«العدالة» في 3 أفلام لبنانية حديثة: المحكمة والإعلام
 
 

«إلى أين؟».

يواصل اللبنانيون استدعاء سؤال وليد جنبلاط الأثير، الذي يحوي في طيِّه اندهاشًا لا يتوقف. رغم انكشاف الوضع اللبناني وتكرار أحداث متوقعة ومتشابهة، يحاول طارحو السؤال القفز فوق عبثيته، عبر إضفاء الشرعية حوله، موهمين جمهورهم بجديَّته.

الاستدعاء هذا وجد موقعه في أفلام سينمائية لبنانية أنتجت في الأعوام الخمسة الأخيرة، اكتشف صانعوها مباشرةً أو توريةً ثيمة «العدالة»، متبرئين قدر الإمكان من السياسة، وملتصقين بخطاب تعارف على وصفه في الإعلام بـ «الإنساني».

وينن (لسبعة مخرجين – 2013)

منوعًا حول عبارة جنبلاط من «أين» إلى «وين»، يظهر لنا في العام 2013، فيلم لسبعة مخرجين جدد من جامعة سيدة اللويزة (طارق قرقماز، ناجي بشارة، زينة مكي، ماريا عبدالكريم، كريستل إغنياديس، جاد بيروتي، سليم الهبر). تشارك نيكولا خباز وديامان بوعبود في كتابة الفيلم، مع أحد نجوم المسلسلات التلفزيونية أوائل التسعينيات، ورواد مسرح العائلات اللبناني الذي يستمر في العرض لأسابيع: جورج خباز.

يتبنى الفيلم على طريقته مشكلة بالغة التسييس هي قضية مخطوفي ومفقودي الحرب الأهلية، التي حاول نظام ما بعد الحرب الأهلية تهميشها، بدءًا من عدم الاعتراف بالقضية وصولًا إلى الدفع لإغلاق الملف بالقول إن «جميع المفقودين والمخطوفين الذين مر على ظروف اختفائهم مدة أربع سنوات وما فوق ولم يعثر على جثثهم، هم في حكم المتوفين»[1]. قضية المفقودين والمخطوفين هي، في نظر النظام، قضية ردة الخطاب العام إلى زمن الحرب، ما يشكل أزمة له لكون أركانه هم من المتورطين بهذه القضية.

لكن الفيلم لا يقترب من أي من هذه التفاصيل، وغير معني أصلًا بخطاب الذاكرة الجماعي، بل إنه يختصر الخطاب بحكايا شخصياته المتجهين نحو الساحة التي يجتمع فيها أهالي المفقودين والمخطوفين قبالة مبنى الإسكوا في وسط بيروت، ويُستدعى فيها الإعلام بشكل روتيني ليصير الموضوع أشبه بميلودراما ملحوقة باحتفال إعلامي. عدالة «وينن» عدالة استحضارية للإعلام، تنزع السياسة من قضية بالغة التسييس، إلى حد أنَّ وزارة الثقافة لا تجد حرجًا في إرسال الفيلم لتمثيل الدولة في مسابقة أفضل فيلم أجنبي بالأوسكار.

قضية رقم 23 (زياد دويري – 2017)

 

«معك النيو تي في»، انقضت المأساة العدالتية باتصال هاتفي من قناة الجديد. من موقعي على المقعد في السينما، ووسط ضحك الحضور على أثر ورود اسم القناة، أصبتُ بخيبة أمل. فلقد كنتُ انتظر ظهور أحد مذيعي أو مذيعات الجديد في نقل مباشر لمتابعة قضية القواتي الذي استدعى فلسطينيًا إلى المحكمة. فأي متابع للأحداث اللبنانية يعرف أنَّ القناة تقيم خارج استديوهاتها وتعيش على اختراع ساعات طويلة من البث المباشر، وفي هذا أقصى المهنية عند مديري المحطة، أن يبقوا ناقلات البث خارج كاراج القناة. بهذا المعنى، كان طبيعيًا أن تظهر قناة الجديد في الفيلم الذي يذكرك طيلة مدة عرضه أنه فيلم-: «قضية رقم 23» لزياد دويري.

لكنَّ استدعاء دويري للإعلام يبقى عند حدود الشاهد التابع. يبدو الفيلم بحركته هذه أمينًا لهويته، ففي النهاية هو فيلم أنتجه مصرف لبناني صاحبه قواتي الهوى، بدافع سياسي هو التركيز على تروما المجتمع المسيحي التي لم تُصنَع أفلام عنها، والإعلام اللبناني دائمًا يتبع المصارف، لا العكس. فيلم دويري الذي يراد منه أن يكون فيلم «محكمة» بالأساس، لكون الفيلم يقدم المحكمة كساحة لتناول خطابين متنازعين، ينتهي في سياقه اللبناني/الفلسطيني ضربًا من ضروب العبث الخطاباتي حول شتيمة قواتي لفلسطيني، أدت إلى أن يلكم الأخير الأول، ملحوقة بتداعيات في العائلتين وبين مجتمعيْهما. يقدم لنا الفيلم خطابًا خارج الزمن بين مسيحيين وفلسطينيين، فالصراع الحالي بات في مكان آخر، تحديدًا حيث ترتسم يوميًا خطوط تماس جديدة بين الأحياء الشيعية والسنية في بيروت، واختلطت الخطابات القديمة لدرجة أنَّ الدولة الفلسطينية استقبلت نواب من حزب القوات اللبنانية في غزة، واتخذ بعض الفلسطينيين موقفًا مساندًا لنظام عائلة الأسد..

في هذا العبث الخارج من زمن يقف عند حدود فيلم دويري الأول (بيروت الغربية – 1998)، تصير العدالة هي جرأة التذكير بمجزرة الدامور التي قام بها فلسطينيون وراح ضحيتها مئات المسيحيين. وعلى الرغم من كونه تذكيرًا محقًا في نقاش تم «إلغاؤه» في مرحلة ما بين 1991 و2005، عندما صدَّرالنظام الحاكم في لبنان تاريخًا رسميًّا وحيدًا عن الحرب الأهلية، فإنَّ حبكة الفيلم لا ترقى لخطاب عدالته الذي يستبدل عن سابق تصميم مجزرة صبرا وشاتيلا بمجزرة الدامور. يحدث التبسيط تحديدًا عندما يصدًّر الفيلم مجزرة الدامور كذريعة مباشرة لما أتى بعدها من أحداث الحرب الأهلية، بل حتى للإهانة التي تضمنها حوار الفيلم وأدَّت إلى ما أدَّت. فلا يبقى بعدها من «حركة الفيلم التصحيحية»، التي وجد فيها معتمدو خطاب الذاكرة اليساروي (الممانع تحديدًا) تهديدًا لخطاب ذاكرتهم، إلا عدالة منقوصة بلا سياق، توهم جمهورها المسيحي باستعادة الحق المفقود بسلطة خسرها في دولة الطائف. للوهلة الأولى، يبدو فيلم دويري فيلمًا سياسيًا، وهو هكذا بالفعل، رغم تهافت حبكته، لكن المخرج يسارع للتأكيد في أكثر من حديث صحفي أنَّ فيلمه «يبحث عن العدالة والكرامة، في أي مكان بلغة السينما، بعيداً عن تفاصيل القصة الإنسانية التي يعالجها».

كفرناحوم (نادين لبكي – 2018)

العدالة اللبنانية تمتد أحيانًا إلى ما وراء الحدود، فالفن اللبناني الذي تقدمه نادين لبكي يجب أن يكون عالميًا ليس فقط في وصوله لنيل الجوائز بل في تمويه مكانه ليصير صالحًا للاستهلاك في كل مكان، وجاهزًا للاستعادة في كل زمان.

لكن متى اكتشفت لبكي هذه الوصفة؟

في «كاراميل»، فيلم لبكي الأول، لمحة رومانسية لبيروت، تشبه كليباتها التي أنتجتها لمغنِّيات لبنانيات وعربيات. نستطيع في الفيلم تبين شوارع الجميزة ومار جرجس، ويمكن لنا أن نفترض أنَّ عادل كرم، لاعبًا دور شرطي السير صافقًا الذبابة فوق جبهته وهو يراقب حبيبته، جالس في مخفر حبيش أو الجميزة. سبق الفيلم خطاب «أنا أيضًا» النسوي بكثير. وقف الفيلم عند تخوم خطابات نسوية سابقة، لكنه رفض في الوقت نفسه اعتماد «أخلاقياتها» والركون إلى خطاب الضحية الضعيفة. على العكس، قدم «كاراميل» تفاصيل حياة لبنانيات يعرفن كيف يلاوعن النظام مثلهن مثل باقي اللبنانيين. تلخصت عدالة نادين لبكي في الفيلم، بإعطاء المساحة الأكبر منه لنساء لبنانيات، وبتهميش دورَيْ الحبيب والزوج لشخصيتين رئيسيتين، الأول عبر عدم إظهار وجهه على الإطلاق واختصاره بزمور سيارة، والثاني عبر ضربه واستدعائه لقسم الشرطة. للمفارقة، وحده الشرطي اللبناني (ممثلًا الدولة؟) ببلاهته المؤدبة التي يراد منها أن تكون مضحكة، يحظى بفرصة الرقص مع شخصية الفيلم الرئيسية (تؤدي دورها لبكي)، بعد أن تحلق له فتيات الصالون شاربه، لتنتهي القصة بإهداء الفيلم «إلى ست الدنيا، بيروت».

هذا الحب الطاغي للمدينة، يتراجع في أفلام لبكي التالية. كأنَّ «نضج» الخطاب المفترض عند المخرجة ينعكس في اكتشاف زيف الميلانكوليا الذي خيَّم على «كاراميل»، فتضمر المدينة وتجهَّل أكثر، حتى تُختصَر في عناصر مكانية لا أكثر. وإن جمعتها -بتفرُّق- عين المشاهد اللبناني، فتصحيح الألوان جاهز لإدخال المكان في هذه العملية الاستلابية رفعًا أو خفضًا.

يبدو هذا الاستبدال بالغ الغرابة في «هلأ لوين؟» (2011)، فيلم لبكي الثاني. (نعم! للمفارقة، العنوان هو تنويع آخر حول عبارة جنبلاط). فلبكي تذهب لصناعة فيلمها هذا بعد تأثرها بأحداث 7 أيار/مايو 2008 التي تورطت فيها جماعات سنية وشيعية، في تنازع سياسي وعسكري حول (واختبار لـ) موازين السلطة. لكنَّ فيلمها يعود إلى الصراع المسيحي/المسلم، مختصرًا سياق النزاع بإيذاء ولد مقعد أو قتل آخر عن طريق الخطأ، أو دخول حيوانات لتدنيس أرض جامع. وهكذا، يتحول الفيلم لاسكتشات متلاصقة أبطالها المتصارعون رجال وشباب مسيحيون ومسلمون في مكان مموَّه الهوية، ومنقذوهم -من شر أنفسهم- نساء. وعلى وقع رقصات الحشيشة وحضور الجميلات الروسيات اللواتي يفعلن ما لا تفعله النساء اللبنانيات (افتراضًا)، يتفاجأ المشاهد بوجود زياد أبو عبسي، لاعب دور أبو الزلف بمسرحية زياد رحباني الشهيرة «شي فاشل»، مشاركًا في دور رجل الدين في الفيلم الأمين جدًا لعناصر مسرحيات الأخوين رحباني، والتي انتقدها عبسي في مونولوجه الشهير بالمسرحية ذاتها.

عدالة لبكي هنا هي عدالة القبر المشترك. عدالة النهاية التي تجعل حاملو قبر الشاب، ابن امرأة استبدلت ديانتها بالديانة المقابلة، مثلها مثل باقي النساء في الفيلم، لا يعرفون أين يدفنونه: في القبور المسيحية أو المسلمة؟

بعد هذين الفيلمين أنتجت نادين لبكي مع خالد مزنَّر فيلمًا أطلقت عليه اسمًا ديني الدلالة: «كفرناحوم». في «كفرناحوم»، تذهب نادين إلى قاع الميلودراما منزوعة السياسة، حيث المدينة موحشة، وتزداد وحشتها مع «اكتشاف» سياحي لحياة الفقراء والعاطلين عن العمل والعاملات الأجنبيات.

إنها عدالة استباقية تكتشف وتنصعق، فتضيف للسيناريو قيد العمل، بعد تدوين «المواضيع» على اللوح. ففي مقابلة مع فايس عربية، تشرح لنا نادين طريقة عملها: «كنا في فترة التحضير للفيلم عندما قررنا كتابة كل المواضيع التي نريد مناقشتها في السيناريو على لوح كبير: الفقر، اللجوء، العاملات الأجنبيات، البطالة، السجون، زواج القاصرات، الاتجار بالبشر… بعدها نظرت إلى اللوح وقلت: هذا كفرناحوم إنه الجحيم».

جحيم لبكي الذي يستعيد، مثل زميلها دويري، مساحة المحكمة، ليحاكم الطفل أبويه، يتحول جحيمًا بالفعل لمتابع الإعلام التلفزيوني اللبناني، عندما يظهر في أحد مشاهده مقدم أحد البرامج الذي تحول من اعتماد الخطاب اليميني الرافض لكل ما سبق من مواضيع اللوح الكبير تحت شعار الخطاب اللبناني، إلى حامل لواء الأكتيفزم بحدود الخطاب اللبناني نفسه، ليقدِّم هدايا إلى العاملات الأجنبيات المسجونات.

إنها عدالة اكتشاف المأساة التي تختصر نفسها في طرح سقيم قديم هو مساءلة حق الإنجاب، وتستدعي الإعلام ليطرح البهجة بين جموع البؤساء.

شراكة الإعلام والفن

«بلا لبكي، بلا وجع راس: وقت الجدّ ما فيه غير سلاحك بيحميك»، بهذه التغريدة تلقَّف نواف الموسوي، النائب عن حزب الله تغريدة لمذيعة في المنار، هي منار صباغ، على أثر فوز لبكي بجائزة لجنة تحكيم مهرجان كان عن فيلمها. واذ اشتعل الخطاب مجددًا على الشبكات الاجتماعية وفي الإعلام الحزبي والتلفزيوني بين «ثقافتي» الاستشهاد وحب الحياة، كان مفارقًا عدم رد نادين لبكي مطلقًا على تغريدة الموسوي. لكأنها «نأت» بنفسها، تمامًا مثل المسؤولين الذي يحمِّلهم خطاب لبكي مسؤولية ما آل إليه الوضع. تورطها هنا، لو كان حدث، سيكون مسيَّسًا، لا فنيًا ولا إنسانيًا، وسينجرُّ بالضرورة لمهاترات النظام اللبناني.

لكنَّ لبكي توضِّح في مقابلتها التي أجرتها فايس عربية معطيةً بعض «الكريديت» للدولة: «ليس صحيحًا أن الكل متساوٍ وراضٍ بالوضع كما هو في الدولة. الفساد موجود نعم ولكن هذا لا يعني أن الجميع فاسد، هناك أشخاص يملكون النية للتغيير ولكنهم ربما مكبّلين أو لا يعرفون من أين يبدأ التغيير كونه عملية صعبة ومعقدة في لبنان ومتعلق بمشاكل سياسية وبالإيغو المسيطر على السياسيين». وبعدما بدا في مقتبل التصريح أنَّ لبكي لا تتبنى خطاب لوم الطرفين غير المسيَّس، نجدها تتحدث عن صعوبة عملية التغيير وتعقيدها المتعلق بمشاكل سياسية. وهذه الأخيرة، هي على الأغلب.. السياسة.

وتباعًا، على وقع عروض هذه الأفلام، تحفل السوشيل ميديا، بإعلاميين وإعلاميات ينشطون في الترويج لـ «الحقيقة» وفضح الازدواجية. هذه طريق عدالتهم. وما أفضل من الأعمال الفنية التي تنصب المحاكم وتروِّج لمفهوم عدالة غير مسيَّس ليلاقي هذا الخطاب؟ على الفور، يفتَح الهواء (المُكلف جدًا) لمواكبة مثل هذه الأعمال. يُفتح الهواء بميزان سياسي دقيق جدًا لـ«قضية رقم 23» أو لـ«كفرناحوم»، حتى يشعر المرء فعلًا بدولتيَّة مثل هذه الأعمال في أسوأ الظن، وبتواضع مستواها الرهيب في أحسنه، عاكسةً الخواء المحيط، ليجد نفسه أمام نظام السياسة والإعلام والفن وقد تشكَّل فيلمًا على الشاشة.

مجددًا: إلى أين

إلى أين.

يكرِّر وليد جنبلاط طرحه لسؤاله الشهير. يغمض عينيه، ويرفع كتفيْه. فبعد كل «إلى أين» جنبلاطية تحلُّ براغماتية سياسية تتيح له التموضع داخل النظام، بل حتى تشكيله. يبدو السؤال، في لحظة، عندما يطرحه هو فقط، حاميًا لما تبقى من السياسة اللبنانية التي لم تعد ترى أبعد من صراع حول حقيبة وزارية في حكومة يستغرق تأليفها وقتًا أكثر من مدة بقائها في السلطة.

لكنَّ جنبلاط يكرِّر سؤاله حتى لا يعود سؤالًا. بل يفقد حتى معناه، وينقلب لازمة كلامية لا أكثر، يرفقها في تغريداته بأغرب الرسوم. أما الآخرون، مفترضين وجود معنى ما كامنًا وراء السؤال، فيكملون في طرحه. بل يستهجنون، وينتظرون أن تنعم عليهم الدولة بإجابة. ثمَّ يغرقون في الابتعاد عن السياسة، مضمونًا ومقاربةً وخطابًا. وفي الطريق لفكاكهم هذا، تجدهم يلتصقون ضميريًا -لكن زورًا- بخطاب انساني، يجهِّل الفاعل ويجعلهم واثقين من أنَّهم قاموا بواجباتهم تجاه «الآخرين»، بل ونجحوا حتى في هزِّ النظام، كي يصير أكثر عدلًا.

[1]  من تقرير لجنة «لجنة التحقيق للاستقصاء عن مصير جميع المخطوفين والمفقودين» التي شكلها مجلس الوزراء اللبناني في العام 2000.

اعلان
 
 
هلال شومان