عامان من «التعويم».. ماذا يعني التضخم في حياة الناس؟
 
 

حتى فجر الخميس، الثالث من نوفمبر عام 2016، كان راتبي – الذي لم يكن يتجاوز 1400 جنيه – يكفيني ويفيض. لم أكن قلقة بشأن مصروفاتي الشهرية أو مواصلاتي اليومية من وإلى العمل، حتى أدركنا الصباح وأعلنت الحكومة المصرية قرارها بتحرير سعر صرف العملة المحلية مقابل العملات الأجنبية، ما يُعرف بـ «تعويم الجنيه»، فتبدلت الأحوال؛ ورغم تضاعُف راتبي 3 مرات منذ هذا الوقت فقد صار الوضع أسوأ.. كيف حدث هذا؟ وإن كان هذا وضع مَن يُحسبون ضمن شريحة متوسطي الدخل، فكيف حال مَن هم أقل دخلًا؟ هذا التساؤل الأساسي كان  دافعي لكتابة هذا الموضوع.

وكان تأثير قرار التعويم على الأسعار ومستويات معيشة المواطنين من أكبر المخاطر التي حذر منها الاقتصاديون عند اتخاذ القرار قبل عامين، في ظل اعتماد مصر الشديد على استيراد احتياجاتها الأساسية، بالإضافة لكون تحرير سعر العملة كان جزءًا من برنامج اقتصادي اتفقت عليه مصر مع صندوق النقد الدولي، تضمن سلسلة من الإجراءات التقشفية التي تؤدي بطبيعتها لزيادة معدل زيادة أسعار المستهلكين (التضخم).

وبالفعل بدأت منذ تعويم الجنيه موجة غلاء طاحنة، ووصل التضخم لمستويات  قياسية لم يصل إليها منذ 30 سنة، كانت ذروتها في يوليو 2017، ثم اتجه معدل زيادة الأسعار للتراجع تدريجيًا حتى وصل إلى 11.5% في مايو الماضي، قبل أن يعاود الصعود مع رفع أسعار الوقود مجددًا في يونيو، ومن بعده الكهرباء.

ووصل معدل زيادة أسعار المستهلكين إلى 15.4% في سبتمبر الماضي، ويتوقع صندوق النقد في تقريره آفاق الاقتصاد العالمي، أن يدور المعدل خلال العام الحالي حول ما يقرب من 21%.

ولا يشير انخفاض معدل التضخم إلى أي تحسن في معيشة الناس، لأن الأسعار لا تتراجع وإنما تزيد أيضًا، ولكن بمعدل أقل من ذي قبل.

أميرة ودوامة التضخم

الثالث من نوفمبر عام 2016 كان حدًا فاصلًا في مستوى معيشة المصريين، وبشكل خاص محدودي الدخل والشريحة الأدنى من الطبقة المتوسطة.

اعتبرت الحكومة أن تعويم العملة هو الحل الوحيد المتاح لحل مشاكل الاقتصاد، رغم اعتراضات بعض الاقتصاديين على الفكرة منذ طرحها قبل سنوات من التطبيق، كما يقول على سبيل المثال سمير رضوان، الخبير الاقتصادي ووزير المالية الأسبق،  في حوار صحفي مع «الوفد» في مايو عام 2016، حول ما يُقال عن ارتباط تحرير سعر الصرف بزيادة الطلب على الصادرات، موضحًا أن «هذا يصلح فى سويسرا مثلاً أو الصين، لأن لديهما قدرة إنتاجية وتصديرية كبيرة وعندما ينخفض سعر صرف العملة يرتفع الطلب على صادراتها وهذا لا يتوافر لدينا حيث إننا نستورد60% من احتياجاتنا وحتى صادراتنا40% من مكوناتها مستوردة والنتيجة أن تعويم الجنيه يزيد فاتورة الواردات والتضخم والضحايا هم الفقراء ومعدومو الدخل».
تلك التراكيب الاقتصادية المعقدة لا تستوعبها أميرة، لكن ما حذر منه رضوان انعكس تمامًا على حياتها.

أميرة سيدة أربعينية كانت تعيش حياة مستقرة؛ وظيفة في مصنع ملابس تؤمن لها دخلًا ثابتًا رغم محدوديته، لكن المصنع أغلق أبوابه عام 2014، فاتجهت لبيع الخضار في سوق بهتيم، وكان دخلها من هذا النشاط يكفي أسرتها.

لكن منذ لحظة التعويم وحياة أميرة تتهاوى، فلأول مرة صارت هي وبناتها الثلاث يبتن دون عشاء، بل وأحيانًا دون إفطار أيضًا. هي لا تعرف الأسباب المباشرة لضيق الحال الذي أصابها منذ ذلك العام، لكن يُرجع الاقتصاديون تدهور أحوال الملايين من هذه الشريحة إلى حزمة القرارات التحررية التي طبّقتها الحكومة في نوفمبر 2016 دون توفير الحماية الكافية لمحدودي الدخل.
«الدنيا كانت حلوه لحد سنتين فاتوا، وفجأة كله بقى نار» تقول أميرة وهي تجلس في زاوية من سوق بهتيم – ليس ببعيد عن مسكنها المتواضع في عشوائيات شبرا الخيمة – لبيع الخضراوات. تعد السيدة الجنيهات القليلة التي تجنيها آخر اليوم وتقارنها بالأسعار وما تحتاج لإنفاقه على بناتها فتدرك في أي ورطة هي؛ «السوق واقف بسبب الأسعار والغلا، وبقيت يوم معايا قرش ويومين مفيش».

ورغم تفاخر الحكومة بتراجع معدلات التضخم، والذي اعتبرته تجاوزًا لعواقب تعويم العملة، عملت أميرة في وظيفة واثنتين وثلاثة، لتحد من تأثير ارتفاع الأسعار على أسرتها الصغيرة.

ويتضح من الانفوجراف التالي قائمة استهلاك أميرة خلال ثلاث سنوات توضح منهما تطور حياتها:

تطور استهلاك أسرة أميرة

عادةً ما تحاول الإحصاءات الرسمية تصوير التضخم باعتباره عبء عام مُتقارب الثقل على الجميع. وتُعلَن إحصاءات التضخم الرسمية كرقم موحد، في صورة مُعدل شهري أو سنوي، فهل يواجه جميع مَن يسكنون القاهرة – على سبيل المثال – نفس مستويات التضخم خلال نفس الفترة؟

يقول محمد سلطان في ورقة بحثية بعنوان «اللا مساواة في توزيع الأعباء الاقتصادية»، إن الإجابة البديهية ستكون «نعم طالما أن أسعار السلع واحدة أو متقاربة في القاهرة. إذا كنت أنا أشتري المنتجات بنفس السعر- أو بسعر مقارب جدًا- للذي تشتري به أنت، إذًا نحن نواجه نسب تضخم موحدة أو متقاربة. هذا هو المنطق الذي تعتمد عليه معظم أجهزة الإحصاء والبنوك المركزية، لكن ما تحاول هذه المؤسسات إخفاءه هو أن نسب التضخم ليست مرتبطة فقط بأسعار السلع والتغير بها، بل وأيضًا بأنماط إنفاقنا على هذه السلع».

سعى سلطان لشرح ما حدث خلال ورقته البحثية، محاولًا تحديد نصيب كل فرد من عبء التضخم، مستعينًا بتجارب في بلاد أخرى في حساب التضخم وأثره، مثل ماليزيا التي أعلن بنكها المركزي في تقريره السنوي لعام 2015 أن مستويات التضخم التي تواجهها الفئات الأقل دخلًا في الفترة، من 2011 الى 2014، كانت دائمًا أعلى من تلك التي تواجهها الفئات الأعلى دخلًا.

مَن الأكثر تضررًا من ارتفاع الأسعار؟

بعد مرور عامين على التعويم، وفي ظل موجة الغلاء التي طالت الجميع، كانت الشرائح الوسطى الدنيا من الدخل، وتلك القريبة من خط الفقر، هي الشرائح التي أثر التضخم بشكل كبير على وضعها، كما يقول سلطان.

فرغم أن النسبة العامة لمعدل ارتفاع أسعار المستهلكين، التي تتبناها الأجهزة الرسمية، وصلت في أعلى مراحلها إلى نحو 35% في يوليو 2017 مقارنة بنفس الشهر من العام السابق له، نتيجة لقرار التعويم وما لحقه من إجراءات اقتصادية، فإن سلطان يوضح أن السكان المنتمين إلى الشريحة الدُنيا من الطبقة المتوسطة، واجهوا تضخمًا يبلغ 90% إذا قارننا بين وضعهم في ذلك العام مقارنة بعام 2013، أي أن «شرط بقائك في هذه الشريحة والحفاظ على نمط إنفاقك كما كان في 2013 هو أن يزيد دخلك الشهري بنسبة 90% عمّا كان عليه في 2013».

أما مَن لم يتمكن من زيادة دخله بهذا القدر، وهو أمر صعب في ظل الأزمة الاقتصادية ومحدودية فرص العمل والزيادات المحدودة للأجور، فقد اضطر إلى تغيير نمط إنفاقه، بالاستغناء عن السلع والخدمات، ليصبح أكثر قربًا من نمط إنفاق الشريحة القريبة من خط الفقر. وهذا يعني أن أمره ازداد سوءًا «لأن هذه الشريحة تواجه معدلات تضخم أعلى من معدلات شريحتك القديمة»، كما يقول الباحث الاقتصادي.

فالشريحة القريبة من خط الفقر، تلك التي يكفيها دخلها بالكاد لسد احتياجاتها الأساسية من الغذاء والمأوى والملبس، واجهت معدل تضخم يصل إلى 110% في 2017 مقارنة بأسعار 2013، وبالتالي كان عليها زيادة دخلها بأكثر من الضعف خلال تلك السنوات الأربعة حتى تستطيع البقاء في نفس مستواها، وإلا انحدرت إلى مستويات أعنف من الفقر، حيث لا يكفي الدخل لتلبية الاحتياجات الأساسية من الطعام.

وتعرّضت سمر، معلمة الفيزياء، لهذا التدهور في مستوى المعيشة، والذي انعكس على نمط إنفاق الأسرة، وعلى خياراتها في السكن أيضًا، حيث اضطرت مع تداعي الأوضاع الاقتصادية في 2017، وظروف مرض والدتها للانتقال من سكن مملوك للأسرة في شبرا البلد إلى مسكن في منطقة بهتيم، كان والدها قد استأجره منذ زمن بعيد.

وكانت عائلة سمر فيما سبق قادرة على أن تدخر لأجل تعليم الأبناء ومواجهة الأزمات الصحية المُفاجئة، لكن منذ أواخر 2016 أصبح عائد والد سمر- بالإضافة إلى دخلها من عملها بالمدرسة – غير كافٍ سوى للطعام ولوازم الحياة الأساسية، بالإضافة إلى مرض الأم باللوكيميا (سرطان الدم)، أحد الأمراض المُستنفزة للأموال، والذي يضطر العائلة مع بداية كل جرعة جديدة من العلاج إلى بيع أحد مدخراتها، كان آخرها المسكن الذي لم يعودوا يملكون غيره.

فرص العمل والأجور

ترى الحكومة المصرية أن فرص العمل الجديدة قد تخفف من آثار التضخم على المواطن المصري، ففي بيانها أمام البرلمان، استهدفت حكومة مصطفى مدبولي توفير 900 ألف فرصة عمل سنويًا في الأربع سنوات المقبلة، وبالتالي مضاعفة حجم الوظائف التي توفرت في العام الماضي.

وشكك سامر عطا الله، أستاذ الاقتصاد السياسي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، في مدى إمكانية تحقيق الرقم المستهدف، والذي يقتضي تغييرًا في السياسات الاقتصادية المُتبعة، كما قال في تصريح سابق لـ «مدى مصر»، لافتًا النظر إلى أن السياسات التي وردت في بيان الحكومة «ليس بها أي جديد» يسمح بتشغيل هذا العدد.

لكن من التهوين ادعاء حل أزمة التضخم وتأثيرها على المواطن بمجرد توفير فرص عمل جديدة، فحتى بافتراض أن الدولة ستتمكن من توفير هذا الكم من الفُرص، هل تُعادل قيمة الأجور الحقيقية ارتفاع الأسعار المستمر؟

في كتابه «متى ينتهي الغلاء» شرح محمد جاد، الصحفي والباحث الاقتصادي، أن للأجور وجهين، الأول «الأجور الإسمية»، وهي قيمة أجورنا كما نتعامل بها في حياتنا اليومية فنقول مثلا: «راتبي الشهري كان 500 جنيه وزاد إلى 1000 جنيه». أما الوجه الثاني فهو «الأجر الحقيقي»، أي قيمة الأجر بعد خصم نسبة التضخم. وعادة ما يشعر الناس بالاستياء عندما تتآكل القيمة الحقيقية لأجورهم حتى وإن كانت القيمة الإسمية في زيادة مستمرة.

قبل 8 سنوات، ضغط العمال بقوة لتطبيق حد أدنى للأجر يتناسب مع مستويات المعيشة اللائقة للأُسر. في محاولة للتجاوب مع تلك الضغوط، اعتمدت الدولة حافز إثابة إضافي رفع الحد الأدنى لأجر العاملين بالدولة إلى 731 جنيهًا، وهو أدنى مما كان مُطلوبًا من جانب العمال (1200 جنيه).

في مطلع 2014، قررت الحكومة الانتقالية آنذاك التقدم في اتجاه تحقيق قدر من المساواة في الأجور المتغيرة عبر ما يُعرف بعلاوة الحد الأدنى؛ لسد الفارق بين ما يحصل عليه العاملون من مكافآت وبدلات نقدية، بحيث يصبح الحد الأدنى للأجور 1200 جنيه. ثم تجمد الحد الأدنى عند الرقم السابق.

وإذا قمت بمعادلة رياضية بسيطة لمقارنة القيمة الحقيقية للـ 1200 عندما تمّ اقتراحها في 2011 ومقابل قيمتها عند تطبيقها كحد أدنى للأجر الحكومي في 2014، ثم بقيمتها في اللحظة الراهنة، ستجد أن الـ 1200 جنيه في 2011 انخفضت قدرتها الشرائية في 2014 نتيجة لبعض الزيادات في الأسعار ليصبح المبلغ المناسب المعادل لها هو 1500، ثم أصبح ما يساوي مبلغ الحد الأدني نفسه الآن يُعادل 4500 جنيه نتيجة للغلاء وتعويم العملة المحلية.

وهكذا، لم تشفع الدخول الجيدة – أو التي كانت كذلك حتى وقتٍ ليس ببعيد – للطبقة المتوسطة، حتى الشرائح العُليا منها، للنجاة من عواقب التضخم، وصارت أحوالها المعيشية تقترب يومًا بعد الآخر من الطبقات الأدنى منها، والتي تزداد معاناتها بدورها مع كل زيادة تُطبق من قِبل الحكومة المصرية دون تأمين بدائل أو مصادر أخرى للدخول لتعويض الفارق.

اعلان
 
 
حسناء محمد