يوم الدين؟
 
 

يبقى عنوان فيلم «يوم الدين» معلّقًا في فضائه الغيبي وحمولته الدينية، منزويا، وبلا رابط يجمع الاسم بمعناه في سياق الدراما؛ بل إننا كلما توغلنا في زمن الفيلم صار الاسم نفسه ملغزًا أو مثيرًا لضروب من محاولات التأويل، حتى تأتي تلك الجملة الحوارية على لسان أحد أبطال الفيلم الثانويين، في الربع الأخير من التوقيت الزمني للفيلم، يقول الرجل القزم لبطل الفيلم (بشاي) أثناء ما كان الأخير يقطع رحلة من شمال النهر حتى جنوبه باحثا عن أهله، وبنبرة خطابية مباشرة ما معناه (وأنا هنا أعتمد على ذاكرة مشاهَدة وحيدة لأحد عروض الفيلم) إن حالة النبذ التي يعانيها أمثالهم ستستمر في الدنيا، أمّا المساواة التي يبحثون عنها فلن تتحقق لهم إلا يوم الدين. الجملة الخلاصية (بفتح الخاء وضمّها) تقال والرحلة توشك على نهايتها، وإذا بالمعنى الديني المباشر وحده يظلل ما فات من مشاهد، لكأنما هذه هي الإجابة الوحيدة التي يقدمها المخرج أبوبكر شوقي عبر فيلمه الذي من المفترض أنه يبحث سؤال الاختلاف والنبذ، نازعا بعديها السياسي قبل الاجتماعي، لكن فيلمه لحسن الحظ يقول أكثر مما يوحيه عنوانه، وربما على خلاف ما يريده شوقي نفسه.

راضي جمال متعافٍ حقيقي من مرض الجذام، وفي الفيلم يلعب دور بشاي المتعافي كذلك من المرض، بينما لا يزال يعيش في مستعمرة الجذام ولا يعرف له أهلا غير زوجته المحجوزة في قسم الأمراض النفسية والعصبية، لكنها حين تموت ويتضح أن لزوجته أُمًّا علمت بوفاة ابنتها فجاءت لزيارة قبرها، يقرر أن يبحث عن أهله الذين لا يعرف عنهم غير أنهم ينحدرون من إحدى قرى محافظة قنا في صعيد مصر. لقد نجح شوقي عبر الاستعانة بأشخاص حقيقيين في الأدوار الرئيسية – لا ممثلين محترفين – في إقرار الحالة الواقعية بحس جمالي مرهف وبلا صراخ، كما ساعده في ذلك التصوير في المستعمرة الفعلية وما حولها من محيط؛ والواقعية قطعا ليست فضيلة في حد ذاتها، بيْد أن الخواء الثاوي في حياة المستعمرة وما حولها كثّف من مفعول هذا الواقع في إدراك حالة الاستتار التي يعيشها المرضى والمتعافون، من غير أن ينزلق شوقي لكيتشية تصوير ذلك الهامش، وكذلك الإشارة بخفوت لمُوات الحياة أو تقليلها لحدها الأدنى من التفاعل الاجتماعي، الأمر الذي كان من الصعب أن يحصل، بهذا الثقل والبرود الجاثم على الصورة، في أماكن بديلة.

وعلى الرغم من الحوار الذي ارتكن كثيرًا لخطابية مباشرة؛ أو برز في أحيان أخرى راسمًا علاقة تنافر فكري بين القول وقائله، نجا منهما شوقي أحيانًا عبر الاتكاء على كوميديا حوارية خفيفة تمنع الشفقة من التسلل، دون أن تنزلق هذه الكوميديا للسخرية القاسية من الذات كرد فعل استباقي أمام الآخرين؛ فإنه يحسب له، وبذات طريقة الاعتماد على خلق واقعية رهيفة غير زاعقة أو مبتذلة ولا حتى رومانسية، نسيج شريط الصوت الذي اعتمد فيه بوضوح على تكثيف وتقطير أصوات أشياء العالم (الكائنات والكلمات والآلات) فبرز حضورها عميقًا وجليًّا في المكان، نسمع صوت الرياح وخبطات حوافر الحمار على الأرض وخرفشة الكاسيت وعجلات عربة الكارّو وصوت اهتزاز القطار وصرير عجلاته على القضبان، وغيرها مما سيرافق بشاي أو سيعاينه في رحلة بحثه، كما لو أن هذا الاعتماد على أصوات العالم يأتي ليملأ فراغ عالم المستعمرة وصمته ومن ثمّ عالم بشاي نفسه.

لكن هذا الإحكام الجمالي لشريط الصوت كان يتهاوى حين يوكل للموسيقى التصويرية وحدها وبأبسط معانيها بدائية تشكيل انفعالات الجمهور، بما يشبه عرضًا مسرحيًا لمجموعة من الهواة. يحدث الأمر في اللحظات التي تنفصل فيها الموسيقى التصويرية عن شريط الصوت، وترتد لخانة ملء الفراغ في أوقات الذروة الدرامية، من تلك المصاحبة لعجز بشاي في مواجهة العالم الواسع الذي يختبره للمرة الأولى، بعيدًا عن المستعمرة؛ فبدا أن الموسيقى اضطلعت في هذه المرّات بالسعي وراء تعميقٍ سهلٍ لمعاني النبذ التي يعانيها بشاي والمختلفون مثله، وذلك مثلا بخلاف المقاطع الموسيقية التي أطّرت لحظات الانتقال بين محطات الرحلة، ولم تنتفِ عنها البراعة، ولا البهجة أحيانًا.

ولم تكن الصورة بعيدة عن هذا الضبط الجمالي المحكم، إذ تستمر الواقعية الناعمة لعدسة الكاميرا في الجزء الأكثر التهامًا لزمن الفيلم، نعني الرحلة التي قطعها بشاي، ذلك الذي وعده أبوه صغيرًا بالعودة له حين يتم شفاؤه، لكنه الآن في عمر الأربعين يقرر أن يقطع المسافة الطويلة لقريته في قنا، بصحبة حماره حربي، وعربته الكارو، والطفل أوباما الذي يعيش في ملجأ قريب من المستعمرة. والرحلة في «يوم الدين» ليست إلا مشاهد تتناسل من بعضها، ولا رابط بينها إلا صدف الدراما، لكنها صدف تصل أحيانا حد الاستسهال ومخلوقة بقوة التعاطف أو الازدراء بين أشخاص الفيلم بعضهم البعض. المفارقة أن التعاطف بالقول أو الفعل لا يقدمه إلا منبوذون لمنبوذين مثلهم، فيما يعتبر تمهيدًا لحل سؤال تلك الرحلة، بعدما تنقضي بعثور بشاي على أهله مقررًا في الآن نفسه أن يعود من حيث أتى.

لقد استطاع أبو بكر شوقي على مستوى الصورة أن يوصد أبواب الدراما ببراعة أمام استثارة مشاعر الشفقة، عبر ممارسات جمالية تمثّلت في حركة الكاميرا بحياد بارد من خلال اللقطات البعيدة للشوارع والناس معظم الوقت؛ وفي المرات التي التجأ فيها للقطات مقرّبة بدت الكاميرا كما لو أنها لا تركز إلا على اصطياد حالة المشاعر التي تبديها الوجوه، دونما اعتناء بعرض التشوهات الناتجة عن المرض، أو العَوَز.

تقابٙل رغبة بشاي ونيته في البحث عن أهله بسخرية من رفاقه المجذومين، حتى إن أحدهم ينبهه بتهكم لجهله بالعالم خارج حدود المستعمرة والصعوبات التي ستواجهه. نفهم إذا أن بشاي ينطلق في رحلته معتمدا على عربته الكارّو وحماره حربي لأن علاقته بالعالم الخارجي غير مكتملة وتعوزها الثقة، ولذلك لا يلجأ بمساعدة أحد لاستخدام مواصلات عامة تساعده في تقليص زمن الرحلة وعذاباتها، وهو سبب درامي على ضعفه – بسبب الواقعية الشديدة التي أشرنا إليها – قد نقبله على مضض. مالا نفهمه هو ذلك التأرجح الذي يصل حد التناقض لدى صانعي الفيلم بين تأسيس هذه الرحلة على وعي بطلها غير المكتمل في صلته بالعالم، وبين أن نراه شخصا بكامل أهليته العقلية، بل وحتى الفكرية؛ مثلا تقود الصدفة بشاي لأن يوضع في الحجز مع من يُفترض أنه شخص ينتمي للجماعات الإسلامية، وبخيال ينتمي للتسعينات وتحديدا سيناريوهات وحيد حامد (حيث الإسلامي يرتدي جلبابا أبيض بعينين غاضبتين طول الوقت) يصرخ الرجل مرارًا في قوة الشرطة: يا كفّار، مصحفي، هاتوا لي مصحفي. كما يبدي تأففه وغضبه من وجود ذلك الشخص المجذوم معه. يقرر الإسلامي الهرب ساحبا معه بشاي بسبب الكلبش الذي يجمعهما، وحالما يلجآن لباقي أفراد الجماعة لكسر السوار الحديدي يصدمنا تناقض الدراما؛ بشاي – المرتبك بما حوله من لِحًى إسلامية، فيما أحد الإخوة يذكّر رفيقه الملتحي المكلبَش بالقول المأثور «فرّ من الجذام فرارك من الأسد»- حين يُسأل عن اسمه، يجيب بعد ثوان قليلة من المفاجأة: محمد. المشهد على طرافته يضعنا وبقوة أمام سؤال الوعي الناقص الذي كان ذريعة لتأسيس صعوبات الرحلة.

في المشهد الختامي للفيلم، يظهر بشاي متهندما بملابس جديدة، ومعه ملازمه أوباما، على رصيف محطة قطار نائية ليبدآ طريق العودة لمستعمرة الجذام، وينتهي الفيلم على لقطة مقربة لوجه بشاي أثناء تسطيحه على ظهر القطار – وهي من أجمل اللقطات المقربة في الفيلم – ضاحكا ملء فمه. لم يتهندم بشاي طوال الفيلم إلا مرتين: أولاهما أثناء زيارته لزوجته في عنبر الأمراض النفسية والعصبية، قبل أن تفارقه بموتها؛ وثانيهما هذا التهندم المصاحب للعودة؛ نها لحظات بشاي البسيطة التي كان فيها مقررا لمصيره بإرادة حرة وكاملة، فلم يكن وجوده في المستعمرة إلا قرار أب وضعه على بابها ثم لاذ بالفرار مع وعد لم يتحقق بالعودة، وما كان اتخاذ قرار رحلة البحث عن الأهل إلا مدفوعا بوفاة زوجته، كما كانت محطات الرحلة بما ومن فيها موكولة للصدفة ويصدق عليها القول الشعبي السائر «بلاد تشيلني وبلاد تحطّني»، لكأنما في الحقيقة كان الغرض من الرحلة هو صورة الرحلة في عين الكاميرا الرقيقة؛ صورة الناس والشوارع وتقديمهما بنبل؛ في تضاد مع الحوار الكيتشي الساذج في أحايين كثيرة، ثم تلك العودة الظافرة لبشاي بعد أن عاين ما عاين ورأى من رأى، ليعيش من جديد وبإرادته هذه المرة وسط جيتو المستعمرة الهامشي.

لم ينتظر بشاي يوم الدين، حتى إنه في الجملة الحوارية التي افتتحنا بها المقال والتي طالبه فيها محدّثه بانتظار ذاك اليوم لينال «الوحوش المختلفون» أمثالُهم حقَهم العادل، كان رد بشاي وبسخرية ممرورة: يدّينا ويدّيك طولة العمر. ولم يكن هذا الفيلم كذلك عن انتظار يوم الدين كما يوحي مُخرجه، بل كان بالأحرى عن الرحلة إليه.

اعلان
 
 
محمود عاطف