تعديلات لا تنهي المعاناة.. هكذا تنظم «شمال سيناء» التزود بالوقود
 
 
طابور سيارات أمام واحدة من محطات التزود بالوقود في مدينة العريش
 

في 4 أكتوبر الجاري أعلنت محافظة شمال سيناء عن السماح بصرف 30 لترًا وقود كل أسبوعين لكل سيارة في مدينة العريش من ثلاث محطات فقط، بعد تقسيم السيارات لثلاث فئات؛ ملاكي، وأجرة ونقل، وسيارات مرخصة خارج المحافظة. وحُددت أيام محددة للتزود بالوقود لكل من هذه الفئات بحسب أرقام اللوحات المعدنية المخصصة لكل سيارة سواء كانت زوجية أو فردية. المنظومة الجديدة هي تطوير لمنظومة سابقة تمّ الإعلان عنها في سبتمبر الماضي، تسمح بصرف كل سيارة 15 لترًا من الوقود في اﻷسبوع الواحد، من محطة واحدة داخل العريش، وهو القرار الذي أدى تنفيذه إلى وجود طوابير طويلة من السيارات امتدت لكيلومترات تنتظر دخول محطات الوقود.

«منظومة أكتوبر» لاقت قبولًا نسبيًا لدى سُكّان العريش، خاصة بعد حالة الغضب التي أنتجتها المنظومة السابقة، وأيضًا لكونها تأتي بعد ثمانية أشهر من منع صرف الوقود للسيارات في شمال سيناء تزامنًا مع انطلاق العملية الشاملة «سيناء 2018» مطلع فبراير الماضي.

الشهور الثمانية كانت شاهدة على ألوان مختلفة من معاناة السيناويين طلبًا للوقود، بداية من اللجوء للـ «سوق السوداء» وحتى «منظومة سبتمبر» وتعديلاتها في شهر أكتوبر الجاري.

أزمة شديدة

مثلت أزمة منع الوقود داخل شمال سيناء أزمة حقيقة ضمن أزمات متعددة خلقتها العملية الشاملة «سيناء 2018»، نتج عنها شلل تام في جميع مدن المحافظة خاصة مدينة العريش التي تضمّ الكتلة السكانية الأكبر، على إثر قلة المواصلات العامة وتوقف جميع السيارات الملاكي، وتقطعت الصلات بين أحياء المدينة، وباتت أطرافها في عزلة تامة، وجاءت تلك الأزمة في أوقات حرجة من العام أبرزها امتحانات طلاب الثانوية الذين اضطروا للسير لمسافات طويلة للوصول إلى أماكن دروسهم الخصوصية ولجان الامتحانات.

مع بداية شهر يونيو الماضي وبناءً على تحسن طرأ على الأوضاع الأمنية داخل مناطق العمليات العسكرية خاصة في رفح والشيخ زويد والعريش أعلنت المحافظة بالتنسيق مع القوات المسلحة عن منظومة لصرف الوقود للأهالي أصحاب السيارات الملاكي وأصحاب السيارات الأجرة، عبارة عن 20 لترًا للملاكي، و30 لترًا للأجرة كل أسبوعين، على أن تستمر حتى نهاية العملية الشاملة.

ولكن الأحوال الأمنية لم تستمر هادئة، فتدهورت سريعًا بعد مقتل اثنين من المدنيين داخل العريش، وثلاثة عسكريين غربي المدينة في كمين أعده أفراد من تنظيم «ولاية سيناء»، وعلى إثر تلك الحوادث أُلغيت منظومة الوقود التي كان قد أُعلن عنها.

منظومة جديدة

في 10 سبتمبر الماضي، أعلن اللواء محمد عبدالفضيل شوشة، محافظ شمال سيناء، عن السماح بتزويد السيارات بالوقود من خلال فتح محطة واحدة في العريش، من خلال منظومة محددة تقوم على تقسيم السيارات لفئات محددة؛ ملاكي بأرقام فردية (يُخصص لها يوما الخميس والأحد) وأرقام زوجية (الثلاثاء) حسب اللوحات المعدنية الخاصة بالسيارة، وأجرة ونقل (يُخصص يوما السبت والأربعاء للوحات ذات الأرقام الفردية، والإثنين للوحات ذات الأرقام الزوجية)، فضلًا عن تخصيص يوم الجمعة للسيارات المُرخصة من خارج «شمال سيناء»، على أن تمنح كل سيارة 15 لترًا في الأسبوع، وذلك في حين تتواجد بالمدينة 12 محطة.

وتزامن مع بداية تفعيل المنظومة الجديدة انقطاع التيار الكهربائي عن مدن العريش ورفح والشيخ زويد، في سبتمبر الماضي، ما نتج عنه تأجيل العمل في منظومة البنزين لعدة أيام؛ فبدأت يوم الثلاثاء 18 سبتمبر.

بدأت هذه المنظومة الجديدة بطوابير طويلة من السيارات أمام محطة وقود ميدان النصر، وسط العريش، وامتدت لكيلومترات في الشوارع الرئيسية والفرعية وانتظار ساعات طويلة أمام المحطة للحصول على اللترات المحدودة. ما أدى لرحيل عدد كبير من السيارات دون الحصول على الوقود، تلك الطوابير نتج عنها حالة غضب على حسابات العرايشية على مواقع التواصل الاجتماعي ووصفوها بـ «طوابير الذُل»، فيما دعا البعض لمقاطعة منظومة البنزين وعدم الذهاب لمحطة الوقود.

ما دفع المحافظة لتعديل منظومة الوقود بداية من 6 أكتوبر الجاري، على أن يتمّ فتح 3 محطات في شمال سيناء، وصرف 30 لترًا من الوقود لكل سيارة كل أسبوعين كالآتي: 5 أيام للسيارات الملاكي التي تحمل أرقامًا زوجية وعددها 1307، وتخصيص محطة وقود لتلك الفئة، و5 أيام للسيارات الملاكي التي تحمل أرقامًا فردية وعددها 1422، وتخصيص محطة وقود لتلك الفئة، و5 أيام للسيارات الأجرة وعددها 3276 ومعها النقل، وخصص لهم محطة وقود، ويومين للسيارات التي تحمل أرقامًا من خارج شمال سيناء ومُلاّكها يقيمون في العريش.

خففت التعديلات الجديدة من زحام الطوابير، واضطرار أصحاب السيارات للانتظار لساعات أمام محطات الوقود والتي لم تنقطع بداية من 18 سبتمبر الماضي وحتى 5 أكتوبر الجاري، ولكنها خلقت أزمات أخرى؛ فخصصت المحافظة لفئة سيارات الأجرة والنقل محطة في منطقة المساعيد [أقصى غرب العريش] وتبعد عن وسط المدينة بنحو 10 كيلومتر.

أحد أصحاب سيارات النقل قال لـ «مدى مصر» إن المشوار إلى المحطة ذهابًا وعودة من وسط المدينة يحتاج نحو 5 لترات من السولار والحصة المسموح بها 30 لترًا فقط. في النهاية يتبقى 25 لترًا فقط عليه أن يقتصد فيها لكي يتمكن من إكمال الـ 15 يومًا. وأشار إلى معاناة أصحاب سيارات النقل المقيمين في ضاحية السلام، والريسة، ومناطق أقصى شرق العريش، موضحًا أن القرار يعتبر مجحفًا بالنسبة لهؤلاء السائقين وذلك لبعد المحطة المخصصة.

وحُددت محطة منطقة المساعيد نفسها لسيارات الأجرة، وتُخصص للسيارة الواحدة 30 لترًا كل 15 يومًا، وذلك رغم ما تستهلكه سيارات الأجرة من وقود. صاحب سيارة أجرة قال لـ «مدى مصر»: «إحنا أصلًا ما بنروحش المساعيد مع الزباين علشان بعيدة، خلّونا نروحها غصب عنّا علشان نمون.. والله حرام. الصح إنهم يزودوا كمية البنزين».

أضافت «تعديلات أكتوبر» يومًا آخر في الأسبوع لأصحاب السيارات المرخصة خارج شمال سيناء للتزود بالوقود، وهو الخميس. لكن أحد مُلاّك السيارات من تلك الفئة والذي يقيم في العريش قال لـ «مدى مصر» إنهم عانوا بشدة من المنظومة الأصلية عندما لم يكن أمامهم إلا يومًا واحدًا. موضحًا أن الوضع الحالي- بعد تخصيص يومين بدلًا من واحد- غير مُجدي، خاصة أن عدد السيارات المرخصة خارج المحافظة يقارب مثيلاتها المُرخصة داخلها.

وأضاف لـ «مدى مصر» أن مسؤولًا بالمحافظة أخبره بأنهم لم يكونوا على علم بأن عدد السيارات المرخصة خارج «شمال سيناء» بهذا الكم. وهو ما يؤكده تقاطر السيارات اللاتي رُخصت خارج المحافظة أمام محطات الوقود في يومي الخميس والجمعة المخصصين لهذه الفئة من السيارات.

فيما عبّر بعض أصحاب السيارات الملاكي عن عدم رضاهم عن تحديد لترات محددة لهم، خاصة في أوقات مهمة من العام مثل عودة الدراسة بكل مراحلها واضطرارهم لتوصيل أبنائهم للمدارس، فضلًا عن توجههم لمقرات عملهم بشكل يومي.

كما أبدى البعض اﻵخر عدم اقتناعهم بسياسة تحديد اللترات المسموح بها، إن كان الهدف منها هو قطع إمداد الجماعات الإرهابية بالوقود، والتي يمكن أن يستفيد من المنظومة مَن يتبعونها أو يتعاونون معها.

بعد مرور أسابيع على العملية الشاملة وبدء العمل بمنظومة «البون» لصرف الوقود في حال السفر، وكذلك تشغيل محطة وقود للسيارات الحكومية فقط. لم تكن تعمل إلا محطة واحدة من ثلاثة بوسط المدينة، وكانت قوات التأمين تتحرك بين هذه المحطات الثلاث كلما بدأت إحداها بالعمل، وذلك رغم توافر 12 محطة بالعريش. ما أدى إلى تفرقة بين أصحاب محطات الوقود، فقد توقفت بقية المحطات عن العمل منذ 9 فبراير الماضي.

مالك محطة وقود داخل العريش قال لـ«مدى مصر» إنه وأصحاب محطات أخرى تقدموا بعدة مذكرات للمحافظ السابق والمحافظ الحالي، للمطالبة فيها بتشغيل محطاتهم بالتبادل مع باقي المحطات داخل المدينة حتى تتوفر للجميع أرباح، وذلك مع تطبيق كل الإجراءات الأمنية. مضيفًا أن المحافظة لم تستمع إلى شكاوى أصحاب المحطات. وطالب المصدر نفسه بتشغيل باقي محطات الوقود بالتبادل مع المحطات التي اُختيرت للعمل حتى يستفيد الجميع.

ظهور السوق السوداء

منذ عام 2013، أغلقت سلطات الأمن محطات الوقود في مدينتي رفح والشيخ زويد لدواعٍ أمنية، واضطر مَن تبقى في المدينتين لقيادة سيارته نحو الـ 30 كيلومترًا حتى مدينة العريش للحصول على «تفويلة وقود»، وهو الأمر الذي نتج عنه سوق سوداء في المدينتين يُباع فيها الوقود ومشتقاته بأسعار باهظة، خلال السنوات الماضية، خاصة أن الأهالي يستخدمون الوقود لتشغيل مولدات الكهرباء؛ المصدر الوحيد البديل للتيار الكهربائي الذي لا يصل للمدينتين بشكل مستقر، وينقطع لأيام عنهما، وفي مرات لشهور.

مع «سيناء 2018» انضمت العريش إلى الشيخ زويد ورفح، وباتت المدن الثلاث بدون محطات وقود، هذا الوضع الاستثنائي الذي أفرزته العملية الشاملة، جعل الأهالي تحاول التغلب عليه بطرق مختلفة للحصول على كميات قليلة يحاولون إنجاز مهامهم بها داخليًا. بعد أيام من بداية العملية سمحت السلطات الأمنية بالسفر لأصحاب السيارات الملاكي من خلال تنسيقات أمنية إذا كانت هناك حالة مرضية تحتاج للعلاج خارج المحافظة، ومَن يريد السفر يقدّم شهادة مرضية يستخرجها بعد العرض على  لجنة قومسيون طبي في مستشفى العريش العام، بعدها يقدّم الشهادة المرضية للجنة تلقي طلبات السفر في ديوان عام المحافظة وبناءً عليه يستخرج «بون» يستطيع من خلاله الحصول على 15 لترًا من البنزين. وكان معظم أهالي المحافظة يستخرجون هذا «البون» للحصول على اللترات المحدودة وذلك دون مغادرة المحافظة.

استمر الحال على هذا المنوال حتى ظهور السوق السوداء داخل مدينة العريش، وذلك منذ إغلاق محطات الوقود بالتزامن مع بدء «سيناء 2018»، وحتى مطلع سبتمبر الجاري. وبحسب مصادر محلية، فإن أسعار الوقود كانت تُباع بأسعار مرتفعة؛ فتراوحت بين 200 إلى 300 جنيه للسولار للصفيحة التي تحمل 20 لترًا، بينما تراوحت أسعار البنزين من 600 إلى 750 لنفس الكمية.

فيما مَثل مخزون الوقود مع الصيادين المصدر الأول للسوق السوداء بعد أسابيع قليلة من بدء العملية الشاملة، والتي أوقفت عمل الصيادين ومنع الصيد على ساحل البحر المتوسط بالكامل، ما دفع الصيادون لبيع الوقود ليدر عليهم بعضًا من الأموال بعد توقف مصدر رزقهم الوحيد.

المصدر الثاني للسوق السوداء كان سيارات النقل الثقيل والمعدات الثقيلة المملوكة لشركات المقاولات والتي توقف نشاطها مع العملية الشاملة ومنع الخروج والدخول من المحافظة، والتي تحتوي على خزانات وقود كبيرة، وبدأ مُلاّكها ببيع لترات من الوقود مع توقف أعمالهم.

المصدر الثالث كان سيارات النقل التي كانت تخرج من شمال سيناء بعد عمل تنسيقات لها سواءً كان التجار يستأجرونها لجلب بضائع بالتنسيق مع الغرفة التجارية، أو سيارات النقل التي كانت تنقل الأثاث والمتعلقات الخاصة بالنازحين من مدينة رفح ضمن مساحة الخمسة كيلومترات المخصصة للمنطقة العازلة.

وبمجرد وصول تلك السيارات إلى مدينة العريش كان أصحابها يفرغون خزانات الوقود، ويبيعونه في السوق السوداء، لأنه في حال سفرههم خارج المحافظة يتمّ التنسيق لهم ويحصلون على لترات محددة تسمح لهم بالسفر مرة أخرى.

اعلان