كيف تتحول الدولة إلى شركة بالتدريج؟

«أشعر أن جيبي مثقوب»، هكذا قالت لي صديقة قبل أيام وهي تتساءل بصوت عالٍ عن سبب تبخر راتبها الشهري، رغم عملها في وظيفتين، ورغم حرصها هي وزوجها على تجنب كل أشكال الإنفاق الترفي.

هذا الوضع، الذي تفاقم مؤخرًا، يرتبط بالتحول الجاري تجاه تسعير الخدمات والسلع الأساسية في سياسات الدولة، والتي أصبحت تتبنى منهج الشركة التي لا تتيح تلك الخدمات والسلع إلا للقادرين على الدفع.

هذا التحول في دور الدولة، من «مقدم خدمات للمواطنين» إلى ما يشبه «شركة خاصة كبرى»، هو ما قاد مسؤوليها للرد على شكاوى الناس من الغلاء وزيادة أسعار الكهرباء أو تذاكر النقل العام بالقول: «احمدوا ربنا.. لأن السعر السوقي لهذه السلعة لا يزال أعلى من السعر الذي نبيعه بها للمواطنين».

هذا التحول لم يأت دفعة واحدة، وإنما مر بمراحل تطور بطيئة على مدار العقود الأخيرة، وهو ما سنسعى لتتبعه في الفقرات التالية.

في مارس 1998 نشرت الصحف تقارير عن مخططات حكومية لتحويل 43 هيئة اقتصادية إلى شركات تطرح أسهمها في البورصة. لم تكن هذه الفكرة، وبمقتضاها تتحول هيئة حكومية تقدم خدمات عامة للمواطنين إلى شركة، تطرق باب المواطنين للمرة الأولى، لكن ما يهمنا في هذا السياق هو تصريح رئيس الوزراء الأسبق عاطف عبيد، الذي نقلته الصحافة في نهاية التسعينيات بخصوص هذا المقترح، والذي يؤكد أنه «لا زيادة في أسعار البيع والخدمات بعد النظام الجديد».

بالتأكيد، ستشد كلمات عبيد أذاننا، نحن أبناء هذا العصر الذي ترتفع فيه أسعار الخدمات والمرافق العامة بطفرات كبيرة مع كل موازنة جديدة، فمنذ عشرين عامًا، كان رئيس الوزراء يعد المواطنين بأنه «لن يترتب على تحويل هذه الهيئات أي زيادة في أسعار السلع والخدمات التي تقدم للمواطنين»، كما جاء في تقرير لجريدة الجمهورية الحكومية آنذاك، فكم من الماء جرى في هذا النهر منذئذ؟

لكي نفهم كيف تحولت الدولة إلى شركة، وكيف أصبحت الخدمات الأساسية سلعة لا تتاح إلا للقادرين على الدفع، في غياب لمفهوم الدولة التي تضمن احتياجات المعيشة لكلٍ بحسب حاجته، نحتاج لتفكيك بعض المفاهيم المتشابكة عن تكوين أجهزة الدولة المرتبطة بحياتنا اليومية بشكل مباشر.

في ستينيات القرن الماضي، كان لدينا نوعان من الكيانات التي تدير شؤونًا عامة، وتبدو ككيانات مستقلة نوعًا ما عن الوزارات والأجهزة الإدارية التابعة لها، الأول هو الهيئات، وقد قسمتها الدولة لهيئات خدمية واقتصادية، والثاني هو المؤسسات العامة، والتي يغلب عليها الطابع الاقتصادي.

وفي المذكرة الإيضاحية التي أعدتها الحكومة بشأن القانون المنظم للمؤسسات العامة لسنة 1963 حاولت الدولة أن تضع تعريفًا واضحًا لهذه المؤسسات لتميّزها عن الهيئات العامة.

في هذا السياق، قالت وزارة الصناعة في فترة الحكم الناصرية إن «المؤسسات العامة في الغالب مرافق عامة اقتصادية أو زراعية أو صناعية أو مالية مما كان يدخل أصلًا في النشاط الخاص، ورأت الدولة أن تتولاها عن طريق المؤسسات العامة، في حين أن الهيئات العامة في الأغلب الأعم مصالح عامة حكومية منحها المشرع الشخصية الاعتبارية… الهيئة العامة تقوم أصلًا بخدمة عامة ولا تقوم بنشاط مالي أو تجاري أو زراعي أو صناعي».

كما يتضح من الفقرات السابقة، فإن الأمر لايزال مربكًا، فهل نعتبر مثلًا الجهاز المشرف على نشاط استخراج البترول، وتحويله لبنزين ثم توزيعه على محطات الوقود، «مؤسسة»، لأنه يقوم بنشاط اقتصادي أشبه بالشركات عندما يتولى مهمة الاستخراج والتكرير، أم نعتبره «هيئة عامة»، لأنه يقدم سلعة الطاقة الضرورية للمواطنين بسعر مدعم؟

كما حاولت الحكومة وضع تعريف أوضح لدور الدولة في تقديم الخدمات العامة بقولها إن: «الأصل أن الخدمات العامة كانت تقوم بها الدولة، إلا أنه رؤي في النظام الاشتراكي أن يُعهد ببعضها إلى هيئة مستقلة لما يمتاز به هذا النظام من مرونة في الإدارة. والعبرة هنا بالغرض الأساسي للهيئة. فحيث يكون الغرض الأساسي خدمة عامة، تكون بصدد هيئة عامة، حتى لو كانت الخدمة التي تؤدى لها طبيعة تجارية».

وفق هذا المفهوم، أصبحت المؤسسات العامة أكثر ارتباطًا بأنشطة القطاع العام في هذا الوقت، فقد كانت المشرف الفوقي الذي ينسق العمل بين هذه الشركات.

أما في حالة قطاع الطاقة، فقد كانت به «هيئة» و«مؤسسة»؛ منذ الخمسينيات كانت لدينا هيئة عامة للبترول، تختص بـ«بالإشراف على كافة المنشآت العامة الخاصة بالمواد البترولية»، وفي منتصف الستينيات أُنشئت المؤسسة المصرية العامة للبترول، لتصبح مسؤولة عن «سد حاجة البلاد من المواد البترولية»، فهي تحصل على نصيب الدولة من الخام المُستخرج، وتشتري باقي الاحتياجات البترولية من الخارج، ثم تعهد إلى شركات التكرير الحكومية لتحوّله لمواد الوقود المختلفة، ثم تُكلف شركات النقل بتوصيل الخام لمراكز التوزيع وتُكلف شركات تسويق المنتجات البترولية بتسويقه في مختلف أنحاء الجمهورية.

ولكن، رغم الطبيعة التجارية الواضحة في نشاط المؤسسة، فقد كانت مُلزمة ببيع هذه المنتجات للجمهور بـ«الأسعار الجبرية التي تحددها الدولة مقابل أجر معين يغطي تكاليف هذا التوزيع بالإضافة إلى هامش ربح مناسب»، وفق أحد المذكرات التوضيحية للتشريعات المصرية الصادرة عن الدولة.

وفي منتصف السبعينيات، أصدر نظام السادات قانونًا مثيرًا للجدل، وهو 111 لسنة 1975، وبمقتضاه جرى إلغاء المؤسسات العامة، ورأى يساريون وقتها أن القانون يهدف لإضعاف القطاع العام بعد أن غاب عنه هذا المشرف الفوقي، بينما رأت الدولة أن القانون يحقّق للشركات العامة قدرًا أكبر من اللامركزية، ويعطيها حرية أخذ القرارات المناسبة لها.

وبغض النظر عن أنه اتضح فعلًا أن منتصف السبعينيات كان بداية تفكك القطاع العام، ولكن هذا ليس موضوعنا، فالغرض من التطرق لهذا القانون هو الإشارة إلى أن وضع قطاع البترول كان في مأزق، إذ أن شركات البترول العامة كانت تعمل لحساب مؤسسة عامة، وهي المؤسسة المصرية التي أشرنا لها، ما دعا لصدور قانون في 1976 يقضي بأن تحل الهيئة العامة للبترول محل المؤسسة المصرية «في ما لها من حقوق وما عليها من التزامات».

تحت مظلة القانون الجديد، ظلت مواد الوقود «خدمة»، لا «سلعة تجارية»، إذ ينص القانون على أن من موارد الهيئة ما يصل إليها من الخزانة العامة لتغطية «فروق أسعار بيع المنتجات البترولية بسعر يقل عن سعر تكلفتها».

ربما يشعر القارئ الآن بقدر أكبر من الارتباك أمام التركيبة المعقدة لأجهزة الدولة، وهو شعور في محله، وسيتضخم عندما تلتف الدولة في نهاية السبعينيات على مفهوم الهيئة كـ«مقدم للخدمة»، وتقرر فصل موازنات بعض الهيئات عن الموازنة العامة لكي تصبح أشبه بالشركات الخاصة.

حدث ذلك في مارس 1979، حيث أصدرت الدولة تعديلًا تشريعيًا لقانون سابق يخص الموازنة العامة، وبمقتضى هذا التعديل جرى فصل الهيئات العامة الاقتصادية عن موازنة الدولة، على أن تقوم تلك الهيئات بإعداد موازنات مستقلة تُقدَّم من وزير المالية إلى مجلس الوزراء وتُعرض على مجلس الشعب لإقرارها.

علينا هنا تذكير القارئ مجددًا بأن الهيئات نوعان؛ نوع خدمي يقوم بأعمال يُفترض أنها لا تُدر عوائد مالية كبيرة عليه، وآخر ترى الدولة أنه هجين بين الهيئات الخدمية، لما تمثله من أهمية في حياة المواطنين، وبين الكيانات الاقتصادية التي تقوم بنشاط يحقق لها إيرادات لا بأس بها. هذه الهيئات الهجينة سمّتها الدولة «هيئات اقتصادية»، وهي الهيئات التي بترتها عن الموازنة العامة، أما الهيئات الخدمية فظلت جزءًا من الموازنة.

ما هي إذن الهيئات التي كانت تدير خدمات تمس حياة المواطنين، ورأت الدولة أن توصيف «الهيئات الاقتصادية» ينطبق عليها في ذلك الوقت؟

أبرز الأمثلة على ذلك هيئة البترول وهيئة كهرباء مصر وهيئة السكة الحديد وهيئة النقل العام وهيئة مرفق مياه القاهرة الكبرى، أي الهيئات التي تدير الخدمات الأساسية في حياتنا اليومية.

يبدو فصل موازنات الهيئات، في ظاهره، خطوة نحو تعميق دور الدولة كمقدم للخدمة، فعلاقة تلك الهيئات بالدولة لم تنقطع، وظلت الهيئات وفقًا لهذا التعديل التشريعي تتلقى المساعدات من الخزانة العامة، وتمنح الدولة فوائضها المالية، وكان الهدف المعلن لفصلها عن الموازنة هو منحها قدرًا من الاستقلال النسبي يمكّنها من إعداد موازناتها الخاصة بشكل ذاتي دون ارتباط بموازنة الدولة، أي قدرًا أكبر في المرونة الإدارية يساعدها على تحسين خدماتها المقدمة للمواطنين.

إلا أن هذه الخطوة، عمليًا، أتاحت أيضًا تسليط الضوء بشكل أكبر على ما يرد إلى الهيئات من إيرادات، خاصة من الرسوم التي يدفعها المواطنون مقابل الخدمات العامة، ومقارنة تلك الإيرادات بالنفقات التي تدفعها لدعم الخدمة العامة، ما يفتح الباب للحديث عن قيمة الدعم الذي تقدمه الدولة لخدمات تلك الهيئات.

جاء هذا التعديل التشريعي في ظل تصاعد الشكاوى من تداعي مستوى المرافق العامة في هذا الوقت، وكان هناك من يقترح بشكل مباشر تحويل الهيئات الاقتصادية إلى شركات، مثل الدكتور علي السلمي في 1987، وقت أن كان وزيرًا للتنمية الإدارية، حيث قال إن الهدف الرئيسي من هذه الخطوة هو تحسين إدارة تلك الكيانات وإتاحة الفرصة لزيادة رأسمالها من خلال طرح أسهمها للاكتتاب.

وربما تتلخص الفكرة المسيطرة على خطاب السلمي في الاقتباس المنشور على لسانه، وبمفاده فـ«انهيار المرافق وراءه سوء الإدارة وليس قلة الإمكانيات».

بالانتقال إلى التسعينيات، تبدو الصورة مختلفة بعض الشيء؛ كانت مصر قد وضعت قدميها بخطى ثابتة على طريق التحول النيوليبرالي بعد أن وقعت اتفاقًا تاريخيًا في مطلع هذا العقد مع صندوق النقد والبنك الدوليين.

وبمقتضى الرؤية التي اتفقت عليها مصر مع مؤسسات التمويل الدولية، ووفقًا لسياسات إعادة هيكلة الاقتصاد، التي قبلتها الحكومة تحت ضغط المانحين الدوليين، لم يعد الدعم «التزامًا» من الدولة تجاه المواطنين، ولكن «مشكلة» تتسبب في تشوه الأسعار، وأصبح رفع أسعار المنتجات البترولية والغاز بالتدريج هدفًا، حتى يتحقق التعادل بينها وبين الأسعار العالمية في يونيو 1995، لكن ذلك لم يحدث على أرض الواقع، حيث لا يمكن أن يتغير في بضعة سنوات التصور الراسخ لدى المواطنين عن مسؤولية الدولة عن تقديم الخدمات الأساسية بسعر مدعم، لذا كان النزول بالسياسات النيوليبرالية إلى أرض الواقع دفعة واحدة يهدد باضطراب سياسي كبير، وكان مبارك يدرك ذلك السيناريو وظل حريصًا على تجنبه.

في هذا السياق، تحدثت الدولة مرارًا عن خسائر الهيئات الاقتصادية المقدمة للخدمات العامة، وعن العبء الذي تتحمله الدولة في دعم الخدمات، ولكنها (كما بيّنّا في تصريح عاطف عبيد في بداية المقال) ظلت تؤكد على أن أي تعديل في الهيكل الإداري لتلك الهيئات لا يعني إطلاقًا تخلي الدولة عن تقديمها الخدمات العامة بالسعر المدعم.

بل وحتى في دوائر الاقتصاديين المستقلين عن الدولة كان هذا الخطاب حاضرًا، وبإمكاننا هنا أن نقتبس من هناء خير الدين، أستاذة الاقتصاد التي تولت رئاسة المركز المصري للدراسات الاقتصادية، تصريحًا لجريدة «العالم اليوم» في 2004، تتحدث فيه عن خسائر الهيئات الاقتصادية، إذ تقول إن من الضروري «تقديم دعم حكومي للهيئات الاقتصادية العامة التي تمس حياة المواطن شريطة ألا تقوم برفع أسعار الخدمات مع مراعاة أن يكون ذلك الدعم في حدود المعقول دون تفريط».

لكن في ذات الوقت كانت الدولة تسعى بشكل دؤوب إلى تحويل تلك المؤسسات إلى شركات، ففي عام 2000 جرى تحويل هيئة كهرباء مصر إلى شركة قابضة للكهرباء، وفي 2004 تأسست شركة قابضة أخرى لمياه الشرب.

قضى تأسيس شركة المياه على سياسة الحد الأقصى لزيادة أسعار مياه الشرب، والبالغ 0.23 قرشًا للمتر المكعب، والذي يعد أقل من تكلفة الإنتاج، وكانت الدولة تُلزم به المحافظات.

وفي موازنة 2005- 2006، جاءت الخطوة الثانية في التحول، بالانقضاض على دعم الطاقة،وفقا لرواية الباحث الاقتصادي عبد الخالق فاروق.

يبدأ فاروق أطروحته من أن الأصل في سياسة الدعم هو سد الفارق بين سعر السلعة التي اضطرت الدولة لشرائها من السوق الحرة، وبين سعرها النهائي الذي تباع به للمواطن مُتلقي الدعم.

لكن منذ موازنة 2006، بدأت الدولة تحتسب الدعم باعتباره يضيّع عليها فرصة بيع الثروات العامة في السوق الحرة، فالبنزين، المصنوع من خام بترولي خرج من أرض مصر، ووصل لهيئة البترول كجزء من حصة الدولة في عملية الاستخراج، هو في الأساس جزء من الثروات الطبيعية التي يحق للمصريين الانتفاع بها. إلا أن الحكومة بدأت منذ هذا التاريخ تفترض أنها كان يمكنها بيع هذا البنزين في السوق الحر وجني أرباح كبيرة، لكنها لم تفعل ذلك وباعته بسعر مدعم للمواطن، وبالتالي بدأت تحسب الفارق بين الأرباح التي كان يمكن أن تجنيها وبين سعر البنزين المدعوم، وتعتبر هذا الفرق هو قيمة الدعم الذي تقدمه للمواطن، ما قاد إلى قفزة كبيرة في فاتورة الدعم المسجلة في الموازنة.

منذ موازنة 2006 أيضًا، بدأت الدولة في الضغط على الرأي العام بخطاب الدعم الذي يُهدر الموارد، فقد بدأت تبرز دعم المواد البترولية كبند مستقل، بعد أن كان يظهر في الموازنة في صورة دعم لهيئة البترول بشكل عام، وليس لما تبيعه من وقود.

منذ هذا الوقت، روجت الحكومات لخطاب مؤسسات التمويل الدولية الذي يخلط الأوراق ببعضها على نحو خبيث، فيقول إن العجز المتزايد في موازنة الدولة مصدره إنفاق هائل على دعم لا يذهب لمستحقيه، بينما يمكن للدولة توفير هذه النفقات وخفض العجز من جهة، وتوجيه الوفورات المتحققة لنفقات تنموية مثل التعليم والصحة، أو لسبل دعم أكثر استهدافًا للفقراء مثل الدعم النقدي.

لم يعن تأسيس شركتين قابضتين للكهرباء والمياه أن نموذج الهيئات الاقتصادية انتهى، أو أنه على أقل تقدير ظل هذا المسمى باقيًا، لكن عمليًا، أخذت هيئة مثل هيئة البترول تتحول تدريجيًا إلى شركة تبيع للمواطنين المواد البترولية بسعر السوق.

ومنذ موازنة 2014-2015 بدأت الدولة صراحة في رفع يدها عن دعم المواد البترولية، كما وضعت أيضًا خطة متدرجة لإنهاء دعم الكهرباء، وعملت على تسريع وتيرة زيادة أسعار المياه والمواصلات العامة مثل مترو الأنفاق.

وفي حقبتنا الراهنة، توحش الخطاب الحكومي ليصل لمرحلة «احمدوا ربنا» و«انظروا لأسعار السوق العالمية»، وفي الوقت نفسه لم تلتزم الدولة حتى بالنفقات التي حددها الدستور على التعليم والصحة.

يعكس خطاب «الدولة – الشركة» في الوقت الراهن فقرًا في السياسات الاقتصادية وتعديًا حتى على سياسات السوق الحر.

أولًا، لأن الهيئة العامة للبترول تظل هي أكبر هيئة تحقق فوائض اقتصادية، وفي نفس الوقت، فهي أكثر هيئة تتلقى الدعم من الدولة. هذه الحقيقة تعكس عدة أمور؛ أولها أنه ثبت بدرجة كبيرة عدم نجاح خطاب إصلاح الهيئات الاقتصادية وجعلها أقدر على تحقيق الوفورات المالية بما لا يمس حياة المواطنين، وهو الخطاب الذي تروج له الدولة منذ السبعينيات.

تعتمد هيئة مثل هيئة البترول في دخلها على مصادر ريعية بالأساس، تتمثل في النفط والغاز، وتعتمد الدولة على هذه الإيرادات بشكل كبير كمصدر لحل أزمات العملة الصعبة، لكنها في المقابل تضطر لمنح الهيئة دعمًا ضخمًا، يرتبط جزء كبير منه باستيراد مواد بترولية، مثل السولار، كان يمكن توفير مبلغ الدعم إذا ما حدّثت الدولة نشاط تكرير البترول محليًا، لإنتاج المشتقات التي يحتاجها السوق بدلًا من استيرادها، أو إذا تبنت الدولة مشروعات جادة لتحويل وسائل المواصلات التي تعتمد على السولار المستورد إلى مصادر وقود أخرى أرخص ومتوفرة محليًا، مثل الغاز الطبيعي، أو من خلال التوسع في إنتاج بتروكيماويات عالية القيمة المضافة يمكن تصديرها والاستفادة بدخلها. أي أننا في المجمل أمام دولة كسولة بلا استراتيجية بعيدة المدى.

ثانيًا، يفتقر نموذج تحول الدولة لشركة حتى لأسس سياسات السوق الحر، فكما تبين من دراسة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، صدرت في مايو الماضي، بعد الزيادة الأخيرة في أسعار تذاكر مترو الأنفاق، فإن الحجة التي استندت لها الشركة في زيادة أسعار التذاكر كانت في غير محلها، حيث قالت إنها تعاني من الخسائر، لكن في الواقع نشاطها التشغيلي لا يخسر، بل يحقق إيرادات كبيرة، ولكن الخسائر التي تظهر في القوائم المالية للشركة سببها الإنفاق الاستثماري على توسعات في نشاطها.

لو كانت شركة مترو الأنفاق شركة خاصة، وقررت المبالغة في سعر التذكرة على هذا النحو، لكان من الطبيعي أن تدخل شركة أخرى تنافسها لتقتنص حصة من نصيبها السوقي، معتمدة على المنافسة بالسعر، ما سيفيد المستهلك في النهاية، وهذه إحدى القواعد الأساسية لاقتصاد السوق الحر.

ولو حاولت شركة مترو الأنفاق، وفقًا لهذا السيناريو الافتراضي، منع هذا المنافس من دخول السوق، فسوف تعد تلك جريمة بحكم السوق، لأنها بذلك تمارس وجهًا من أوجه الممارسات الاحتكارية.

لهذا، ففي الواقع يكون نموذج «الدولة-الشركة» أسوأ من القطاع العام بكل ما فيه من فساد وسوء إدارة، كما يكون أسوأ من السوق الحر بكل أشكال الاستغلال التي ينطوي عليها، فهذا النموذج لا ينمّي الثروات العامة، كما يزعم، وإنما ينشغل فقط باستغلال موقعه الاحتكاري في السوق لتحقيق أكبر ربح لكياناته، بما يخفف من عبئه على الموازنة العامة، كما يعتمد النموذج في تمويله بالأساس على جيوب القطاع الأوسع من المواطنين، بحيث لا تضطر معه الدولة لتشديد سياساتها الضريبية على الأغنياء، والتي يفترض أن توفر لها المصدر الأساسي للدخل.

اعلان