القطن.. ذهب مصر الذي لن يعود
 
 

«الحكومة شدت الفلاح للفخ وسابته»، هكذا قيم مجدي الشراكي، رئيس جمعية الإصلاح الزراعي، خطة الحكومة لإعادة إحياء القطن خلال مؤتمر «200 عام من القطن» الذي عقد يوم الإثنين 20 أبريل.

الخطة التي يشير إليها الشراكي هنا هي خطة حكومة شريف إسماعيل السابقة، لمضاعفة حقول القطن من 200 ألف فدان العام الماضي إلى 400 ألف خلال عامين. أما الفخ الذي وصفه منفعلًا، فهو تحديد الحكومة لسعر ضمان للمحصول يصل إلى 2700 جنيه للقطن طويل التيلة و2500 لمتوسط التيلة، وذلك بزيادة 400 جنيه عن العام الماضي، ثم تخليها عن شرائه بعد الحصاد.

يقول الدكتور حامد عبد الدايم، المتحدث الرسمي لوزارة الزراعة، إن الوزارة سعت لتشجيع الفلاحين على العودة لزراعة القطن عن طريق سعر الضمان فقط لتشجيعه على الزراعة، متسائلًا: «هنعمل إيه تاني؟»  

لا يعرف المزارعون الإجابة على هذا السؤال. ولكن عقب إنتهاء موسم حصاد القطن، واجه أغلبهم مشكلة بتسويق المحصول، بعد أن انسحبت الشركة القابضة للنسيج والغزل من السوق وتراجعت عن الشراء، بالرغم من وعود الحكومة بشراء المحصول وضمانه. يقول سامي العريض، مزارع في مركز بلقاس بمحافظة الدقهلية، إنه سلم المحصول بالفعل للجمعية الزراعية في بلقاس، إلا أنه لم يحصل على مقابل حتى الآن، مضيفًا: «القطن مرمي محدش بيشتريه، والتجار بيشتروه بـ 2100 جنيه للقنطار».

ينفي المتحدث باسم وزارة الزراعة وجود أي مشاكل تتعلق بالقطن، كما يؤكد أن الدولة اشترت كل قطن الإكثار -الذي تستخدم بذوره بالزراعة مرة أخرى- من الفلاحين، موضحًا أنهم سيستلموا نقودهم قريبُا و«ربنا يسهل» على حد قوله.

«مشكلة القطن معقدة» حسب المهندس نبيل السنتريسي، رئيس اتحاد مصدري الأقطان، الذي يوضح أنها متعلقة بعدة أطراف: الوزارة والفلاحين والتجار ومصانع الغزل والدولة. لذلك العمل على حلها يجب أن يكون على عدة محاور وليس من خلال تشجيع الفلاحين فقط، على حسب قوله.

يشرح السنتريسي أن الشركة القابضة انسحبت من الإتفاق بسبب ندرة الموارد المالية للشركة، فلا تستطيع شراء المحصول من الفلاحين. ويضيف أن التجار بدأوا الشراء بنفس سعر الضمان 2700 جنيه قبل أن تنخفض الأسعار إلى 2400 بعد عزوف الشركة القابضة عن الشراء، مما دفع التجار لخفض أسعار المحصول.

ويرى السنتريسي أن تدهور الأسعار العالمية وآليات العرض والطلب عززت الوضع الحالي للسوق، قائلًا إن الحكومة حين عرضت سعر ضمانها العام الماضي، كان السعر العالمي حوالي 3500 جنيه للقنطار، فيما كانت الكمية الموجودة بالسوق نحو 1.4 مليون قنطار قبل أن ترتفع السنة الحالية إلى أكثر من 2 مليون قنطار مع تدهور الأسعار العالمية.
ويقول رئيس اتحاد مصدري الأقطان، إن تجار القطن يضطرون للاقتراض لشراء المحصول، بينما تحمل قروضهم بفائدة بنكية تصل إلى 20%، موضحًا «يعني لو أخدت عشر آلاف قنطار أدفع عليهم 400 ألف جنيه في الشهر. دلوقتي أنا اشتريت ودفعت فايدة والقطن خسر أو متباعش. أعمل ايه كتاجر؟»

هناك جانب آخر بخصوص ربحية السعر بالنسبة للفلاح، يوضحه حسن، مزارع من البحيرة اكتفى بذكر اسمه الأول، قائلًا إن معدل إنتاج متوسط الفدان 7 قناطير، فيصبح الناتج 18,800جنيه، متضمنة مصاريف الأسمدة والبذور والمبيدات والعمالة (التي وصلت لأكثر من مائة جنيه في اليوم) والري والعزق وإيجار الأرض. فيتبقى للفلاح ما لا يتجاوز 3 آلاف جنيه. ما يجعله يتساءل: «هل من المنطقي إني أجهد الأرض، وأصرف عليها من جيبي 6 شهور علشان 3 آلاف جنيه؟»   
لم تقتصر مشاكل القطن العام الحالي على تسويقه. فقد واجه بعض الفلاحين عقبات أثناء الزراعة هذا الموسم، وحتى قبل جني المحصول. ورغم تأكيد المتحدث الرسمي باسم وزارة الزراعة، على جودة البذور، فقد تباينت آراء الفلاحين عنها. يقول إبراهيم يوسف، أحد مزارعي القطن بالدقهلية، إن متابعة الجمعيات الزراعية ومستوى البذرة تحسن مقارنة بالسنوات الماضية. ولكن سامي العريض، مزارع آخر من الدقهلية تحدثنا معه، يقول إن فدانين ونصف قطن انتجوا فقط 9 قناطير بدلًا من متوسط 17 قنطارًا، كما أن طول الشجيرات متباين، وذلك يعني في رأيه أن البذور التى تم استلامها من الجمعية الزراعية تم خلطها ببذور مختلفة، مؤكدًا أنه لن يغامر ثانية بزراعته أبدًا.

صورة: ندى عرفات

الوجه الآخر لخطة إعادة إحياء القطن، وفقًا لمستشار وزير الزراعة،  الدكتور سعد نصار، هو زيادة ميزانية مركز البحوث الزراعية إلى 65 مليون جنيه بعد أن كانت 3 ملايين فقط العام الماضي. تستخدم هذه الميزانية في تطوير أصناف مصرية قصيرة التيلة للمصانع التي تستورد القطن القصير من الخارج.

بالمقابل يزين جانبي مدخل وزارة الزراعة، صندوقين من الزجاج يحوي كلاً منهما شجرة قطن «جيزة 94» كإشارة لبداية الخطة الجديدة. «جيزة 94» هو أحد أصناف القطن الذي طور في مصر، البلد التي عُرفت يومًا بقطنها ذو الألياف الطويلة التي تنتج خيوطًا عالية الجودة، والتي حاربتها التكنولوجيا عندما مكنت المصانع العالمية من تقليد الخيوط الطويلة والمتوسطة المصرية بأخرى قصيرة التيلة ورخيصة، دفعت الطلب على القطن المصري للهبوط.

وفي الوقت الذي يؤكد فيه نصار أننا لن نتوقف عن زراعة القطن طويل التيلة ولكنه سيزرع بقدر الحاجة إليه وبالتعاون مع شركات الغزل والنسيج الخاصة والاستثمارات الأجنبية داخل مصر. فإن هناك تصريحات لعضو المجلس الأعلى للغزل والنسيج ونائب رئيس المجلس التصديري للقطن٬ محمد يوسف، يؤكد فيها أنه قابل مسؤول كبير بالدولة في بداية شهر أكتوبر، والذي أكد له أن «مفيش قطن قصير هيتزرع في مصر».

يقول يوسف إن محاولات الحكومة لإعادة القطن المصري إلى عرشه كانت بأوامر ممن اطلق عليها جهات سيادية. ولكن الدفع بسرعة للمضي قدمًا في الخطة دون دراسات وافية كانت أحد أهم العوامل لفشل تلك الخطة، على حد تعبيره.

«إحنا كده بنجر القطن لورا» ينهي يوسف كلامه، بأن الحكومة شجعت الفلاح على زراعة القطن، ثم تركته.

الحل برأي السنتريسي يتمثل في خلق طلب داخلي على القطن المصري عن طريق دعم المغازل، التي تحتاج سيولة نقدية لتطوير الماكينات للعمل على القطن طويل التيلة، قائلا: «مهم جدًا نصنع القطن بتاعنا لأن كيلو القطن بيتصدر بـ 50 جنيهًا لكن كيلو الملابس بألف فلازم أدعم المصانع واشجعها».  

قصة طويلة عن التراجع

يرجح أن زراعة القطن في مصر بدأت في عهد الإسكندر الأكبر بعد أن حملها معه من الهند إلى مصر. وزاد التوسع في زراعة القطن في عهد محمد علي عام 1820 كما تشير سجلات تاريخ القطن في المكتبة الزراعية لوزارة الزراعة. وأقام محمد علي عددًا من الصناعات المتعلقة بالغزل والنسيج معتمدًا على القطن، كما أنشأ أول مصنع حكومي للنسيج بمصر «الخرنفش للنسيج».

يذكرنا تيموثي ميتشل، المؤرخ الأمريكي في كتابه «حكم الخبراء» الذي يتطرق لتجربة مصر مع الحداثة، أن قصة نجاح زراعة القطن التي أرساها محمد علي لها وجه آخر: وهي أن سيطرة الدولة على الأراضي وتحويلها لمحصول القطن وإجبار الفلاحين على زراعته لم يكن يعكس اختيارهم، حيث إن القطن هو محصول نقدي لا يوفر احتياجات المزارع من الغذاء.

أثناء فترة الحرب الأهلية الأمريكية  1861 – 1865 صعد سعر القطن المصري بسبب تعذر الحصول على نظيره الأمريكي. ولم يوقف هذا الإزدهار إلا الاحتلال البريطاني لمصر، الذي تعمد تدمير صناعة المنسوجات، والاكتفاء بتصدير محصول القطن الخام فقط لاستخدامه في مصانع المنسوجات البريطانية.

عاد القطن ليصبح المحصول الرئيسي في الزراعة المصرية على يد طلعت حرب بعد تأسيس بنك مصر الذي عُهد إليه تمويل مشروعات اقتصادية كبرى منها شركة مصر للغزل والنسيج في المحلة الكبرى عام 1927. ووفقًا لـ «the egyptian cotton gazette» فمنذ عام 1951 حتى عام 1970 ارتفع متوسط مساحات زراعة القطن 13.1%، ومتوسط الإنتاج السنوي إلى 30.7%، والصادرات -4.1%، مقارنة بالخمسين سنة السابقة. فقد حرص جمال عبد الناصر على الحفاظ على زراعة القطن وتطويرها  ليضمن تمويل المشروعات الصناعية. واستمر القطن لعقود كأحد أهم مصادر الدخل للفلاحين وللدولة على حد سواء، ثم بدأ برنامج الإصلاح الاقتصادي عام 1991، وبدأ معه انهيار ذهب مصر الأبيض.

صورة: ندى عرفات

وتحت ضغط من صندوق النقد الدولي، اضطرت الحكومة إلى تحرير زراعة القطن بقانون رقم 210 لعام 94  وإلغاء الدورات الزراعية الإجبارية، ما كان تخلي الدولة عن مسؤوليتها كاملة عن شراء وتسويق القطن ودعم مستلزمات الإنتاج للفلاحين، وتركهم للتعامل مباشرة مع التجار، الذين بدورهم خفضوا السعر لجني المزيد من الأرباح.  

وفقًا لنصار، فإن خطة الدولة لتحرير الزراعة كانت تفترض تحسن أوضاعه واتجاه الفلاحين للبيع للخارج، ولكن التكنولوجيا الحديثة تمثل تحدي لجودة وسعر المحصول المصري.

بعد الإجراءات السابقة، وخلال عقدين فقط بين 1994 و 2014، تناقصت المساحة المزروعة بالقطن تدريجيا من مليون فدان في 1994 حتى وصلت إلى 130 ألف فدان فقط في 2014.  وفقًا لمدير معهد بحوث القطن عادل عبد العظيم، كما خرج محصول القطن المصري من السوق العالمي تمامًا.

انخفاض الطلب على القطن المصري ساهم بدوره أيضًا في عزوف الفلاحين عن زراعة القطن، فهبط متوسط مساحات زراعة القطن بنسبة 59% وانخفاض متوسط الصادرات بنسبة 37.4% عن العقد السابق، وانتقل متوسط أسعار القطن المصري المورد للمغازل المصرية بعد التحرير من 350 جنيهًا للقنطار عام 1994\1995 إلى 530 جنيهًا عام 1995\1996 ثم وصل إلى 900 جنيه عام 2005\2006 مما كبد مصانع الغزل والنسيج الحكومية خسائر فادحة.

جاء ذلك بعد عقود طويلة أرسى فيها القطن أساس الاقتصاد المصري الحديث، وكانت حصة مصر من إنتاج القطن طويل التيلة العالمي تبلغ نحو 45 % في ثمانينات القرن الماضي. بينما انخفضت حصة مصر من إنتاجه العام الماضي إلى 13.54% وفقًًا لتقرير أصدره اتحاد مصدري الأقطان، فيما لا يساهم قطاع الغزل والنسيج في التصدير حاليًا سوى بـ 15% من إجمالي الصادرات الغير بترولية، وفقًا لبيان أصدرته وزارة التجارة والصناعة في يوليو 2017.

انهيار زراعة القطن وصل صداه إلى قطاعات متعددة. لأنه بجانب كونه محصول نقدي ويدر عملة صعبة عند التصدير، فإن استخداماته تشمل صناعة المنسوجات، كما تستخدم الألياف القصيرة حول البذور في صناعة الورق والبلاستيك، والبذور في إنتاج الزيت. ووفقًا لدراسة وزير قطاع الأعمال السابق الدكتور مختار خطاب، فإن تحول مصر لزراعة القطن قصير التيلة يرفع نسبة الإعتماد على الذات في الزيوت الطعام من 5% إلى 15% ويتيح كمية هائلة من الأعلاف المحلية والتي بدورها ترفع نسبة الإعتماد على الذات من اللحوم.

كيف يعيش المزارع هذا التدهور

«أنا من وقت ما وعيت على الأرض كان القطن هو أهم حاجة عندنا» يتذكر حسن البالغ من العمر 56 سنة، سبعينات القرن الماضي، حين اعتاد أن يشمر جلبابه ويهرول بعد أيام الدراسة الطويلة عائدًا إلى منزله المتواضع عبر الحقول الخضراء الممتدة بطول قريته بمحافظة البحيرة ليلحق بأكثر من مائة فرد في أرض والده بينهم نساء وأطفال يتغنون بالأغنية الشعبية «نورت يا قطن النيل»، وهم يجمعون المحصول. انتهى حسن من دراسته وانتهت معها ذكريات جني القطن.

إعتاد حسن أن يقضي اجازته الصيفية متنقلا بين الآلاف من شجيرات القطن على مساحة خمسة فدادين هي ما أمتلكها والده. كان من السهل على حسن في طفولته أن يختبئ بين تلك الشجيرات التي لم يزد طولها عن المتر بينما حملت على أعناقها رؤؤس قطن ناصعة البياض ومحاطة بأوراق خضراء جلدية الملمس وزهرة صفراء تسقط لتظهر جوزات بذور القطن.

«زمان البذرة كانت محاطة بالزغبر، وبعدين بقت الحكومة تدينا بذرة منسولة». يوضح حسن أن «زغبر القطن» هو الطبقة الصوفية المحاطة بالقطن، والتي كانت تضمن بذرة عالية الجودة وإنتاجية تصل لعشرة قناطير، أما البذرة المنسولة الموجودة الآن فليست محاطة بنفس الصوف وهي بذرة رديئة تعطي انتاجية أقل 3 قناطير للفدان وتنتج قطن داكن اللون.

حاول الحاج عبد العاطي والد حسن أن يستمر في زراعة القطن رغم المعوقات. وفي أحد أيام بداية الألفية، قرر عبد العاطي أن زراعة القطن لم تعد مجدية، فاجتمع بعائلته وشرح لهم أن «البذرة والمحصول وحشين والسعر قليل والتكاليف كتير، كده القطن مش جايب همه». حزن عبد العاطي على فراق القطن، إلا أنه لم يجد ملاذ سوى زراعة الأرز كبديل، كحال أغلب المزارعين وقتها.

صورة: ندى عرفات

بالإضافة إلى عمله في الحقل، التحق حسن في صباه بشركة السيوف للغزل والنسيج  الحكومية لمدة ثماني سنوات في أوائل التسعينيات وكانت تضم سبعة مصانع. كانت تعمل المصانع على القطن طويل التيلة لصناعة «الاتواب» لتصديرها لمصانع الملابس في أوروبا. كان الوضع مستقر، واستمر العمل يوميًا لثلاث ورديات ضمنت لهم حوافز ومرتبات جيدة. ولكن مع تحرير الزراعة عام 1994 تم إقالة رئيس قطاع الغزل والنسيج بعد أن حققت الشركة خسائر فادحة، مثل كافة شركات الغزل والنسيج المستخدمة للقطن المصري.

وفقًا لبيانات مركز معلومات قطاع الأعمال العام، اطلعت «مدى مصر» على موجز منها، تزايدت خسائر تلك الشركات من 672 مليون جنيه  خلال 1994\1995 إلى 2704 مليون جنيه في 2014/2015. وخلال عشر سنوات، قلل مصنع السيوف الورديات إلى اثنين فقط، ثم وردية واحدة، ثم إلى بضعة ساعات في اليوم. رحل حسن عن المصنع بعد أن طاردته لعنة القطن حتى بعد أن أبتعد عن الأرض.

لا يتذكر حسن كيف ذَهَب ذهب مصر الأبيض، ولكنه يجزم أن إلغاء الدورة الزراعية الإجبارية عام 1994 -التي كانت تحدد للمزارعين نوعية الأصناف ومساحة الأراضي المنزرعة بها – كان أحد الأسباب التي أدت إلى انهيار القطن، بالإضافة إلى البذور قليلة الجودة ورفع الدعم عن مستلزمات الإنتاج.

أثناء طفولته، اعتاد حسن على سماع جملة «على القطن» كلما طلب من والده المال. توفى والد حسن وظل هو «منتظر القطن» الذي قد لا يعود.

اعلان
 
 
ندى عرفات