السيسي -والمعارضة- في ألمانيا: المصلحة أقوى من «البالون»
 
 
صورة: مدى مصر
 

بالقرب من مقر المستشارة اﻷلمانية أنجيلا ميركل، حيث التقت بالرئيس عبد الفتاح السيسي أمس، الثلاثاء، جهزت شرطة العاصمة الألمانية مسرحًا لمظاهرة انطلقت تزامنا مع اللقاء. عدد من الحواجز شكلت مربعًا كبيرًا يمكنه استيعاب المئات. دستة من سيارات الشرطة في كل اتجاه، وعشرون شرطيًا على اﻷقل.

الاستعداد للتظاهر كان حديثًا متكررًا وسط مجتمع المعارضين السياسيين المصريين في برلين طوال اﻷيام الماضية. يتحدث البعض عن بالون ضخم للرئيس عبد الفتاح السيسي يتم تحضيره للحدث. لكن هذا لم يُنبت أي حماسة، ولم يمح الخوف الواضح في ثنايا ذلك الحديث. ما الذي يمكن للتظاهر أن يحققه على أية حال؟

حضر بالون الرئيس، بأذني ميكي ماوس، كما في الصورة الشهيرة، وبدلة عسكرية، يعلو شيئًا ما يشبه الدبابة لها مدفع كبير. حضر البالون بصحبة حوالي 15 شخصًا يمثلون أطيافًا سياسية عدة. بعض مؤيدي جماعة اﻹخوان، وآخرون ليبراليون ويساريون. يمكنك أن ترى لافتات صفراء تحمل أربعة أصابع، ويمكنك أن تسمع أيضًا هتاف البعض أنهم «مش ناسيين التحرير يا ولاد الوسخة». أثبتت جميع اﻷطراف حضورها. تتوالى الهتافات، لكن الصوت يبدأ هنا وينتهي هنا. لا حضور إعلامي، ولا يوجد بين المارة أي متحمسين.

نُظمت المظاهرة تزامنًا مع لقاء ميركل والسيسي في زيارته الثالثة ﻷلمانيا كرئيس لمصر. وصل السيسي إلى برلين يوم اﻷحد الماضي، في زيارة تستغرق أربعة أيام، لحضور مؤتمر المبادرة الألمانية للشراكة مع أفريقيا في إطار مجموعة العشرين، ولقاء عدد من السياسيين اﻷلمان.

يعرف الجميع مصلحته. السيسي هنا ﻷن لديه أسبابه، واﻷلمان يرحبون به ﻷن لديهم أسبابهم. يبدو هذا واضحًا للمتظاهرين، ولهذا لا ينتظر أي منهم على الأغلب تحقيق مصلحة محددة. هذه المظاهرة تأتي في الأغلب من موقع اليأس لا موقع الأمل.

المصلحة اﻷلمانية

استقبل السيسي في مقر إقامته في برلين أول أمس، اﻹثنين، السفير ولفجانج إيشنجر، رئيس مؤتمر ميونخ للسياسات الأمنية، وذلك ضمن عدة لقاءات أجراها مع أطراف ألمانية عدة. بحسب بيان المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، أشاد إيشنجر «بالجهود المصرية لمكافحة الهجرة غير الشرعية»، والدليل أنه «لم يكن هناك أي مصري ضمن الأعداد الكبيرة من اللاجئين الذين استضافتهم ألمانيا منذ عام 2015».

اﻷمر ذاته تكرر خلال معظم لقاءات السيسي في برلين. موضوع الهجرة غير الشرعية على أجندة أغلب اللقاءات، بعد أن أصبحت أحد أعمدة النقاش السياسي الداخلي اﻷلماني.

يرتبط هذا أيضًا بمسألة الاستقرار. خلال حوارات مختلفة، شدد عدد من البرلمانيين اﻷلمان خلال حوارات متفرقة مع «مدى مصر» على أهمية استقرار الدولة المصرية بالنسبة ﻷلمانيا وأوروبا ككل. اﻷمر منطقي على خلفية الحروب التي تعصف بعدد من دول المنطقة خلال اﻷعوام الماضية. من وجهة النظر اﻷلمانية، فإن الحفاظ على جزيرة الاستقرار المصري وسط بحر الاضطرابات أمر ضروري. سيعني هذا عددًا أقل من المهاجرين. وبالنسبة للاتحاد اﻷوروبي سيعني هذا تقليل فرص المخاطر التي يمكن أن تأتي عبر هذا البلد.  

سيعني هذا أيضًا مزيدًا من اﻷعمال اﻷلمانية في مصر. عقد عمل واحد وقعته شركة «سيمنز» اﻷلمانية مع الجانب المصري في 2015 بلغت قيمته ثمانية مليارات يورو.

تغيب مسألة حقوق اﻹنسان عن كل هذا. خلال اﻷعوام الماضية، تسببت انتهاكات حقوق اﻹنسان في مصر في موقف ألماني متشدد تجاهها. على سبيل المثال، أوقفت الحكومة اﻷلمانية في 2014 شحنة أسلحة كبيرة كانت متجهة إلى مصر. وفي يوليو الماضي، قال مصدر ألماني لـ «مدى مصر» إن وزير الخارجية المصري سامح شكري استمع لكثير من الأسئلة المفصلة حول حالة حقوق الإنسان في مصر، ومصير السجناء السياسيين، وأوضاع المجتمع المدني.

لكن كثيرًا من الأمور تغير بين 2014 و2018. وافقت الحكومة اﻷلمانية على صفقات سلاح بقيمة 285 مليون يورو إلى مصر خلال الفترة بين أكتوبر 2017 وفبراير 2018. ولاحظ المصدر اﻷلماني «حلحلة في موقف برلين المتشدد نحو إبرام المزيد من صفقات التسليح مع القاهرة».

المسألة الوحيدة التي احتفظت فيها ألمانيا بموقفها المتشدد، بحسب المصادر الألمانية، كانت إزاء بيع أجهزة تنصت حساسة للقاهرة أو تقديم تدريبات إلى عناصر أمنية مصرية في هذا الصدد. ظهر هذا في الاتفاقية الأمنية التي أنهتها وزارتي الداخلية الألمانية والمصرية في فبراير 2017. محلل ألماني مختص بشؤون الشرق الأوسط على اطلاع بالمباحثات التي أُجريت خلال الزيارة، قال لـ «مدى مصر» بشرط عدم نشر اسمه، إن وزارة الخارجية الألمانية استخدمت حق الفيتو الذي يتيحه لها القانون الألماني للاعتراض على أحد بنود الاتفاقية والتي تختص بتقديم تدريب لعناصر أمنية مصرية خوفًا من استخدامها في انتهاك حقوق الإنسان. لكن لا توجد ضمانات ألا يتغير هذا في المستقبل.

المصلحة المصرية

يبدو أن مصر تفهم ما سبق جيدًا، وتعرف كيف تستخدمه. خلال اجتماع في النمسا في سبتمبر الماضي، ناقش قادة الاتحاد اﻷوروبي مشروع «اتفاق تاريخي» تعزز فيه مصر من تواجدها اﻷمني على شواطئها وتقوم بإعادة توطين اللاجئين الذين تعترضهم في البحر المتوسط على الأراضي المصرية. في المقابل، يمنح الاتحاد اﻷوروبي مصر «استثمارات جوهرية» و«حوافز مالية أخرى»، باﻹضافة إلى معاملة دبلوماسية خاصة «تشمل زيارات رفيعة المستوى من قادة الحكومات اﻷوروبية إلى مصر».

يتفق هذا مع ما أعلنه السيسي قبل يوم واحد من سفره إلى برلين، أثناء استقباله وفدًا من البرلمان اﻷلماني. خلال اللقاء. أشار السيسي إلى «الجهود الضخمة التي تبذلها مصر لمواجهة تلك المشكلة وكبحها، وضبط حدودها البحرية والبرية في ضوء حالة عدم الاستقرار التي تشهدها عدد من دول الجوار المباشر لمصر». أشار السيسي أيضًا إلى أنه «لم تسجل حالة [هجرة غير شرعية] واحدة من مصر منذ عام 2016 وحتى الآن». لم ينس كذلك اﻹشارة إلى «الأعباء التي تتحملها مصر في سبيل تحقيق ذلك، وأيضًا لاستضافة الملايين من اللاجئين من جنسيات مختلفة على أراضيها، حيث يتم توفير سبل المعيشة الكريمة لهم دون عزلهم في معسكرات أو ملاجئ إيواء، ويتمتعون بمعاملة متساوية مع المواطنين المصريين في مختلف الخدمات».

لا تخلو هذه الإشارة من المعاني بحسب المحلل الألماني: فالسيسي يمتلك قوة تفاوضية كبيرة الآن بسبب أزمة اللاجئين للحصول على مكاسب مالية. تتمثل هذه المكاسب في بعض مشاريع التنمية، لكن، وبشكل أساسي، إعفاءات من الديون المصرية للجانب الألماني وتصل إلى مئات الملايين من اليورو. وبسبب هذا الموقف، يختفي الحديث الألماني عن حالة حقوق الإنسان في مصر.

بحسب التحليل السابق، يبدو أن النظام المصري يسعى لضرب عصفورين بحجر واحد. استطاعت الدولة تحقيق مكاسب مالية للتعامل مع مشاكل الهجرة. كما نجحت أيضًا إلى حد كبير في تجاوز ضغوطات انتهاكات حقوق اﻹنسان، والتي سببت إحراجًا كبيرًا للنظام المصري. خلال لقائه مع ميركل أمس، أشار السيسي إلى الجهود المصرية لمكافحة الهجرة غير الشرعية «عبر منع انطلاق أي مراكب تقل مهاجرين من الشواطئ المصرية باتجاه أوروبا منذ سبتمبر 2016 [بعد حادثة مركب رشيد والتي أودت بحياة المئات ممن حاولوا الهجرة]، فضلًا عن استضافتها لملايين اللاجئين على أراضيها». هذه اﻷشياء تحتاج إلى أموال، وتحتاج أيضًا إلى عدم الإزعاج بالحديث عن حقوق اﻹنسان.

المصلحة الثورية

وسط كل هذه المصالح، تجمع حوالي 15 معارضًا مصريًا في برلين للتظاهر. لم يحضر آخرون بسبب الخوف من الملاحقة اﻷمنية عند عودتهم إلى مصر. إحدى الناشطات المصريات حضرت المظاهرة مرتدية باروكة شعر وردية كي لا يتعرف عليها أحد.

هذا الخوف يأتي بسبب سمعة السفارة المصرية في تتبع المعارضين السياسيين وإرسال تقارير عنهم إلى مصر. يتداول المصريون حكايات كاﻷساطير. يتحدث البعض عن إسماعيل اﻹسكندراني، والذي قُبض عليه في مطار الغردقة قادمًا من برلين بسبب تقارير أمنية من السفارة. هناك أيضًا حكاية المصريين الذين حذرهم جهاز اﻷمن الداخلي اﻷلماني من أن السفارة أرسلت من يراقب تحركاتهم.

بحسب مصادر دبلوماسية مصرية تحدثت إلى «مدى مصر» في مايو 2017، عمل بدر عبد العاطي، سفير مصر في برلين، «على ترويج العلاقات الثنائية بين القاهرة وبرلين مع كل الأجهزة الأمنية والسياسية والاقتصادية، مبتعدًا عن الالتزام التقليدي بربط نشاطه أولًا مع وزارة الخارجية».

لا أحد يعرف ما هي اﻷجهزة اﻷمنية المقصودة، ولا يوجد دليل على أي من هذه الحكايات. لكن مجرد وجودها كان كافيًا لبث الرعب. يمكن لرعب السلطة عبور الحدود ليصلك حيثما تكون، والدولة المصرية بارعة في ذلك. «لا أحد آمن حتى هنا»، تقول مصرية تعيش في برلين، رفضت نشر اسمها خوفًا من الحكايات المتداولة.

إلى جانب الخوف، هناك يقين بعدم الجدوى. تتهم المصرية، التي تحدثت إلى «مدى مصر»، الحكومة اﻷلمانية بالتواطؤ مع النظام المصري. ووسط عالم يعرف فيه كل طرف مصلحته، لا يوجد مكان ﻵخرين. «معظم الناس يجدون مظاهرات كهذه بلا أي جدوى»، تقول، «ولهذا فإن اﻷمر يصبح مخاطرة لكن دون تغيير أي شيء في النهاية». بحسب رأيها، فإن «المخاطرة كانت تستحق من قبل، لكنها اﻵن أصبحت مجرد غباء». من تظاهروا هم من يعرفون أنهم لن يعودوا إلى مصر أبدًا. لهذا حضر البالون إلى المظاهرة برفقة قليلين. على اﻷرجح، سيظل هو اﻵخر في منفاه دون إمكانية للعودة.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن