سابع مدى| قصة: خطط طويلة الأجل
 
 
لوحة مستوحاة من أجواء النص رسمها الفنان عمر مصطفى - المصدر: عمر مصطفى
 

عزيزي خوليو،

منعتُ نفسي عدة مراتٍ من الكتابة إليك، ولكن في النهاية سألتُ نفسي لمَ كل هذا التوتر؟ هي في النهاية رسالةٌ، سأثرثر فيها قليلًا، وربما لا تصل الرسالة إليك بالأساس، فقد احتفظتُ بعنوانك منذ سنواتٍ، ولا أدري إن كنتَ تُقيم في نفس العنوان أم أنك غيرتَ محل إقامتكَ. لن أنشغل بهذا الآن، سأنشغل الآن بالرسالة، وحينما أرسلها سأبدأُ في الانشغال هل وصلتك الرسالة أم لا، وهل سترد عليها أم لا؟ هكذا يجب أن يرتب الواحد انشغالاته، فيبقى مشغولًا طوال الوقت بأسئلةٍ لا يستطيع الإجابة عليها، وهكذا يا عزيزي يمر الوقت.

لماذا أكتب إليك الآن؟ بالتأكيد ستسأل نفسك هذا السؤال، كما سألت نفسي كثيرًا، فمعرفتنا تكاد تكون سطحية، تقابلنا عدة مراتٍ بشكلٍ عابرٍ، وآخر مرةٍ كانت منذ زمنٍ طويلٍ. بصراحةٍ ودون الاختباء خلف مبرراتٍ غير صالحةٍ للصمود أمام عينيك الذكيتين، كنت أريد أن أكتب قصةً، وبشكلٍ أكثر صراحةً كنت أريد أن أكتب قصةً كما لو كنتَ تكتبها أنت.

لا أريد أن أسألك نصائح، فالواحد عند إعطاء نصائح للآخرين، يمكنه فقط تخيل وضع السائل ويكيف نصيحته حسب الوضع، ولكن من الصعب أن يعطي الواحد للآخر تصورًا عن كيف يمكنه أن يكتب قصةً، خصوصًا إذا كان موضوع القصة يخص شخصًا آخر. لكن الأمر أني أسأل نفسي منذ فترةٍ إذا كان خوليو هو مَن سيكتب القصة، فكيف يمكنه كتابتها، وكيف يمكنني أن أكتب القصة كأنَّ خوليو كاتبها.

كتابة قصة هي محاولةٌ للمشي في العدم، على أن تصبح كل خطوةٍ تحويلًا لهذا العدم إلى جزءٍ من العالم، لكني منذ أيامٍ أقف على أعتاب العدم وغير قادرٍ على رفع ساقي ولو بضعة سنتيمتراتٍ.

هناك، وفي تلك الأيام، أبدو مجرد هيكلٍ يتحرك، بلا أي رغبةٍ في أي شيءٍ، وبلا قدرةٍ على اتخاذ أي قرارٍ من أي نوعٍ، كأنَّ العدم على وشك أن يبتلعني، بينما من المفترض أن أحوِّل العدم -مع كتابتي للقصة- إلى شيءٍ آخر. رفْع كتابٍ مُلقى على الأرض يبدو ساعتها أمرًا بالغ الصعوبة، يحتاج إلى الكثير من التفكير، ومحادثة النفس بضرورة رفع الكتاب من على الأرض، والاسترسال في أفكارٍ حول أهمية أن يعيش الواحد في محيطٍ منظمٍ بعض الشيء، وأن الكتب لا يجب أن تكون ملقاةً هكذا. ويمكن للأفكار أن تمضي على هذا النحو لوقتٍ طويلٍ، لكن دون الانحناء على الأرض والتقاط الكتاب.

وبالتالي تصبح كل التفاصيل التافهة ثقيلةً، خروج الكلمات من الفم أصلًا يحتاج إلى مجهودٍ، ماذا سنأكل؟ هل أخرج أم أظل باقيًا في البيت، وإذا خرجتُ أين يمكنني الذهاب؟ هل أقابل أصدقاء؟ وهل بقي لديَّ أصدقاء؟

تحممتُ وغيرتُ ملابسي عدة مراتٍ، اخترتُ البنطال الذي أحبه هذه الفترة، أحب بناطيلي عادةً قرب منتصف حياتها الاستعمالية، وأتراوح ساعتها بين حالين، إمَّا أن لا أرتديها بالمرة وأتركها للمناسبات الهامة، كي أشعر بالراحة في تلك الساعات، وإما أرتديها يوميًّا حتى تبلى تمامًا، وعادةً ما يحدث ذلك بعد وقتٍ قصيرٍ من بداية حبي لها.

لبستُ قميصين لم يعجباني، رغم أني فكرتُ فيهما من قبلُ، غيرتُ حذاءين أيضًا، وفكرتُ في البقاء عاريًا في المنزل. دخلتُ في مكالمةٍ هاتفيةٍ بلا معنى تقريبًا لساعةٍ كاملةٍ، مع زميلة عملٍ قديمٍ، عادةً لا أجيب على المكالمات التليفونية، ولكني أجبتُ هذه المرة لعل المكالمة تحمل لي جديدًا، حدثتني عن طرقها الجديدة في صنع المربى لأطفالها، عظيمٌ.. هكذا أضفتُ لنفسي خبرةً جديدةً عديمة الفائدة بالمرة.

قررتُ النزول، الجو حارٌّ، والشمس شديدةٌ، أمشي ببطءٍ.. حقيبتي ثقيلةٌ؛ لأني غبيٌّ. أخذتُ كل ما يمكن أن أفكر في احتمالية احتياجي إليه، زجاجة مياهٍ كبيرةً، كتابًا، لوحًا رقميًّا، قميصًا آخر، دخانًا، مفاتيح.. لماذا أحضرت كل هذه الأشياء الآن؟ لكي يزيد ألم كتفي ورقبتي، ويصبح النزول ذنبًا أُعاقب نفسي عليه طوال الطريق.

أتحرك كجثةٍ ضخمةٍ، لا أعرف أين أتجه.. أبحث عن رقم صالةٍ للألعاب الرياضية.. أسمع ضحكةً ساخرةً كبيرةً داخلي؛ فأنا غير قادرٍ على رفع قدمي من على الأرض، ولكني أفكر في الرياضة، اتصلتُ بالفعل بالصالة، وسألت عن النشاطات المقامة هناك، وسألت عن المواعيد والعنوان بالتفصيل، وتمنيتُ لهم نهارًا سعيدًا، وأغلقتُ الهاتف.

أواصلُ المشي كهيكلٍ خربٍ، الشوارع خاليةٌ.. امرأةٌ تقود درَّاجةً، ولدٌ يلعب مع كلبٍ، حرَّاس البنايات يجلسون بتراخٍ على كراسيهم.

أدخلُ مقهى، أدخنُ وأشربُ قهوةً، وأفكرُ فيما يمكنني أن أفعل.

تجلسُ فتاةٌ في مواجهتي في شرفة المقهى، لا يوجد غيرنا في الشرفة، تبدو طالبةً جامعيةً، تُخرجُ من حقيبتها أوراقًا ودفاترًا، تضع السماعات في أذنها، وتختلس النظر لي من حينٍ لآخر، هل أقوم وأجلس أمامها وأخبرها أني أقف على حافة العدم، وأني يجب أن أخطو عدة خطواتٍ تحول هذا العدم إلى قصةٍ، ولكني لا أستطيعُ، وأن هذا يؤلمني، وأني لا أعرف كيف يمكن أن تمضي حياتي على هذا النحو؟ لكنها ما زالت شابةً على كل هذا، دعها تستذكر دروسها. هل أقوم وأُخبرها بأني سألتُ نفسي إن كان تقبيلها الآن في هذه الشرفة شديدة الحرارة يمكن أن يُغيِّر أي شيءٍ في زمني الساكن؟ هل أقوم وأجذبها من شَعرها الأسود وأضرب رأسها في الحائط.. عسى أن تتغير حياتها وحياتي؟

لم أُقبِّلها، ولم أضرب رأسها في الحائط، وتركت حياتها تمضي دون تدخُّلٍ مني، وأكملتُ مسيري على حافة العدم. وفكرت أنه يجب أن يخطط الواحد جيدًا لكيفية اقتحام العدم، وأن يكون لدى المرء خططٌ طويلة الأجل لاستعمالها في هذه الأيام. بمناسبة طول الأجل.. بالأمس سقطتْ عيناي على جملةٍ مطبوعةٍ على علبة اللبن وأنا أنزلها من على شفتي «حليب طويل الأجل»، بالتأكيد رأيتها كثيرًا من قبل، لكني لم أنتبه لها هكذا إلا الآن.. «طويل الأجل»! من أين يجلبون تلك الثقة المطلقة في امتلاكهم لطول الأجل؟!

أعرف أني لن أكون طويل الأجل بأي حالٍ من الأحوال، كنتُ قد انتهيتُ ساعتها من آخر طقوسي الليلية قبل النوم، كنت مخمورًا، وشربتُ اللبن من أجل مدّ دمي بشيءٍ من الأوكسجين يساعده على مقاومة الكحول قليلًا، قبل أن أُصاب بانفجارٍ في الكبد، أو في المخ، أو في أيٍّ من تلك الأعضاء المؤهلة للانفجار.

ولكن أثارتني تلك الثقة التي يعتمد عليها منتجو اللبن؛ كي يبعيوا لنا منتجهم، ونحن نصدقهم، أو نتواطأُ جميعًا على تصديق تلك الجملة البائسة التي طُبعت على علبة الحليب، ونتناسى أننا حمقى، وأن ما نشربه ما هو إلا سائلٌ كيميائي أبيض وليس لبنًا. والآن أنا أفكر في خططٍ طويلة الأجل من أجل اقتحام العدم.

بعد الحليب الذي ذكرني بقصر أجلي، شربتُ ماءً كثيرًا؛ كي أكمل الطقس الأخير.

يقولون إن أحد الصالحين كان في رحلةٍ للسماء، وعرض عليه الملاك الذي رافقه في الرحلة، خمرًا ولبنًا وماءً، واختار الرجل الصالح أن يشرب اللبن، فابتسم له الملاك، وأخبره أنه نجح في الاختبار؛ إذ إن اللبن هو الأساس. لم أفهم لماذا كان اللبن هو الأساس، كان من الأولى أن يكون الماء هو الأساس، بالتأكيد كان من الأفضل -طالما أنها رحلةٌ- أن يتزود المسافر بشيءٍ من الخمر. لكن هكذا تكون اختيارات الآخرين، عجيبةً، ولكنها على الأقل تمنحنا الفرصة للسخرية منهم، وأنا عن نفسي قد شربتُ المشروبات الثلاثة، وشعرتُ بنفسي ثقيلًا، جاهزًا للسقوط.

عزيزي، هل سترد على رسالتي؟ أرجو ذلك، حقيقة لا أعرف كيف سيمكنك أن تحلَّ المسألة، خطابٌ مرسلٌ إليك من حافة العدم، مليءٌ بالمجازات -المجاز يا عزيزي ملاذُ الخائفين الجبناء مثلي أنا الآن- يطلب منك أن تخبرني كيف يمكنني كتابة قصةٍ كما لو كنتُ أنت كاتبها، ولكن أنا مَن سيكتبها، تصرَّف يا عزيزي، اجتهدْ قليلًا، وأنا أعرف أنك قادرٌ على ذلك، فلم يكن اختياري لك قائمًا على فراغٍ.

في انتظارك.

*قصة تُنشر ضمن مجموعة قصصية بالعنوان نفسه عن دار «العين» قريبًا.

*«سابع مدى» باب للكتابة الإبداعية، ومساحة للتجريب الأدبي، ينشر كل نص مصحوبًا بلوحة يرسمها الفنان عمر مصطفى.

اعلان