Define your generation here. Generation What

غضب في طريق دير المعترف

قبل ما يزيد على العام، وتحديدًا في يونيو 2017، وفي نهار رمضاني حار، زرت، ضمن وفد نقابي حقوقي، منازل الأُسر المكلومة التي قُتل أبنائها في عمل إرهابي غادر على طريق دير الأنبا صموئيل المعترف بمركز العدوة في محافظة المنيا، استشهد فيه 28 مصريًا بينهم أطفال ونساء كانوا في طريقهم للصلاة بالدير.

في منازل شهداء الحادث بقرية نزلة حنا، التابعة لمركز الفشن بمحافظة بني سويف، وقرية دير الجرنوس، التابعة لمركز مغاغة بمحافظة المنيا، استمع الوفد إلى شهادات عدد من الناجين والمصابين الذين نجوا من رصاص المعتدين؛ روى لنا هؤلاء كيف خيّرهم الإرهابيون بين إنكار مسيحيتهم أو الموت، وكيف استحل المجرمون ما ترتديه النساء من مشغولات ذهبية وانتزعوه باعتباره غنيمة حرب، وكيف لم يؤثر بكاء الأطفال ونحيب النساء في قلوب المعتدين، فأعملوا فيهم آلة القتل دون أن تطرف عيونهم لمشاهد الدماء، حتى سقطت أسر بأكملها بين شهداء ومصابين.

شكى لنا رجال الدين وكبار العائلات الذين استقبلونا تقصير أجهزة الدولة المختلفة في حماية الدير، وطالب هؤلاء حينها بتمركز أمني ثابت ودوريات متحركة على المدق الواصل بين الطريق الغربي الصحراوي والدير، كما طالبوا بوحدة إسعاف قريبة من الدير مجهزة لأي طارئ، وقالوا إن سببًا رئيسيًا لتزايد عدد الوفيات في الحادث كان غياب تغطية شبكات المحمول في المنطقة المحيطة بالدير «مات مصابين فضلوا ينزفوا لأن ما حدّش عرف يتصل بالنجدة والإسعاف إلا بعد ما وصل لرأس المدق»، مطالبين الدولة بإجبار شركات الاتصالات على مد تغطيتها إلى تلك المنطقة المحيطة بالدير الذي فتح بابه يومًا لاستقبال قوات الأمن المركزي بعدما قطع مسلحون الطريق الغربي الصحراوي المؤدي إلى محافظات الصعيد عقب فض اعتصام رابعة في أغسطس 2013.

وحكى عجوز مسيحي في قرية نزلة حنا ببني سويف، عن تاريخ العنف الطائفي والأصولي في قريته وبعض القرى والمراكز المجاورة في مثلث «بني سويف- الفيوم- المنيا»، وكيف يتم التعامل مع الأقباط هناك باعتبارهم مواطنين درجة ثانية، سواء من الدولة أو من أفراد المجتمع الذي ينظر إلى المسيحيين نظرة استعلائية، ووصل الأمر إلى استحلال البعض أموالهم وأعراضهم، ليس فقط من أعضاء جماعات العنف الأصولي، بل من أفراد عاديين غير متدينين لكنهم متعصبين بالفطرة والثقافة، ضاربًا مثلًا بما جرى مع سيدة الكرم التي تم تعريتها قبل عامين، والإغارات على محلات ومنازل الأقباط والتي بدأت في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي واستمر بعضها حتى وقت قريب، وعدد الكثير من الحوادث التي نعلمها جميعًا، وهو ما أشعرنا بالحرج من ثقافة المجتمع، خاصة أنني انتمي إلى إحدى قرى بني سويف ورأيت وسمعت ما يتحدث عنه الرجل.

وفيما كان حديث وشرح القساوسة والكبار لما جرى يتسم باللين والحكمة، كان الشباب أكثر اندفاعًا وغضبًا على أفراد الوفد الزائر؛ نظر لنا بعضهم باعتبارنا أولًا مسلمين وبالتالي فنحن بشكل أو بآخر شركاء في ما جرى، ومسؤولون عن عمليات الاضطهاد التي تمارس ضدهم منذ عقود وجعلت منهم مواطنين «درجة تانية»، وثانيًا باعتبارنا إعلاميين وصحفيين شاركنا في تضليل الرأي العام وحجبنا عنه ما جرى ويجري ولم ننقل معاناتهم كما ينبغي.

كان زميلنا عماد الدين حسين، رئيس تحرير جريدة الشروق وعضو الوفد، أكثر من طالهم غضب الشباب، أولًا لأنه إعلامي معروف يظهر في التلفزيون وبالتالي فهو مؤهل لأن يكون حامل رسالة الغضب إلى المسؤولين في مصر (القاهرة)، ثانيًا لأنه لم يكتف مثلنا بالسماع وتقديم واجب التعازي بل دخل معهم في مناقشات فتحت عليه النار.

دخلنا في «نزلة حنا» أيضًا منزل ترزي بلدي يدعى إبراهيم وهو والد الشهيد الطفل بيشوي، وزوج لأم مصابة وخال وعم عدد من الشهداء، كان الرجل محتسبًا وقانعًا بكلام رجال الدين عن الملكوت الذي صعد إليه فلذة كبده، أما ابنه المراهق فكان لديه اعتقاد راسخ بأن أجهزة الدولة تتعامل معهم كمواطنين درجة ثانية وأنها تتركهم يموتون بلا حساب أو ثمن ولم تفعل شيئًا لحمايتهم، وعندما حاول زميلنا عماد الدين حسين أن يناقشه أو يقنعه أن الدولة تتعامل معنا جميعًا كمواطنين درجة ثانية، صرخ في وجهه واتهمه بأنه يحاول تجميل صورة الدولة.

تكرر الأمر في قرية دير الجرنوس في جلسة جمعتنا بقساوسة وشباب من أهالي الشهداء، كان منسوب الغضب هناك أعلى، وسمعت ما لم أكن أحب أن أسمع؛ «ماذا لو فتح شاب مسيحي متطرف النار على مسلمين داخل مسجد؟.. وكيف سيكون حال البلد لو قررنا حمل السلاح لحماية كنائسنا وأديرتنا؟.. إحنا مش عجزة»، قالها شاب متعلم بلهجة صعيدية غاضبة، ففزعت من مستقبل يراه البعض بعيدًا أو مستحيلًا ويراه هؤلاء على مرمى بصر، حمدت الله أن الزميل عماد الدين حسين لم يدخل معه في سجال، فالشرر يتطاير من العيون، والقلوب تحمل كمًا من الغضب قادر على حرق كل من يقف أمامه، وهو ما جعلني أشعر بالخوف ليس على مصيرنا في هذه اللحظة بل على مستقبل هذه الدولة.

مر أكثر من عام، ولا يعلم أحد مصير تحقيقات حادث الدير الأول، حتى جاءني خبر حادث الدير الثاني نهار الجمعة الماضي والذي راح ضحيته 7 شهداء ونحو 20 مصابًا، فهاتفت بعض ممن قابلتهم العام الماضي في قرى المنيا من المترددين على الدير، فشكوا من نفس الأخطاء وكرروا ذات النحيب على من صعدوا، وأيقنت أن منسوب الغضب أكبر مما تصورت.. لنا الله جميعًا.

اعلان
 
 
محمد سعد عبد الحفيظ