«حالًا».. هكذا يتحرك «التوك توك» في عالم التطبيقات
 
 

ألهم نجاح تطبيقات «أوبر» و«كريم» للنقل التشاركي تجارب أخرى حاولت محاكاتها، سواء على مستوى «التاكسي الأبيض» مثل تطبيقات «العربي كار»، و «وصلني»، و«مبادرة تاكسي واتس». هناك أيضًا سوق جديد: تطبيق لطلب التوك توك اسمه «حالًا».

على عكس «أوبر» و«كريم»، لم تحقق أي من هذه التجارب اﻷخرى نجاحًا مقاربًا. ربما تفشل معظم الشركات ﻷنها تنافس أوبر وكريم في سوقها اﻷساسي، وهو نقل الركاب عبر السيارات. لكن ماذا عن تطبيق للتوك توك؟

يمكن الانتقال عبر سيارات «أوبر أو «كريم» من حي إلى آخر، لكن اﻷمر يقتصر على الأغلب على الشوارع الرئيسية، ولا يصل إلى الحواري والأزقة الصغيرة. هذه هي فرصة التوك توك الذي يجيد التحرك في الحواري والشوارع الجانبية، ويراوغ مطباتها وتكسيرها بمهارة. هذا هو ما سمح لسوق التوك توك بالتوسع بشكل كبير خلال اﻷعوام الماضية.

أُطلق تطبيق «حالًا» في نوفمبر 2017، وهو اﻷول من نوعه في سوق التوك توك، لكن هذا في حد ذاته لا يضمن النجاح. يبدو مستقبل التطبيق غامضًا، في ظل الصعوبات التي تواجه عمله، خصوصًا بعد رفض الحكومة المصرية ضمّ الدراجات البخارية والتكاتك إلى السيارات في قانون تنظيم خدمات النقل البري للركاب باستخدام تكنولوجيا المعلومات، والذي أقره مجلس النواب في مايو الماضي.

إلى جانب هذا، تواجه التطبيقات المماثلة صعوبات أخرى عند نقل الخدمة إلى عالم التطبيقات. السؤال اﻷساسي يصبح: هل يمكن تقديم جودة عالية، مع تحقيق الربح في الوقت ذاته؟ هل يستطيع التطبيق التعرف على حاجات مستخدميه في المناطق التي يتواجد بها وإشباعها؟

توجهنا بأسئلتنا إلى كريم يسري، مسؤول التواصل الإعلامي في الشركة المنتجة للتطبيق، لكنه رفض اﻹجابة ﻷن إدارة الشركة لا ترغب في التحدث للإعلام عن «حالًا» في هذا الوقت، دون توضيح اﻷسباب.

قام «مدى مصر» بتجربة التطبيق في مناطق مختلفة. على شاشة التطبيق، كان الرد المتكرر أنه «لا يوجد سائقين» في محاولات مختلفة قمنا بها لتجربته. لماذا لا يوجد سائقين؟

بالأرقام هذا ما نعرفه عن التوك توك في مصر

كيف يعمل التطبيق؟

تصميم التطبيق يشبه نوعًا ما تصميم تطبيقات «أوبر وكريم». تعرض الصفحة الرئيسية له خدمتين يقدمهما، وهما نقل اﻷشخاص خلال طلب توك توك أو دراجة بخارية، وتوصيل الطرود عن طريق دراجة بخارية أو تريسيكل.

قبل اختيارك للخدمة التي تفضلها، يوفر التطبيق خانة لإدخال «برومو كود» الذي يتم إرساله إليك عند تحميل التطبيق لتشجيعك على تجربة الخدمة، وقد تجده أيضًا مُعلنًا على صفحتهم على فيسبوك. عند ضغط أيقونة «توك توك» أسفل خانة «حالا توصيل»، سيظهر خانة مسار الرحلة. تحدد موقعك بالاستعانة بخرائط جوجل ووجهتك. سيظهر التطبيق بعد ذلك التكلفة المحتملة للرحلة، قبل تأكيدك لطلبك أو رفضك له.

حسب تعليق لصفحة «حالًا» على أحد منشوراتها، تتوافر الخدمة بعدة مناطق بمحافظات الجيزة، القاهرة، الاسكندرية، المنيا، الأقصر، القليوبية، القناطر، شبين القناطر. حاول «مدى مصر» تجربة الخدمة في أربع مناطق بمحافظتي الجيزة والاسكندرية.

في محافظة الإسكندرية، حاولنا تجربة الخدمة في منطقتي محرم بك والسيوف، وهي مناطق أوضحت صفحة التطبيق أنه يعمل بها. عندما حاولنا طلبه بمنطقة السيوف جاءت لنا موافقة بالفعل، وبعد انتظار عدة دقائق بدأ السائق الرحلة وأنهاها قبل أن يصل لنا. حاولنا الإتصال به لمعرفة السبب إلا أنه لم يرد في حينها. عاودنا الاتصال، وبرر السائق قيامه بذلك لتعطل هاتفه، وأنه حاول الاتصال بنا للاعتذار إلا أننا لم نرد على مكالمته. حاولنا التجربة مرة أخرى بمنطقة السيوف لكن لم يظهر لنا سوى نفس السائق. كررنا تجربتنا بمنطقة محرم بك، لكن لم نلقِ سوى أنه «لا يوجد سائقين».

في محافظة الجيزة، تكرر فشل المحاولات، باستثناء مرتين فقط في منطقتي العمرانية والهرم. بعد طلبنا في منطقة مشعل بالهرم لـ«توك توك» عبر «حالًا»، دون تحديد وجهتنا، جاءت لنا موافقة على طلبنا من أحد السائقين، وظهرت بياناته أمامنا. بعد مرور نحو دقيقة اتصل بنا أحمد مناع السائق الموافق على طلبنا، ليتبين وجهتنا بالتحديد، وموقعنا، ثم اتصل مرة أخرى ليتأكد من موقعنا  و أخبرنا قدومه في خلال دقائق قليلة.

أحمد سائق توك توك مُهذب، لا يتحدث إذا لم تبادر بالحديث إليه. اعتذر في بداية الرحلة عن عدم ارتدائه السترة الخاصة بـ«حالًا». وعلى عكس العديد من التكاتك الأخرى، لا تصدح السماعات بأغاني مزعجة.

«أنا أول واحد اشتغلت بحالًا هنا في المنطقة»، يقول أحمد، الذي أوضح أنه علم بـ«حالًا»، عن طريق شركة «مشروعي»، وهي شركة تقدم خدمات إستشارية للتمويل متناهي الصغر، من خدماتها تقسيط مركبات «التوك توك والتريسيكل» وأسستها شركة «غبور أوتو» -بحسب الصفحة الرسمية لها- أكبر مستورد للتكاتك في مصر. «طلبوا مني أكون معاهم لما تعاملوا معايا ولاقوني شخص كويس»، رد أحمد بهذا عند استفسارنا عن كيفية التحاقه بـ«حالًا»، وأضاف أنهم لم يقوموا بتحليل مخدرات له، لكنهم طلبوا بطاقته للكشف عليه والأوراق التي تثبت ملكيته للتوك توك، ثم قاموا بتدريبه على استخدام التطبيق.

لم يكن التوك توك مرخصًا ﻷن التطبيق لا يشترط ترخيص التكاتك، وهو موقف منطقي. بحسب تقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إجمالي عدد التكاتك المرخصة بمصر 125 ألف مركبة فقط، من ما يقارب 3 مليون توك توك، وهو ما يعني إنه في حالة اشتراط ترخيص التوك توك سيتمّ استبعاد انضمام عدد ضخم من التكاتك للتطبيق.

يشعر أحمد بالارتياح من استخدامه للتطبيق، فـ«حالًا»، لا تحاسبه على عدد الرحلات التي قام بها شهريًا فقط، بل تحاسبه على كل ساعة يقوم بتشغيل التطبيق فيها حتى لو لم يقم برحلات.

كل شئ كان مُرتبًا. بعد الوصول إلى وجهتنا، ظهرت تكلفة الرحلة جنيه واحد فقط ﻷننا استخدمنا «برومو كود»، ولكن أحمد أخبرنا بأن التطبيق «معلق»، ثم أردف بابتسامة لزجة «نحسبها بـ5 جنيه، مرضي؟».

التجربة الثانية كانت في منطقة العمرانية. بعد 10 دقائق من طلبنا «التوك توك»، وصل السائق وائل صلاح لنا. هذه التجربة كانت أكثر احترافًا، بداخل التوك توك وعلى مؤخرته كان عليها ملصق لـ«حالًا».

قال وائل صلاح إنه علم بالشركة من خلال صفحتها على فيسبوك، وتقدم بطلب الالتحاق بها. سُئل عن بطاقته وأوراق ملكيته للمركبة فقط، ثم تدرب على استخدام التطبيق بعد الموافقة على طلبه.

لكن صلاح يشكو من الاستغلال السيئ للخدمة، حسب وصفه، بواسطة بعض المستخدمين. «بيطلبوني على مشوار 200 و300 متر وفي الآخر الحساب بيبقى 2 جنيه». كما لا يروق لصلاح استخدام البعض «البرومو كود»: «مفروض ذوقيًا حتى لو طلعلك الرحلة ببلاش أو بمبلغ قليل تراضيني».

لكن هذا لا يوقف وائل عن استخدام التطبيق. مثل أحمد، يرى وائل أن فكرة المحاسبة على الساعات حتى دون العمل خلالها فكرة مشجعة، ولهذا يرى أنه حتى إذا لم يحقق التطبيق له فائدة كبيرة، فإنه لن يسبب ضررًا. «حاجة مفتوحة جنب الشغل، جه منها حاجة يبقى خير وبركة، ماجاش ما خسرتش حاجة مانا كده كده بلف اشتغل»، يقول وائل.

عند طلبنا تصويره في نهاية الرحلة، شعر وائل بسعادة بعدما تردد في البداية بسبب سوء حال مركبته، لكنه سرعان ما ارتدى سترة «حالًا»، وابتسم بجوار مركبته. حاسبنا وائل في نهاية الرحلة بنفس المبلغ الذي احتسبه التطبيق. كررنا الرحلة ذاتها ولكن في توك توك غير تابع لـ«حالًا»، وكانت تكلفة الرحلة مشابهة لها.

لماذا قد تنتهي هذه التطبيقات إلى الفشل؟

فور نشرنا لمنشور على أحد المجموعات على فيسبوك التي تضمّ عددًا كبيرًا من المستخدمين، لاستطلاع رأيهم في تطبيق «حالًا»، جاءت تعليقات هجومية من تعليقات مستخدمين سلطت الضوء على بعض الأسباب التي تؤدي لفشل مثل تلك التطبيقات.

يشتكي طارق أحد مستخدمي التطبيق في حديثه لـ«مدى مصر»، من قلة عدد السائقين، فضلًا عن الأسعار التقديرية غير المنطقية من جانب التطبيق، والتي تؤثر على تشجيع السائقين أو المستخدمين على استخدام التطبيق. «في مرة تقدير الرحلة 5 جنيه وأنا عارف إنها أقل حاجة 10 جنيه، فطلبت الرحلة لكن قالي مفيش سائقين»، يقول طارق. بعد 13 محاولة لطلب رحلة دون نجاح لأي منها، اضطر طارق لحذف التطبيق.

يُفضل سعيد -مستخدم آخر للتطبيق- استخدام التطبيق لشعوره بالارتياح من التعامل مع سائقيه إلا أنه يعاني من مشكلة انخفاض عدد السائقين وسوء توزيعهم. على سبيل المثال، يعمل التطبيق في منطقة الوراق، لكنه لا يتوافر في منطقة بشتيل في محافظة الجيزة. مع هذا، يستخدم طارق التطبيق في الحصول على توك من منزله في بشتيل إلى الوراق، لكنه لا يستطيع استخدامه من الوراق إلى بشتيل.

في البداية كان هاني سعيدًا باستخدامه لـ«حالًا»، لتفاديه الشجار مع السائق حول الأجرة، وهو ما دفعه لتحميل التطبيق، لكن موقفه تغير بعد ذلك في أحد المرات بعد طلبه توك توك. عندما تواصل معه السائق هاتفيًا، علم أن معه «برومو كود»، فبدأ الرحلة دون الوصول إليه، وأنهاها، ليحصل من الشركة على قيمة الرحلة، وضاعت على هاني الرحلة المجانية.

تتسبب قصر المسافات التي يقطعها التوك توك في انخفاض الأجرة، وهي مشكلة يحاول التطبيق تجاوزها عبر تحديد أجر ثابت للسائقين بمجرد تشغيلهم للتطبيق حتى دون القيام برحلات. اعتمدت «أوبر» على استراتيجية مماثلة في السنوات اﻷولى لعملها، وهو ما تمكنت منه بسبب توافر رأس مال ضخم يتيح لها التغاضي عن تحقيق أرباح في البداية. لكن تطبيق «حالًا» قد لا يستطيع الاستمرار في تحمل نفقات بهذا الحجم.

من جانبها، لا ترى نجلاء سامي، نقيبة سائقي التوك توك -نقابة مستقلة- ضرورة لوجود تطبيق مثل حالًا. «التكاتك ماليه الشوارع، إيه اللي يخليني أقف في الشارع وأطلب توك توك من الموبايل واستناه عقبال ما ييجي؟ ما أركب على طول أي توك توك من الموجودين»، تقول نقيبة سائقي التوك توك.

اعلان
 
 
محمد أبو عميرة