بعد عام من توقفها.. اجتماعات «توحيد المؤسسة العسكرية الليبية» بالقاهرة تضع اللمسات اﻷخيرة
 
 
أرشيفية - رئيس الأركان محمود حجازي ووزير الخارجية سامح شكري في لقاء الوفد الليبي - المصدر: صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك
 

مؤخرًا، تجدد الحديث عن توحيد القوات المسلحة الليبية برعاية مصرية أيضًا بعد عام من التعثر، وذلك مع استئناف اجتماعات توحيد المؤسسة العسكرية الليبية هذا الأسبوع بالقاهرة.

الجهود المنصبة تجاه توحيد المؤسسة العسكرية تتمركز حول توحيد القيادة العامة للقوات المسلحة تحت سلطة حكومة شرعية واحدة. وحتى الآن، وطبقًا لما قاله مصدر مشارك في تلك الاجتماعات، فإن التوجه هو لخلق مجلس الأمن القومي، وهو القيادة السياسية للمؤسسة العسكرية، ومجلس دفاع وطني، وهو قيادة سياسية عسكرية، ومجلس القيادة العامة، وهو قيادة عسكرية.

كما توصي التوجهات الأولية لتلك الاجتماعات، بحسب المصدر، أن يتولى رئيس الدولة قيادة القوات المسلحة ويعتبر القائد الأعلى وتخضع القوات المسلحة لإشرافه، ويحق له تعيين القائد العام ورئيس الأركان وإعفائهم بناء على اقتراح مجلس الدفاع الوطني، وإعلان حالة النفير والحرب.

ويكون وزير الدفاع ممثل المؤسسة العسكرية سياسيًا من خلال مجلس الوزراء ويقوم بتنفيذ السياسة الدفاعية للقوات المسلحة من خلال توجيهات القائد الأعلى وسياسات مجلس الوزراء.

أما فيما يتعلق بمنصب القائد العام، فهو يكون أقدم ضابط عامل في المؤسسة العسكرية ويرأسها وهو المسؤول الأول أمام القائد الاعلى.

وتنقسم القوات المسلحة الليبية حاليًا إلى: جيش القيادة العامة بقيادة خليفة حفتر، ويضم كثيرًا من الجنود الذين عملوا في جيش معمر القذافي. جيش رئاسة أركان قوات الوفاق برئاسة عبد الرحمن الطويل، رئيس أركان حكومة الوفاق. إضافة إلى عدد من الميليشيات المستقلة.

وبحسب الاتفاق السياسي الليبي الموقع في 17 ديسمبر 2015 بمدينة الصخيرات المغربية بين الأطراف السياسية الليبية، يحمل رئيس المجلس الرئاسي لقب القائد الأعلى للقوات المسلحة، بينما يتولى القائد العام للجيش مهام إدارة الجيش.

يقول مصدر عسكري ممثلًا للقيادة العامة للجيش التابع لحفتر في لجنة توحيد المؤسسة العسكرية، التي تأسست في القاهرة في نوفمبر من العام الماضي، إن اللجنة تكونت لتندرج تحتها أربع لجان هي: لجنة لحل التشكيلات المسلحة والميليشيات، ولجنة لتطوير ودعم الشرطة العسكرية والاستخبارات العسكرية، ولجنة لمحاربة الإرهاب، ولجنة إعادة الهيكل التنظيمي للمؤسسة العسكرية.

ويقول المصدر العسكري: «إننا وصلنا في عملنا داخل لجان توحيد المؤسسة العسكرية إلى وضع هيكلية تنظيمية للمؤسسة العسكرية الليبية بحيث تكون خاضعة للسلطة التنفيذية، بوجود منصب وزير دفاع لأنه منصب سياسي مهم»، مع تحديد لصلاحيات ومناصب قياديّ المؤسسة. كما سيتم تسريح كل الجماعات المسلحة خارج الجيش والشرطة ودمج بعض أعضائها وسحب سلاحها والاستفادة من خبرات المسلحين ذوي الكفاءة والخبرة، بحسب نفس المصدر.  

ومن المتوقع أن تطرح خلال جولة توحيد المؤسسة العسكرية المقبلة في القاهرة أسماء بهدف وضع هيكلة للمؤسسة العسكرية بإشراك القادة العسكريين الممثلين للمناطق الأكثر قوةً ونفوذًا في خارطة القوى العسكرية في ليبيا.

ويوضح المصدر العسكري أنه «لم يبق إلا اللمسات الأخيرة على مشروع توحيد المؤسسة العسكرية الليبية ليكون جاهز لدخوله حيز التنفيذ بعد أن يتم التوقيع عليه من رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني وقائد عام الجيش، وهما طرفي التوقيع على مشروع توحيد المؤسسة».

التحرك المصري يأتي بعد الاجتماع الأخير الذي رعته مصر في مارس الماضي والموجه لتوحيد الجيش الليبي، بحضور لجنة مصرية عليا وحضور رئيس جهاز المخابرات المصرية اللواء عباس كامل، قبل أن تتعثر وتتوقف الجهود المصرية المستمرة على مدار أكثر من عام دون نتائج فعلية.

كما يقول المصدر العسكري إن «هناك أطراف مقربة من المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق حاولت تعطيل عمل اللجنة بعد أن قاربت من إنهاء عملها الذي استمر لأكثر من عام في 6 لقاءات احتضنتها القاهرة».

من جانبه، يبين مصدر عسكري آخر ممثل لحكومة الوفاق الوطني أن الاجتماعات السابقة التي عقدت في القاهرة شهدت تقدمًا جيدًا، إلا أن تحفظ حفتر على سلطة المجلس الرئاسي كقائد أعلى للجيش أربك تتويج هذه الجهود باتفاق فعلي ينعكس على أرض الواقع.

ويضيف المصدر أن ممثلي حكومة الوفاق العسكريين المشاركين في اجتماعات القاهرة حملوا رغبة ودعم فائز السراج، رئيس المجلس الرئاسي الليبي، لهم لتحقيق نتائج إيجابية في ملف توحيد الجيش بشرط أساسي هو أن تكون المؤسسة العسكرية تحت إشراف السلطة المدنية لتكريس كافة الجهود نحو بناء دولة مدنية. ويقول المصدر إن العسكريين من المنطقة الغربية والوسطى في ليبيا الذين شاركوا في الاجتماعات السابقة يتفقون مع السراج في رؤيته.

المعروف أن قادة الجيش الليبي التابع لحفتر منتشين بالقبض على عدد من الإرهابيين المطلوبين لدى ليبيا ومصر، ومن بينهم هشام عشماوي، الضابط السابق في الجيش المصري الذي تحول بعد إحالته إلى التقاعد في عام 2012 إلى العمل الجهاددي المسلح ضد الدولة المصرية. ويضع مصر العشماوي على رأس قائمة الإرهابيين المطلوبين لديها. وألقى الجيش الوطني الليبي القبض على عشماوي في 8 أكتوبر الجاري في مدينة درنة شرق ليبيا. يطمح هؤلاء القادة أن تكون حملات القبض هذه فرصة لاستكمال اجتماعات توحيد المؤسسة العسكرية الليبية التي انطلقت قبل عام تقريبًا.

وعلى صعيد متصل، شهدت العاصمة الليبية طرابلس في 27 أغسطس الماضي اشتباكات مسلحة أدت إلى مقتل 79 شخصًا وإصابة 300 في أحداث عنف بين مليشيات مسلحة، بعضها يتبع وزارتي الدفاع والداخلية بحكومة الوفاق الوطني برئاسة السراج.

يقول مصدر مقرب من رئيس المجلس الرئاسي إن استئناف اجتماعات توحيد المؤسسة العسكرية من شأنه أن يوقف حالة التشظي، مضيفًا أن بعض التشكيلات المسلحة غرب ليبيا ترى أنها لم تستفد من حكومة الوفاق الوطني وتم إقصائها مقابل سيطرة تشكيلات مسلحة أخرى في طرابلس أقل منها قوة. وباتت تلك التشكيلات تنجذب إلى أطراف سياسية تعارض الاتفاق السياسي الليبي وتحمل أجندات لا تصب في المصلحة العامة منها ظهور القيادي صلاح بادي، من مصراتة، والذي يجاهر بمعارضته لحكومة الوفاق. واستدل المصدر على ذلك بالتحرك الأخير في 26 أغسطس الذي قام به اللواء السابع، من مدينة ترهونة، والذي يقدم نفسه إعلاميًا على أنه يمثل المؤسسة العسكرية، بمساندة من قوات من مصراتة يقودها بادي، تحت مسمى محاربة المليشيات المسيطرة على المؤسسات في طرابلس.

ويقول المصدر العسكري، عضو لجنة توحيد المؤسسة العسكرية، إن «الأحداث الأخيرة في العاصمة طرابلس والمطالبة بطرد المليشيات وتفكيكها سيصب في مصلحة توحيد المؤسسة العسكرية لأن الليبيين يريدون جيش وطني وشرطة وأصبحوا يرفضون وجود المليشيات المسلحة».

وبحسب المصدر القريب من رئيس المجلس الرئاسي، فإن حرب الثلاثين يومًا التي شهدتها طرابلس واستمرار حالة الفراغ الأمني جنوب ليبيا، وضعا السراج في دائرة ضرورة التحرك تفاديًا لسيناريوهات قد تكون أسوأ.

ويقول المصدر نفسه أن متابعة جهود توحيد المؤسسة العسكرية لم تحظ بذاك القدر من اهتمام السراج بسبب تشتته في أزمات أخرى يراها أكثر أهمية، فضلًا عن عدم ثقته الكاملة في نية حفتر في أن ينتج عن هذه اللقاءات نتائج فعلية بسبب تضييقه المتعمد على ممثلي حكومة الوفاق الوطني في المنطقة الشرقية، والذي حدث تزامنًا مع جهود توحيد المؤسسة.

ويضيف المصدر أن الحرب الأخيرة التي حدثت في طرابلس وضعت المجلس الرئاسي أمام حقيقة مفادها ضرورة وضع حد لهذه التهديدات عبر إجراءات ومساعٍ مكثفة من بينها التركيز على إحداث توافق فيما يتعلق بتوحيد الجيش، فضلًا عن ضرورة تفعيل الوزارات وتعيين وزراء جدد للعمل على 3 جوانب رئيسية وهي الأمن والإصلاح الاقتصادي وخدمات المواطنين.

وقد أجرى السراج في 7 أكتوبر الجاري تعديلًا وزاريًا في حكومة الوفاق شمل وزارات الداخلية والمالية والاقتصاد والرياضة، وهو الأمر الذي أثار القيادة العامة للجيش بقيادة حفتر بعد تعيين السراج  لعلي العيساوي وزيرًا للاقتصاد والصناعة في حكومة الوفاق الوطني، وهو أحد المتهمين في قتل اللواء عبد الفتاح يونس، رئيس أركان جيش التحرير الوطني الليبي، خلال ثورة 17 فبراير.

وقد طلب القائد العام للقوات المسلحة الليبية من المدعى العام العسكري في 13 أكتوبر الجاري إعادة التحقيق في قضية مقتل يونس، مشيرًا إلى عملية قتله والتمثيل بجسده على يد لجنة تحقيق شكلها المجلس الانتقالي الليبي السابق.

ويقول مصدر دبلوماسي ليبي بحكومة الوفاق الوطني إن «خليفة حفتر سيستغل رفض قبائل في المنطقة الشرقية لاختيار علي العيساوي وزيرًا للاقتصاد بحكومة الوفاق الوطني لصالحه برغم أن حفتر ليس على خلاف مع العيساوي»، موضحًا: «في تصوري سيستغل الموقف لتحضير ترشحه في الانتخابات ودغدغة الدور القبلي».

يضيف الدبلوماسي أن «علي العيساوي كان مرشحًا ليكون عضوًا في المجلس الرئاسي، إضافة إلى كفاءته لتولي منصب وزير الدفاع». ويتم توزيع المناصب السيادية في الدولة بحسب التقسيم الجغرافي للولايات الثلاثة في ليبيا، وهي طرابلس، فزان، وبرقة. أهم هذه المناصب هي الوزارات السيادية، ففي حكومة الوفاق وزارة الخارجية والداخلية من نصيب إقليم طرابلس، ووزارة المالية والاقتصاد والعدل من نصيب برقة، ونصيب فزان وزارة الحكم المحلي ووكلاء وزراء للحقائب السابقة.

ويؤكد المصدر أن العيساوي، الذي عمل لسنوات مع نظام معمر القذافي، صُدم بإثارة قضية عبد الفتاح يونس مرة أخرى. «عمر الحكومة هو عدة أشهر فقط، وربما السراج يتخذ خطوات في الأيام القادمة تكون بمثابة تمهيد وتحشيد له في الانتخابات الرئاسية هو أيضًا».

وأشار حفتر في لقاء سابق أن الجيش الليبي لن يعترف إلا بسلطة منتخبة شرعية يتفق عليها كل الليبيين، مما يدعو لتساؤل عن ما إذا كان مشروع توحيد المؤسسة العسكرية -حال نجاحه- سيدخل حيز التنفيذ مباشرة أم أنه سينتظر إجراء الانتخابات المرتقبة؟

التحرك المصري نحو استكمال اجتماعات العسكريين الليبيين لتوحيد المؤسسة العسكرية من شأنه تحقيق شرط أساسي وهو توفير البيئة الملائمة لإجراء الانتخابات التي يبدو أنها لن تتحقق هذا العام بحسب تصريحات المبعوث الأممي إلى ليبيا في 30 يوليو لوكالة الأنباء الفرنسية.

وكان الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، قد استضاف في باريس في نهاية مايو الماضي لقاءً جمع الأطراف السياسية الفاعلة في ليبيا، وتعهدت تلك الأطراف بتنظيم انتخابات عامة في 10 ديسمبر المقبل لإنهاء حالة الصراع السياسي وانقسام المؤسسات في ليبيا.

ووفقًا لمصدر حكومي ليبي، تسعى مصر لعقد لقاء في القاهرة سيجمع حفتر بالسراج خلال الأيام القليلة القادمة وقبل مؤتمر صقلية الذي يقام برعاية إيطالية.

اعلان
 
 
إبراهيم بلقاسم