقبلها، لكن تفرّد عطيات، أتى من أسلوبها الخاص، وقدرتها على خلق دراما طبيعية كاملة، تجعلك تغوص في الحالة، ليصل الفيلم لدرجة من درجات الشعر».

فعطيات قادرة، وبمشهد واحد مثلًا في «حصان الطين»، تكرر فيه التركيز على أقدام الحصان، على توصيل الدفقة الشعورية التي تريدنا أن نشعر بها. «في (حصان الطين)، ستشعر بثقل الطوب وتشم رائحة التراب». هذه لم تكن مبالغة من نادية، التي تكمل حديثها، وتخبرني أن هذا كان انشغال عطيات الأول، سواء أثناء عملية التصوير باهتمامها بالتقاط أدق التفاصيل الصغيرة، أو حتى أثناء المونتاج، بتركيزها مثلًا على اللقطات المقربة من وجوه العمال، حتى لا يكونوا مجرد مجاميع، وبما يجعلك تتوحد معهم، دون كلام مرسل أو تقريري.

أما في «ساندوتش»، تتخطى عطيات حيز البشر وعلاقتهم ببعضهم، لعلاقة الإنسان بصديقه الحيوان، عن طريق تصوير صداقة بين طفل وماعز. في أحد المشاهد، نتابع الطفل وهو يحاول أن يكسر رغيف العيش نصفين، ويضع نصف في جيبه ويملأ النصف الثاني لبن من ماعز، وفي نفس اللحظة تحاول المعزة أن تأكل نصف الرغيف المختبئ في جيبه، علاقة متداخلة ومترابطة، بين الطفل والماعز، استطاعت عطيات أن تعبر عنها بشكل غاية في الدقة والعمق، دون أحاديث، دون تمثيل، دون افتعال. تجعلك تفكر في لحظة عابرة أن الحيوان مثلك، يشعر مثلك ويبتهج ويحزن مثلك تمامًا، فترى الكلب يقف كالطفل من فوق السطوح يشاهد السيرك، ويتابع الجميع من أعلى نقطة.

نصحتني نادية أن أشاهد «الأحلام الممكنة» (1983)، وبطلته أم سعيد، لأرى كيف استطاعت عطيات أن تنقل لنا أفكار وآراء السيدة البسيطة أم سعيد، «لدرجة أنك يجيئك انطباع أن تلك السيدة عقلية تصل إلى عقلية رئيس دولة، من خلال فهمها للحياة وحديثها، دون الوقوع في فخ المباشرة أو العمق».

الفيلم أثار ضدها هجومًا، واتهمها النقاد بالإساءة لمصر، تقول نادية. لكنها تكمل أن هذا يحيلنا لأحد مميزات سينما عطيات، وهي الإنسيابية في حديث الأبطال، فهي «تعيش معهم، لا تستغلهم أو تستغل قصصهم لصنع فيلم جيد. تنقل واقعهم لكن دون ابتزاز عاطفي». تقول نادية إنها تتوقع أن عطيات «لم تكن تطرح الأسئلة على الأبطال، بل تتركهم يحكون بكل بساطة وعفوية، بصبر ومعايشة للمشهد وللأبطال، تقدم قضيتها بشكل مريح، وفي نفس الوقت لا ترضى لهم الظهور على الشاشة إلا في أفضل صورة». تضيف أسماء على ذلك، وتحكي عن تجربتها معها في مطبخ الأعمال، عندما عملت معها في بداية الألفينات، أن «عطيات كانت تجلس لتشاهد كل ما تم تصويره، وتحذف كل ما يمكن أن يسيء للأبطال، أو يجعلهم في موضوع خجل أو سخرية»

لكن رغم اهتمام كاميرتها بالتفاعل مع الأشخاص، إلا أن مثلًا فيلم «بحار العطش»، بلا شخصية رئيسية، لكن هناك رحلة وتصاعد درامي مبني بحرفية وإنسانية في الوقت نفسه. فيه حاولت عطيات أن ترصد مشكلة المياه في برج البرلس، لكن ليس بطريقة أنها تقدم تقريرًا عن المشكلة. هي ليست صحفية، ولا نائبة مجلس محلي أو مجلس شعب، هي مخرجة، ترصد الأشياء بشكل فني ودرامي وإنساني.

تحكي نادية عن الفيلم، أن «عطيات كانت ترصد علاقتهم بالمياه قبل أن ترصد مشكلتهم، تعيش معهم الرحلة من البداية، ترى السيدات وهن يحاولن تصفية الرمل من المياه بجراكن، من بركة مياه وسط الرمل، في موكب جنائزي باقتدار، واستطاعت في نهاية الرحلة أن تفهم وتشعر وتتألم لفكرة بحار العطش، وكيف أن أصحاب البحر يموتون عطشًا».

بعيدًا عن انتماءاتها السياسية والفلسفية الشخصية، تؤمن عطيات بقيمة الفرد الأعزل، بغض النظر عن التصنيفات؛ الفرد المُستغَل، هي منحازة له ولقيمته، دون أن تشعر أو تشعِرَه بالشفقة. فقط يتلخص دورها في أن تجعله يحكي أمام الكاميرا. هي تحب الناس وتحب التعبير عنهم بكل جمال وشاعرية وواقعية، ربما كان ذلك سببًا كافيًا لتقضي حياتها كلها في عالم التسجيلي، دون أي تجربة روائية. تتذكر نادية أنها قرأت في أحد حوارات عطيات في الثمانينيات، أنه عُرض عليها مشروع فيلمًا روائيًا، لكنها لم تتحمس.

في المرحلة الثانية من إنتاجها، انشغلت عطيات بفكرة التوثيق، وكان مشروعها الأكبر هو وصف الحياة في مصر، مهمومة بكيفية نقل حياة المهمشين، الصنايعية والحرفية، وعلاقة عملهم بحياتهم، مثلما نرى في فيلمها «إيقاع الحياة» (1988) وهو فيلم طويل، مشحون برؤية إنسانية للناس وحياتهم. في هذه المرحلة اختلف أسلوب عطيات الإخراجي إلى حدٍ ما عن بداياتها، لكنها احتفظت بزاويتها الخاصة.

فحتى عندما قدمت عطيات فيلمًا ينتمي لأسلوب الروبرتاج والتحقيق، كفيلم «اللي باع واللي اشترى» (1992)، والذي كانت نادية ضمن طاقم العمل به، «كانت تعي أنها تقدم فيلمًا بهذا الشكل من البداية، هو مختلف عن سينما عطيات، يوجد جريمة، وهي تسلط الضوء عليها بشكل تقريري. في هذا الفيلم سجلت صوت الراوي باللغة الفصحى، وبنبرة تسجيلية صريحة، لكن رغم ذلك فالفيلم مفعم بالعديد من المشاهد واللمحات الإنسانية».

ومع رحلات التوثيق وتسجيل التجارب، جاء فيلم «أيام الديموقراطية» (1996)، توثيق لتجربة المرشحات المصريات في انتخابات مجلس الشعب. ورغم أن نادية ترى بإيقاع الفيلم بعض المشاكل، بسبب شغف وحماس عطيات في تسجيل كل التجارب النسائية وعرضها، لدرجة أنها أصدرت كتابًا بنفس الاسم، لتتمكن من سرد كل ما رأته وصورته في هذه التجربة، كأنه أمر شخصي بالنسبة لها؛ إلا أنها مع ذلك تراه تجربة مهمة في التوثيق.

«شخصية مفترسة ممكن تعض» هكذا تكون عطيات في وقت العمل، كما وصفتها نادية، هي لا تتهاون مع أي تعطيل لعملها. تدافع بكل شراسة عنه. كان يصل الأمر بها لخسارة أشخاص بسبب بعض فورات غضبها أثناء العمل، خاصة أن الكثير من أفلامها كان من إنتاج المركز القومي للسينما، محتكة طوال الوقت بتعقيدات البيروقراطية. ومع ذلك، وفي نهاية اليوم، وبعد أن تنجح في حل أي مشكلة تواجه التصوير، أو بالأدق كما قالت نادية، «بعد إجبار المتسبب في المشكلة على إيجاد الحل، تبتسم نصف ابتسامة وتحاول إصلاح ما أفسدته لحظات الغضب».

تؤمن عطيات بالاستقلال بطريقة نادرة، الاستقلال بكل جوانبه وأشكاله، الاستقلال في أن تترك لكل المقربين لها مساحة واسعة من التحرك وفعل أي شيء حتى لو لم تكن موافقة عليه، حتى عندما قررت نادية أن تصنع فيلمها «سلطة بلدي»، لم تحاول التدخل بأي شكل، حتى من باب السؤال والاطمئنان على بنتها الفنية، وتلميذتها وصديقتها.

وعندما حضرت عطيات  لتشاهد الفيلم في جلسة مشاهدة بين أصدقاء، بعد انتهائه، اختبأت نادية وسط الأصدقاء الحاضرين خوفًا من رد فعلها، لتفاجأ بعطيات تقول «دونها والموت.. الفيلم ده أنا هدافع عنه بجسمي». وعندما شاهدته مرة ثانية، في جلسة تجمعها بنادية فقط، بدأت تخبرها تعليقاتها على كل مشهد. كان الأمر أشبه بالمناقشة بين زميلتين أكثر منه، بين أستاذة وتلميذة. رفضت نادية بعض الاقتراحات، واقتنعت بالبعض الآخر. كانت علاقتهما ندية، يتفهم كل منهما أهميته وأهمية الطرف الثاني في الوقت نفسه. حتى إن نادية تحكي إنها لم ترضَ عن كل أعمال عطيات، بل كان يدور بينهما نقاشات طويلة.

وعن العلاقة الشخصية، حكت نادية إنها في الثمانينيات قررت أن تسافر إلى الأرض المحتلة في زيارة إلى كاميليا جبران وفرقة صابرين، حيث رأت إن عليها كحق لهذه الصداقة أن تبذل هي أيضًا مجهودًا لرؤية أصدقائها، كما يبذلون، وقررت أن تخبر عطيات، لا تستشيرها. وتحكي نادية: «كان عليّ إخبارها بنفسي حتى أسافر، وأنا أعلم ردة فعلها تجاه الفكرة، طرحتُ عليها وجهة نظري، وانتظرتُ أن تغضب مني، تضربني، تفعل أي شيء لا  أعلم ما هو، وحقًا فعلت شيء غير متوقع بالنسبة لي.. بعد صمت قالت لي: تصدقي عندك حق، أنا مافكرتش في الموضوع بالشكل ده قبل كده».

تحكي أسماء أيضًا أنها عندما قررت أن تدخل شعبة علمي في ثانوية عامة، ورغم استنكار عطيات، إلا أنها تركتها تفعل ما تريد، حتى بعد عدم تمكنها من دخول كلية قمة، ودخولها كلية زراعة. تركت عطيات لها مساحة للتجربة.

وبعد أن رسبت أسماء في أول عام بالكلية، لم تغضب عطيات ولم تنتهز الفرصة لتقول أنها كانت على حق.  فقط بإحساس الأم، قالت لأسماء: «مش حان الوقت بقى نفكر في طريق تاني». وجلست تتحدث وتبحث معها ميولها وأي طريق سيكون مناسب لها. وهي التي اقترحت عليها، فيما بعد، أن لا تغلق أي باب يفتح أمامها، حتى يقفل هو من نفسه، كان تلك النصيحة تخص «باب» التوظيف كمعيدة في كلية الآداب، وهو وظيفة أسماء حتى الآن.

عطيات كيان وتجربة مهمة في تاريخ السينما التسجيلية. ربما نختم حديثنا عنها، بموقف تحكيه أسماء، يلخص لنا فلسفتها في السينما. تحكي أسماء أنه منذ 15 عامًا، وبينما كانت تكتب مقالًا، بدأته بجملة «أنا لا أحب»، نصحتها عطيات، نصيحة تضعها أسماء أمام عينيها حتى الآن، ««ماتقوليش مش بحب، قولي العكس قولي بحب ..، متبتديش الموضوع بشيء بتكرهيه»، تلك النصيحة تلخص لنا عطيات.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن