رحلة «الشهداء» لزيارة «الشهداء».. هكذا اُستهدف العائدون من «صموئيل المعترف»
ناجٍ من رصاص الملثمين يروي التفاصيل
 
 
 
المصدر: علاء القمحاوي
 

قبل أيام، جلسَ إبراهيم يوسف، 50 سنة، داخل كنيستُه بقرية الكوامل بحري، التابعة جُغرافيًا، لمحافظة سوهاج. كان حينها يُلقن تلاميذ مدارس الأحد، قصة تقول: «صباح ليلة عاصفة، وقفتْ على الشاطئ، عند سفينة قد غرقتْ تلك الليلة، سألتُ أحد البحارة الواقفين على الشاطئ، عن عدد الذين ماتوا غرقى، فإذا بهِ يسأل (هل سلمت حياتك للرب يسوع؟)، فابتسمت للسؤال وقُلت (أشكر الرب)».

انتهَت القصة التي كان يرويها إبراهيم لتلاميذه الصغار، نظرَ للسماء للحظات، ثم أخبرهم أنه سيذهب في رحلة مع أقاربه إلى دير الأنبا صموئيل المعترف، المعروف أيضًا بدير «السيدة العذراء بجبل القلمون»، طالبًا منهم أن يُحيطوه بدعواتهم نهار الجمعة، حسبْ قوله: «كُنت حاسس إن في حاجة خطر هتحصل.. فضلت أطلب الدعاء من ولادي وتلاميذي».

خرج إبراهيم من الكنيسة، فيما تُحاوطه دعوات تلاميذه، وخبرة امتدّت لسنوات في الإشراف على رحلات الكنائس في سوهاج، إلى مختلف الأديرة في كل أنحاء الجمهورية.

«قرايبي قالولي أطلع معاهُم الرحلة، أنا كنت قلقان، بس خُفت يقول عليّا جبان»، اصطحب «إبراهيم» أقاربُه في قرية «الكوامل»، مساء الخميس الماضي، إلى دير الأنبا صموئيل، رغم خوفه من الحادث الذي وقع في المكان نفسه، مايو 2017، وأدى إلى مقتل 28 مواطنًا قبطيًا، أغلبهم أطفال، وإصابة أكثر من 26 آخرين، بحسبْ تصريحات وزارة الصحة وقتها.

بينما كان الفجر يهبط على طُرقات المنيا، وصل الأتوبيس الذي أتى من سوهاج، محملاً بـ 30 مواطنًا قبطيًا، بينهم أطفال وسيدات ورضع، حسبْ وصف إبراهيم للمشهد الذي عايشهُ: «اتحركنا الساعة 10 بالليل من القرية، وصلنا الدير 5 الفجر، الدنيا كانت ضلمة، وإحنا كُنا خايفين وإحنا داخلين الكنيسة، ما كانش في كماين أمنية موجودة، ولا أمن على باب الكنيسة».

خلال المكالمة، يخالط البُكاء صوت إبراهيم، ثم يتمالك نفسه، ليقول إن أتوبيس الأقباط كان يضمّ أطفال رضع، لم تتخط أعمارهم 4 أشهر: «كُنا فرحانين، معانا رضع رايحين نعمدّهم في الكنيسة، ونتبارك ببركة الشهداء.. ما كُناش نعرف إن إحنا كمان هنبقى شهداء».

داخل دير الأنبا صموئيل، كانت الأجواء هادئة، الكُل يتمتم بالدعوات، حسبما يحكى لنا إبراهيم: «أول ما دخلنا، زُرنا شهداء السنة اللى فاتت، قعدنا ندعى لهم»، ظلّت الدعوات تدور حول مزار الشهداء، حتى سأل أحدُهم: «يا ترى لينا مكان جنب الشهداء هنا؟»، فرد عليه آخر: «إحنا وهبنَا نفسنا  للشهادة».

عند انتصاف ظهيرة الجمعة، انتهت مناسِك الزيارة داخل الدير، فتوجّهت المجموعة التي يصطحبها إبراهيم إلى الأتوبيس والعربة الخاصة بهم، فيما تبعتهم سيارات أخرى من رحلة جاءت لزيارة الدير أيضًا من المنيا، ليسلكوا الدروب التي توصف دائمًا بـ «الوعرة»، حسب إبراهيم الذي يقول: «الأتوبيسات كانت ماشية في الطريق، طلع علينا 4 مُلثمين في عربات دفع رباعي، وبدأوا يضربوا رصاص علينا».

عصفَت الرمال بأتوبيسات الأقباط، عندما هاجمهُم الملثمون من حيث لا يدروا: «فجأة لقينا الرصاص بيحاوطنا من كل اتجاه، بدأوا يضربوا، السواق جري بالأتوبيس، ما حدش حصلنّا بالعربية، الملثمون مشيوا ورانا وفضلوا ماشيين على رجليهم، ما حدش لحقنا، لكن لحقوا الأتوبيس اللى ورانا بتاع المنيا».

«يا أنبا صموئيل انجِدنا»، صرخات مدويّة انطلقت من عربات الأقباط، استغاثة عُمقها عدة كيلومترات، لكنها لم تصل إلى أفراد الأمن المتواجدين داخل الدير، ولم يستطع الضحايا الاستنجاد بأحد من خلال الهواتف المحمولة، بسبب ضعف شبكات الاتصالات في الطُرق والمدق المُحيط بالدير.

أسفر الهجوم الذي قام الملثمون به عن مقتل سبعة مواطنين، وإصابة نحو 20 من أهالي المنيا، وقد دُفنوا ما بين الأمس واليوم، بعد صلاة الجنازة عليهم في المنيا بالكنيسة «الإنجيلية» بعزبة رويدا، و«الأمير تادرس»، وقد شهدت صلاة الجنازة بالأخيرة حالة من الغضب من جانب المشيعين الذين رفضوا، اليوم، السبت، توجيه الأنبا مكاريوس، الأسقف العام للمنيا وأبوقرقاص الشكر للجهات الأمنية والمسؤولين.

وأعلن تنظيم «الدولة الإسلامية» مسؤوليته أمس، الجمعة، عن الهجوم المسلح على الحافلات التي كانت تقل الأقباط عقب خروجها من دير «صموئيل المعترف»، وذلك في بيان نشر عبر وكالة «أعماق» الذراع الإعلامية للتنظيم. وبحسب البيان، فإن عناصر التنظيم نصبت كمينًا للحافلات، واستهدفت ركابها بالأسلحة الخفيفة، فيما أشار بيان ثان، نُشر في اليوم نفسه، إلى أن  العملية تأتي لما زعم التنظيم أنه «ثأرًا لأخواتنا العفيفات اللاتي اعتقلهن النظام في مصر».

تفاصيل مشوّشة يتذكَرها إبراهيم، لم يفق بعد الحادث إلا على مشاهد المُصابين من أسرته، وأخبار مقتضبة عن قتلى من «أتوبيس المنيا»، الذي كان يتبعهُم، إذ قضى إبراهيم ليلته برفقة أبناء القرية في كنيسة العذراء ببني مزار، يتذكَرون بصعوبة ما حدث، مُرددين جملة واحدة: «إحنا زهقنا، يا يحافظوا علينا، يا إمّا يمشونا».

اعلان
 
 
نورهان مصطفى