«هنموّت رجالتكم وعيالكم.. وتعيشوا حزَانى».. ما بقي من عائلة يوسف شحاتة
بعضٌ مما جرى في رحلة العودة من دير الأنبا صموئيل
 
 
 
المصدر: علاء القمحاوي
 

وقف صفوت شحاتة، الرجل الأربعيني، بجلبابه الصعيدي بالقرب من بوابة طوارئ مستشفى الشيخ زايد التخصصي، بمدينة الشيخ زايد. في الداخل تتواجد سيدتان وطفلان من أقاربه كانوا ضمن المصابين في هجوم يوم الجمعة الماضي الذي استهدف حافلات للأقباط في رحلة عودتهم من دير الأنبا صموئيل بجبل القلمون في المنيا.

ستة من ضحايا الحادث السبع كانوا من عائلة يوسف شحاتة، تراوحت أعمارهم بين 12 و55 عامًا، وكأنّ الموت زار العائلة كضيف ثقيل، ولم يقبل بالرحيل إلا بعدما حصد دماء الآباء والأبناء، غير أن صفوت لم يعلم في البداية بزيارة الموت لأقاربه: «شُفت الحادثة على الإنترنت، قعدت أقلّب في الصور، كنت فاكر إن الناس تبع سوهاج، ما كُنتش أعرف أن ولاد عمي وعيالهم هيروحوا».

الدماء التي غطّت جثث القتلى جعلت صفوت يترحم على الأموات، ثم يستكمل تصفّح «فيسبوك»، إلى أن اتصل به أحد أقاربه ليُخبره أن «6 من عائلة يوسف شحاتة ماتوا»، صرخات مُتقطعة على الناحية الأخرى من الهاتف، صمتْ الرجل الذي أخبرُه للحظات، ثم أكمل: «لازم تروح تلحق باقي المُصابين في القاهرة.. الناس هِنا بتدفن الجُثث».

لم يستطع صفوت حضور دفن جثث أبناء عائلته، ليساعد المصابين، كما يقول: «3 رجالة ماتوا وعيالهم، فضِل بنات عمي [وطفلين].. 4 عائلات اتدمرت تمامًا، وخطفهم الموت».

صباح الجمعة الماضي، استعدت عائلة يوسف شحاتة المكوَّنة من 10 أشخاص، للذهاب إلى دير الأنبا صموئيل، تباركًا بالدير الذي يُعرف أيضًا بـ «السيدة العذراء بجبل القلمون». ويقول صفوت: «وهُما راجعين في الطريق، الملثمين حاوطوا الميكروباص وضربوهم»، ثم يتابع حكي مقاطع قصيرة نقلًا عما تداوله الناس من حكايات الناجين والناجيات: «سواق الميكروباص حاول يهرب، لكن حاصروهم، وقتلوا السواق أول واحد، أدوه رصاصة في دماغه، شلّوا حركة الميكروباص تمامًا، وما قدرش حد يهرب منهم».

أمام الميكروباص الذي يقل عائلة يوسف شحاتة وآخرين، وقف المُلثمون، فيما صوبوّا أسلحتهم الناريّة في وجه الجميع، موجهين رسالة محددة للسيدات، يقول صفوت: «بنات عمي بيقولوا إن الملثمين قالولهم: إحنا هنقتل عيالكم ورجالتكم.. وهنسيبكم كده تعيشوا طول عمركم حزَانَى».

عقب مُحادثة قصيرة، عادَ صفوت إلى بوابة استقبال مستشفى زايد، أملًا في أن يسمح لهُ أمن المستشفى بإلقاء نظرة على أقاربه الأربعة، المتواجدين في الداخل: «عايدة وغادة مُصابين، ومعاهم طفلين؛ ابن أخوهم واخد طلقة وعنده نزيف داخلي. وبنت عمي واخدة طلقة في ضهرها».

رغم الخوف المُسيطر على ملامحه، يقول صفوت: «إحنا ما بنخافش من الموت»، يتذكَر ما حدث، تغلبه الدموع، فيصرخ: «الناس المفروض تتأمن كويس، ويبقى في شبكة اتصالات في الطريق.. أهالينا حاولوا يستغيثوا ويستنجدوا بأي حد يكلموه لكنهم كانوا خارج نطاق الخدمة».

توضح مخطوطات دير الأنبا صموئيل أن منطقة القلمون عاش فيها جماعة من النساك والمتوحدين في النصف الثاني من القرن الثالث الميلادي. وتأسس الدير في القرن الرابع، وتم تعميره بالرهبان بناء على طلب البطريرك كيرلس عامود الدين عام 444، ولكن أغار عليه البربر في الفترة بين 450 و635، وأخذوا الأنبا صموئيل نفسه أسيرًا لمدة ثلاثة أعوام. ثم أغار عليه العرب في الفترة بين 859 و880. كما توضح مخطوطة ساويرس ابن المقفع لتدوين سيرة الكنيسة من تاريخ البطاركة، وظل الدير بين التعمير والهجر، حتى استقرت به الرهبنة لوقتنا الحالي.

وعن حظر الزيارات إلى دير الأنبا صموئيل، بسبب الحادث الذي وقع في المكان نفسه، مايو 2017، وأدى إلى مقتل 28 مواطنًا، أغلبهم أطفال، وإصابة أكثر من 20 آخرين، قال: «همّا كانوا بيقولوا إن ممنوع الزيارات للدير، بس الناس راحت كذا مرة بعد الحادثة، وما حصلش حاجة».

وسبق أن قال مصدر أمني، يوم الجمعة الماضي، إن الطريق الرئيسي للدير مغلق طبقًا للتعليمات الأمنية نظرًا لخطورة موقعه الصحراوي، وانقطاع شبكة الاتصالات في محيطه. وأضاف المصدر أن «الضحايا استخدموا دروبًا فرعية للوصول إلى الدير».

اعلان
 
 
نورهان مصطفى