التقارير الطبية والشهود يكذّبون الوزارة: «طبيبة المطرية» صُعقت بالكهرباء
 
 

«حرق أسود بطول 10 سم وعرض 3 سم على الفخذ الأيسر»، هذا ما تجاهلته وزارة الصحة والسكان، وإدارة مستشفى المطرية التعليمي في حديثهما عن الطبيبة المتوفاة سارة أبو بكر. وهو نفسه ما يراه أطباء بأنه دليل قاطع على الموت بالصدمة الكهربائية، ورغم ذلك تجاوزه المتحدث باسم الوزارة وقال جازمًا إنها «ماتت نتيجة هبوط حاد في الدورة الدموية أدى إلى توقف عضلة القلب».

كانت الساعة العاشرة والنصف من مساء يوم السبت الماضي، عندما صعدت طبيبة من طبيبات مستشفى المطرية لاستعمال حمام سكن الطبيبات، فوجدت الباب مغلقًا والمياه تتسرب من أسفله. بالوعة الحمام مسدودة كالعادة، ويبدو أن أحدًا يستحم. عادت الطبيبة في الواحدة صباحًا فوجدت المشهد على ما هو عليه. اُستدعى موظف الأمن من الطابق الأسفل، كسروا الباب، فوجدوا الجثة في حالة تشنج، يدها اليمنى تغطي الوجه، الفخذ الأيسر به حرق أسود محاط بنسيج أبيض.

بعدها اُستدعى طبيب قسم الاستقبال فوجد الجثة على ما كانت عليه، وكتب تقريره «بالكشف الظاهري على المذكور أعلاه تبين: جثة هامدة فاقدة لجميع الوظائف الحيوية واتساع حدقتي العين وتبين وجود شكل طولي أسمر اللون في منطقة الفخذ الأيسر ولا يمكن الجزم بسبب الوفاة، والجثة الآن تحت تصرف النيابة وتم نقلها لثلاجة المستشفى».

في اليوم التالي مباشرة، توجهت طبيبة من منطقة المطرية الطبية، بناءً على طلب من مأمور قسم الشرطة، لمناظرة الجثة. وفي تقريرها، الذي جاء متوافقًا مع طبيب الاستقبال، كتبت: «إيماءً إلى خطابكم الموجه إلينا بمحضر رقم ( 7878 لسنة 2018 إداري المطرية) توجهنا للكشف الطبي على المتوفية لرحمة مولاها/ سارة أبو بكر مصطفى السيد وجدنا أن الجثة في العقد الثالث من العمر بها إصابات في الجانب الأيسر عبارة عن خدش في الأذن وجرح قطعي صغير في الإبهام ويوجد حرق أسود طولي في الفخذ ولا يوجد كسور أو سحجات.. والأمر متروك للنيابة فلم يتبين سبب الوفاة».

أهل الطبيبة، بحسب عدد من العاملين في المستشفى، فضّلوا استلام الجثة ودفنها دون انتظار نتيجة التحقيق أو الادعاء بأن شبهة جنائية ما تتصل بالحادث. وذلك لخوفهم من الإجراءات المتبعة في تلك الحالة والتي تتضمن تشريح الجثة.

المتحدث باسم الوزارة، خالد مجاهد، كان حاسمًا وقاطعًا، قال: «ما يتمّ تداوله بأن الطبيبة توفيت نتيجة صعق كهربائي غير صحيح. إحنا ما عندناش أي دليل على ذلك».

لكن يبدو أن حسم المتحدث باسم الوزارة لا يتوافق مع تقرير طبيب الاستقبال، ولا طبيبة المنطقة الطبية، ولا شهادة الأطباء والطبيبات زملائها، الذين رأوا الجثة بأعينهم.

يقول أحد الأطباء ممَن عاينوا الجثة، رفض ذكر اسمه، لـ«مدى مصر» إن «الحرق كان واضحًا ومحددًا. الحرق أسود اللون يأتي إما من مصدر كهربائي أو مصدر لهبي. وفي حالة اللهب، فإن الحرق يأخذ شكل عشوائي، أما في حالة الحرق المحدد أسود اللون، فهو يأتي حصرًا نتيجة ملامسة مصدر كهربائي للجلد، ناهيك عن أن الحمام لا يوجد به مصدر للهب، والمصدر الكهربائي الوحيد هو سخان المياه والوصلات الكهربائية الموصولة به. لا شك أبدًا في أن الوفاة كانت نتيجة الصعق الكهربائي ومصدره سخان المياه».

تقرير رسمي كتبته طبيبة بمنطقة المطرية الطبيبة بعد مناظرتها للجثمان، بناءً على طلب من مأمور قسم شرطة المطرية

ربما كان ما أشار إليه المتحدث باسم الوزارة في مداخلاته التليفزيونية عن شهادات الأطباء زملاء الضحية، هو ما دفعهم إلى تجهيل هويتهم عند الحديث عن الواقعة، وربما أيضًا يكون السبب هو ما أشار إليه طبيب الاستقبال الذي كتب التقرير الأول في مداخلة أخرى.

قال مجاهد في المداخلة، بعد أن سُئل عن شهادات الأطباء المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي، «شوف يا فندم مع احترامي للسادة الأطباء، فيه مكان للإدلاء بالشهادة». أما الطبيب محرر التقرير الأول فقال في مداخلة أخرى إن أحد العاملين في المستشفى طلب منه أن يحرر تقريرًا يقول فيه إن سبب الوفاة هو هبوط حاد في الدورة الدموية. وهو السبب نفسه الذي ردده مجاهد في ما بعد.

تحدث طبيبان من المستشفى مع «مدى مصر»، بشرط عدم الكشف عن هويتيهما، واتفقا على أن إشارات المتحدث باسم الوزارة وطبيب الاستقبال لها أثر على الأرض، إذ أكدا أن إدارة المستشفى تمارس ضغوطًا على كل الأطباء الذين تعاملوا مع الحادث، سواء بمشاهدتها أو بكتابة التقرير الطبي بشأنها، وتسعى تلك الضغوط لوقف الحديث عن احتمالية الموت بسبب الصعق الكهربائي، وتبني رواية الوزارة بأن الوفاة طبيعية.

يقول الطبيب أحمد فتحي، عضو مجلس النقابة العامة للأطباء، لـ«مدى مصر» إن «توجيه هذه التهديدات أمر طبيعي وغير مستغرب. هناك ناس يحاولون إنكار الجريمة والتستر عليها والافتراء على سلطات التحقيق. بالطبع هؤلاء ليس من مصلحتهم كشف حقيقة الأمر».

الافتراء على سلطة النيابة وجهات التحقيق تهمة تواجه إدارة المستشفى في أكثر من موضع، ليس فقط في الجزم بسبب الوفاة دون انتهاء التحقيقات، إنما كذلك بما قد يصل إلى التلاعب في الأدلة.

يجزم الطبيبان اللّذان تحدثا مع «مدى مصر» أن إدارة المستشفى بمجرد حدوث الواقعة أخلت سكن الأطباء من كل الأجهزة الكهربائية، وتم التلاعب بالمكان الذي وقع فيه الحادث.

مجاهد في مداخلته التلفزيونية أشار لذلك، وقال: «بمجرد حدوث الوفاة استدعينا المدير المناوب وضابط الشرطة وفريق الصيانة للتأكد من سلامة الوصلات الكهربائية». إذًا، الوزارة فعلت ذلك وليس النيابة العامة.

يكمل أحمد فتحي الحديث ويقول: «بيان الوزارة مخزي. فيه افتراء على سلطة النيابة العامة، وأكد سبب الوفاة دون أن تنهي النيابة عملها. وفيه افتراء على الأطباء واستخفاف بعقولهم، الأطباء الذين شاهدوا الجثة فور اكتشافها والأطباء الذين كتبوا التقرير الطبي.. وعليه نحن لن نتخلى عن القضية، للأسف جاء تحرك النقابة متأخرًا قليلًا لأن أطباء المستشفى لم يتقدموا بأي شكوى، لكننا نتواصل معهم الآن، وسنبقى معهم عند شهادتهم لدى سلطة التحقيق تحسبًا لتعرضهم إلى أي ضغوط أو تهديدات».

إذن، ماتت الطبيبة سارة أبو بكر، تخلى الأهل عن حقهم المباشر خوفًا من تشريح الجثة، غير أن الأطباء سواء في المستشفى أو في النقابة مصرون على إكمال التحقيق، على الأقل للرد على الوزارة، وهو ما أكده أحمد فتحي: «الأهل تخلوا عن الحق الشخصي، حق المجتمع والأطباء لن نتخلى عنه.. كل أطباء المطرية معرضين لما تعرضت له سارة. وهذا أكبر مستشفى تعليمي في مصر، فما بالك بأي مستشفى عام آخر».

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن