«متلازمة خاشقجي» كمدخل لتشريح أزمة متعددة المستويات

لم يكن الأستاذ جمال خاشقجي، قبل اختفائه مقتولًا على الأرجح داخل القنصلية السعودية بإسطنبول، سوى كاتب صحفي سعودي كبير، ومعارض (نسبيًا)، حقق قدرًا متوسطًا من الشهرة العالمية، لكن قصته تحولت بعد هذه الحادثة المفجعة إلى ما يشبه «المتلازمة» الجامعة لكل أسباب وأعراض الأزمة المتجذرة في المملكة السعودية وفي منطقة الخليج، وإقليم الشرق الأوسط ككل، بحيث يُتوقع أن تصبح في المستقبل نموذجًا تفسيريًا واستشرافيًا لأنماط معينة من السياسات والتطورات، في الداخل السعودي، وفي المنطقة وفي العلاقات الدولية.

«متلازمة خاشقجي» هذه تتكون من عدة أبعاد شخصية ومهنية ومجتمعية، وبالطبع سياسية، سعوديًا وإقليميًا ودوليًا.

البُعد الشخصي هنا يتمثل في رجل تعلم في إحدى أرقى الجامعات الأمريكية، وارتقى بتعليمه إلى مرتبة المثقف صاحب الرؤية والموقف، سواء اتفقنا أو اختلفنا مع هذا الموقف، أو تلك الرؤية.

أما البعد المهني في متلازمة خاشقجي، فيتمثل في أنه حقق في مهنته، كصحفي، قدرًا كبيرًا من النجاح، يندر أن يحققه صحفي سعودي أو خليجي على وجه العموم، فتعددت خبراته وأدواته وعلاقاته المهنية، ومن ثم السياسية، لدرجة مكّنته من الكتابة المنتظمة في كبريات الصحف الأمريكية بمعاييرها المهنية المتشددة.

ومن الناحية المجتمعية، فهو ينتمي إلى عائلة، أو لنقل إلى شريحة من الشرائح التالية، في الثروة والدور والنفوذ، للعائلة المالكة وشركائها الأوائل في بناء الدولة السعودية الثالثة، وهذه الشريحة كانت، ولا تزال، من روافد وقنوات النظام الحاكم.

أما الأبعاد السياسية في متلازمة خاشقجي، فأول ما يُرصد فيها أنه كان من الرموز البارزة في التيار الإصلاحي السعودي، الذي سمح له بقدر من حرية التعبير، في أعقاب تحميل نمط التدين السعودي مسؤولية كارثة هجمات 11 سبتمبر 2001 الإرهابية على مدينتي نيويورك وواشنطن الأمريكيتين، وذلك استجابة لضغوط إدارة الرئيس جورج بوش الابن من ناحية، وللوقاية من تربص المحافظين الجدد في تلك الإدارة بالسعودية، من ناحية أخرى، خاصة في سياق الغزو الأمريكي/الأطلنطي لأفغانستان أولًا، ثم الغزو الأمريكي/البريطاني للعراق ثانيًا، للقضاء على مصادر وقواعد الإرهاب في الحالة الأفغانية، وعلى برامج التسلح بأسلحة دمار شامل، قد يتزود بها الإرهابيون في الحالة العراقية، وهو ما ثبت اصطناعه كذريعة للغزو.

لكن الرسالة كانت قد وصلت إلى الجميع، بمن فيهم السعوديون، وكان مضمونها هو أنهم في دائرة الاستهداف، ما لم يبادروا إلى مكافحة تيارات وأفكار وتنظيمات التطرف الديني لديهم، وما لم يتعاونوا في تجفيف منابع تمويلها.

وفي السنوات الأولى من حكم الملك عبد الله بن عبد العزيز، التي بدأت عام 2005، اكتسب هذا التيار الإصلاحي، الذي انتمى إليه جمال خاشقجي، مزيدًا من النفوذ والبروز، لكن ثورات الربيع العربي جاءت لتقطع بين مفهوم هذا التيار للإصلاح، وبين مفهوم النظام له.

وبينما تماهى معظم رفاق خاشقجي مع هذا التطورً، فقد ظل هو وحده تقريبًا مخلصًا لرؤيته، فقد تحول النظام السعودي إلى تبني الثورات المضادة في كل بلدان الربيع العربي. ولما كان تنظيم الإخوان المسلمين هو الرابح الأكبر في بداية ذلك الربيع العربي، فقد كان هو أول المستهدفين بعداء السعودية، ومعها دولة الإمارات العربية المتحدة، وكان من الضروري إسقاط حكم الإخوان في مصر، تمهيدًا لإضعافهم في بقية الدول، من تونس والمغرب حتى الكويت.

هنا افترقت الطرق بين السياسة الرسمية السعودية، وبين من يحبّذون إدماج الإخوان المسلمين، بوصفهم تنظيمًا غير عنيف ولا متطرف، في الحياة السياسية لبلدانهم، حتى وإن توّلوا الحكم كاملًا أو مباشرة. ولكن يبدو أنه بقى لدى هؤلاء بصيص من الأمل في إمكان تغيير هذه السياسة بعد وفاة الملك المسن المريض عبد الله، واعتلاء ولي عهده سلمان العرش، بما عُرف عنه من ارتباطات سابقة بتنظيم الإخوان المسلمين المحلي والإقليمي، لكن سرعان ما تبين أن هذا الأمل لم يكن إلا سرابًا، خاصة بعد تولي الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، والقيادة الفعلية للبلاد، وإعلانه حربًا لا هوادة فيها على «الإخوان المسلمين»ً، و دخوله بكل قوة في الصراع اليمني، وانفتاحه على إسرائيل لحد التحالف معها ضد إيران، ولو على حساب مصالح وحقوق الشعب الفلسطيني، وهو ما وأد مبكرًا جهود الملك سلمان الاستطلاعية للتفاهم مع تركيا، ومع تنظيم الإخوان المسلمين من خلال الشيخ راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة «الإخوانية » في تونس.

هنا فقط افترقت الطرق بلا رجعة، وكان على خاشقجي المغادرة إلى المنفى الاختياري، لكنه استمر في معارضته «السلمية» بالكتابة ليس إلا!

كانت هذه مكونات المتلازمة التي نتحدث عنها فيما يختص بشخص جمال خاشقجي ودوره ومواقفه، فما هي بقية المكونات التي يسهم بها النظام السعودي والوضع الإقليمي والأوضاع الدولية ؟

فيما يتعلق بالنظام السعودي، فنحن أمام تناقض، أو فصام، بين المشروع الإصلاحي التحديثي الذي يبني عليه ولي العهد السعودي شرعيته المحلية والدولية، وبين قتل وإخفاء كاتب لا يملك سوى قلمه، ولا يختلف مع النظام اختلافًا جذريًا، ولا يشارك في أية أنشطة حركية مضادة، كما أننا أمام طريقة بدائية في صنع واتخاذ القرار، دون أية حسابات رشيدة من أي نوع كان، وكذلك أمام طريقة تنفيذ مفرطة في الاستهتار والرعونة.

يلزم في نقطة علاقة النظام السعودي بالصحافة والصحفيين، وحرية التعبير، الانتباه لكونها علاقة من نوع خاص، إن لم نقل إنها «علاقة شاذة»، فقد دأبت المملكة حتى نهاية سبعينيات القرن الماضي على توكيل أو تحويل صحف عربية وأجنبية وصحفيين عرب وأجانب للدفاع عن مصالحها، وللتصدي لخصومها، فيما بقيت الصحف المحلية محدودة التأثير داخليًا وخارجيًا، وعندما قررت السعودية تولي هذا الدور بنفسها مباشرة، أنشأت المؤسسات اللازمة في الخارج، سواء الصحف أو الشبكات التليفزيونية، لضمان حصول هذه المؤسسات على القدر من الحرية اللازم للنجاح المهني، بعيدًا عن القيود التقليدية على الصحف والإذاعة والتلفزيون المحليين، بل إن الصحف الصادرة في الخارج كانت تعد طبعات خاصة للداخل السعودي، تلتزم فيها بتلك القيود.

ولكن بدخول تكنولوجيا الفضائيات التلفزيونية، وانتشار شبكة الإنترنت، وقع الارتباك، وزادت حدة الصراع بين تقاليد الحجب والقمع، وبين نزعات حرية التعبير، وكانت مأساة خاشقجي إحدى ذرى هذا الصراع.

كما يلزم في نقطة طريقة اتخاذ القرارات، وتنفيذها، التنويه إلى أن الرعونة والعشوائية والاستهتار بدت في أكثر من قرار وموقف، لتتحول إلى نمط معهود في السياسة السعودية تحت قيادة محمد بن سلمان، مثلما حدث في احتجاز رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، وإجباره على إعلان استقالته، فيما قيل إنه تعرض لاعتداء بدني، ومثلما حدث في احتجاز الأمراء ورجال الأعمال فيما وصف بأنه حملة لمكافحة الفساد واسترداد مستحقات الدولة، ومثلما حدث ويحدث في الحرب اليمنية، وكذلك مثلما حدث في قرار وقف تزويد مصر بالبترول ردًا على تصويتها في مجلس الأمن مع مشروع قرار روسي حول سوريا، كانت السعودية ترفضه، وأخيرًا تهديد الكويت للقبول بتسوية، لمصلحة السعودية، لأزمة الحدود، بما ألجأ الكويتيين للتحالف مع تركيا.

هذا النمط من الرعونة والعشوائية، والاستهتار في اتخاذ القرار، يشرح بعدًا جديدًا في متلازمة خاشقجي في جانب النظام السعودي، وهو ضيق الأسرة المالكة والمجتمع السعوديين، وكذلك الإقليم والعالم، بولي العهد، وكأنه كانت تنقص الخارج أسباب إضافية للضيق من السعودية، التي يعتري الكثيرين الضيق منها من الأصل، على الأقل منذ هجمات 11 سبتمبر الإرهابية.

ولذا، لابد أن يكون صحيحًا مضمون التسريب الذي خرج عن لقاء وزير الخارجية الأمريكية بولي العهد السعودي، وهو التسريب القائل إن الوزير الأمريكي حذّر بن سلمان من أن مستقبله كملك على المحك بسبب قضية خاشقجي.

إقليميًا، يتبقى عنصران، لافتان للنظر، من مكونات متلازمة خاشقجي؛ الأول هو دعوة المعلقين الإسرائيليين إلى استخدام أرصدة النفوذ اليهودي داخل الولايات المتحدة لإخراج بن سلمان من هذه الأزمة، لأن ذلك في مصلحة إسرائيل، والثاني هو الصمت السياسي والإعلامي في الدول العربية، وثيقة الصلة بالرياض، عن أي تعقيب، أو حتى عن أي تناول للكارثة.

تتوقف طبيعة المكون الدولي لمتلازمة خاشقجي على القرار النهائي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فهل سيغلّب المكاسب المالية والاقتصادية من العلاقة الخاصة مع ولي العهد السعودي، على كل الاعتبارات السياسية والأخلاقية، أم سيتبقى لديه قدر من الحس بالمسؤولية الأخلاقية للدولة الأعظم في العالم، ما يدفعه إلى شيء من التوازن، بما يردع الانتهاكات ويرشد السياسات السعودية؟ وهل سيكون بوسعه إقناع الرأي العام والمؤسسات الأمريكية باختيار المصلحة المجردة من أية قيمة أخلاقية؟ خصوصًا وأن المصالح الأمريكية بعيدة المدى مع السعودية أكبر وأهم من أن تتوقف على هذا الملف أو ذاك. فإذا تغلب منهج الجباية والابتزاز، فستكون متلازمة خاشقجي فاتحة لعصر قد تتحول فيه بعض الحكومات إلى تشكيلات عصابية، لا سيما في ظل تصاعد المد اليميني العنصري في العالم.

إذا حاولنا تلخيص الأسباب والأعراض التي تحتوي عليها «متلازمة خاشقجي» في السياسة السعودية، وفي العلاقات الإقليمية والدولية، فهي تجسيد للصراع القديم المتجدد بين الحداثة وبين الرجعية، في السياسة والثقافة العربيتين والإسلاميتين، وتجسيد للصراع بين السلطوية الإقصائية، وبين الشمول والإدماج الديمقراطيين، وكذلك الصراع بين الالتزام باستحقاقات الانتماء العربي والإسلامي، وبين القبول بالقيادة الاستراتيجية الإسرائيلية للمنطقة، أو على الأقل مشاركة إسرائيل بدور رئيسي في هذه القيادة.

وأخيرًا، ترمز متلازمة خاشقجي إلى الصراع بين قيم المجتمع الدولي الحديث، الذي طوّر قوانين وتنظيمات ومواثيق، وبين أطروحات العودة إلى عصر ما قبل القانون والتنظيم الدوليين، كما تمثلها التيارات والقيادات اليمينية، عنصرية وقومية ورأسمالية.

بالطبع، لم يكن لخاشقجي أن يمثّل كل ذلك لو بقي حيًا، ولو لم يقتل أو يختف بهذه الطريقة.

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن