أضيئوا العتمة

أنا من زمان مبتعجبنيش الولولة اللي بتحصل على اللي بيتقبض عليه. طبعًا الموضوع فعلًا يزعل والواحد بيحزن جدًا على أي حد بيتقبض عليه. لكن الموضوع كان بيزيد عن حده من البعض ويتحوّل لمجرد ولولة ولطميات وكلام عاطفي سريع التطاير وننسى نتكلم أو نسأل هو اتحبس ليه؟ متشحتوش عليّا في السيدة وتقولوا ده كان طيب وكويس وليه قبضتوا عليه. إحنا مكناش في جمعية خيرية مثلًا. أنا كنت صاحب رأي معارض. ولما قلته زمان أو دلوقتي أو في أي وقت فأنا عارف قيمته كويس وتمنه كمان. صحيح توقيت دفع التمن بالنسبة لي كان غريب أوي لكن عموما أنا راضٍ بأي حال.

السجن صعب وتجربة مش محببة أبدًا، لا أتمناها لنفسي ولا لأي حد. ورغم صعوبة ما مريت بيه خاصة في فترة الاختفاء القسري الصعبة جدًا، إلا أن ما رأيته – حتى الآن – وأنا في البداية وبعد الخضة والقلق على زوجتي وبنتي وأهلي خلى يدور في ذهني سؤال واحد: «إزاي ممكن استغل المحنة لصالح نفسي واللي حواليا؟».

مروري بلحظة وموقف صعب علمني فكرة القبول وإني أدرب نفسي على تقبل المواقف اللي مقدرتش أغيّرها واللي بتختلف عن المشاكل اللي ممكن تتحل، أو تحتاج لمجهود. اللي أنا فيه هو وضع فُرض عليّا ومكنتش أحبه يحصل، لكن الواقع خلاه يحصل، ولازم اتقبله علشان أعرف اتعامل معاه، وكمان اَطلّع منه حاجات مفيدة.

اللي حصل معايا هو عرض وأثر جانبي صغير أوي لهزيمة أكبر مرِت بينا كلنا، وكل واحد فينا اتعامل مع الهزيمة بطريقته. اللي انحرف، واللي اكتئب، واللي كفر بكل شيء وفقد إيمانه، أو فقد إيمانه بنفسه، وكلنا مرينا بفترة من انعدام التوازن وخدنا وقت طويل للتعايش.

داخل السجن وخارجه وجهين لعملة واحدة، وعلينا أن نتعلم كيف نتعامل مع هذا الواقع الصعب، ونخرج منه بأكبر فايدة حقيقية ملموسة تعمل فرق في العالم وتغيّره للأفضل، كلٌ على قدر طاقته. لازم نتعلم نستحمل أي حاجة، ونسد في أي حاجة، و«نغزل برجل حمار»ونعمل من الفسيخ شربات، لأن البديل الوحيد هو الاكتئاب واليأس.

في السجن ممكن تقرا، تتعلم، تطور نفسك، وتشوف المساجين حواليك. اللي ظروفه وحشة تساعده، اللي مش معاه محامي تحاول تجيبله، الخايف تطمنه، الضعيف تنصره، والظالم تقف ضده. الجاهل تعلمه، والعالِم تتعلم منه وتكتسب كل خبرة ممكنة تفيدك في مسيرتك.

الحياة اختيارات، مطلوب منك تختار طريقك كويس، وتتحمل نتيجة أفعالك. مش لازم كل الاختيارات تبقى صح، ولا كل مجهود مخلص تكون نتيجته موفقة، كل المطلوب منّا هو السعي حتى لو النتايج محبطة، أو مخيبة للآمال.

كلامي قد يبدو مثالي أو حالم، أو أقرب لكلام التنمية البشرية اللي مبحبوش. لكن عزائي الوحيد إنه خارج من واحد إيده في النار مش في المية، وده ممكن يدفع أي شخص لأخذه في الاعتبار لعله يكون سببًا [في] تغيير للأفضل وساعتها هيكون للحبس قيمة.

بطلوا تتكلموا عن شخص. الفايدة الحقيقية إنكم تتكلموا عن الفكرة اللي اتحبس علشانها الشخص ده، وأكبر خدمة تتعمل إننا ننشر الفكرة في كل مكان. الأشخاص زائلون والأفكار باقية تنبت وتبنى وتؤثر وتغير.

الولولة لا تفيد… نحن أحوج للعمل أكثر من حاجتنا للكلام.

اعلان