Define your generation here. Generation What
«الجونة السينمائي».. خمسة سياحة
 
 
من فيديو أغنية 3 دقات
 

في الدورة الأولى للمهرجان المأسوف عليه «عالجنوب»، جلستُ مع أصدقاء في مرسى علم، على الجبل، وتحت النجوم، نستمع لنجوم «الأندرجراوند» في مصر وقتها؛ فريق لايك جيلي، ويسرا الهواري ومغنٍ لم أسمع عنه من قبل ينادونه بـ«أبو»، لا أذكر له شيئًا في تلك الليلة غير اسمه هذا. المزاج الطريف هيمن على الجلسة، «لايك جيلي» يغنون للدودة، وأهلًا يا مينا ويلكم تو سينا، في فاصل من الأجواء المرحة والاستخفاف وأحاسيس امتلاك العالم في عالم ما قبل 2013.

مرّت الأيام، ولم أسمع بـ«أبو» هذا ثانيةً، إلا في حفل ختام الدورة الأولى لمهرجان الجونة السينمائي، يؤدي مع يسرا أغنية مخملية تشبه أغنيتها الشهيرة «روح للناس يا حب»، في لقاء بين الماضي والحاضر، أو الأصالة والمعاصرة. بعد انتهاء المهرجان، نزل للأغنية فيديو كليب مصوّر بالجونة، ويضم مجموعة ممثلين منتقين بعناية من طائفة أبطال مسلسل «لا تطفئ الشمس» وأصدقائهم، وبغض النظر عن كونها أغنية منتجة للمهرجان، فيمكن كذلك اعتبارها أغنية صيفية من النوع المفضل لرواد الساحل. النجوم يركبون أتوبيسًا ملوّنًا، والسائق (أبو) يرتدي تيشيرتًا شبابيًا شيكًا، وشيرين رضا تقرأ رواية أحمد مراد على مركب وتتأمل، وتامر حبيب يرقص معها احتفالًا بالحب والشمس والحرية.

في الأغنية الرسمية للنسخة الثانية من الجونة، «العالم جُونا»، وبغض النظر عن الاستظراف اللغوي في عنوانها، نكون أمام نسخة ثانية من «3 دقات» وهذه المرة بكلمات أكثر مباشرة، وباشتراك عدد أكبر من الممثلين في الغناء، وتدلف من البداية لصلب موضوع أنها دعاية سياحية طويلة (وعشان كده العالم جونا/ شرفتونا خطوة عظيمة/ يعني أجازة بمعنى أجازة)، في كليب يشبه إعلانات الكومباوندات الجديدة، يستعرض رفاهيات حياة الجونة، وكل ذلك مغلّف بهالات عن الأحلام والنجاح و«الجنون»، مع كومة مشاعر طائرة هفهافة.

ذكرتني أغاني مهرجان الجونة بحفل افتتاح مهرجان «دي كاف»، هذا العام، والذي أحيته سميرة سعيد. أذكر اندهاشي وقت قرأتُ الخبر، وحين أخذتُ عيني تجري بسرعة على السطور، معتقدة أن في انتظاري تحويرة ما، على الأقل بسبب اسم المهرجان؛ وسط البلد لـ «الفنون المعاصرة». وقتها صرّح أحمد العطار رئيس المهرجان بأن: «سميرة تشبه دي كاف، فهو مهرجان يقدم عروضًا مميزة على الساحة المعاصرة بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى، ونجحت سميرة خلال مشوارها الكبير في أن تسلك طريقًا مختلفًا غير نمطي».

اختيارات حفلات الجونة و«دي كاف»، التي  لمّت الشامي على المغربي، والتي تحمل رسالة الحب السلام للجميع، وغير ذلك من الخواء الذي يذكرنا بعصر هضم الفراغ أيام مبارك، هي جزء من خطاب التنوع الذي يجري تقديمه بوصفه الجديد والمختلف، خطاب استيعاب جميع الأطياف، وانصهار المعطيات داخل بوتقة واحدة، الاختلاف والتقبل، الانسجام والذوبان، وكلنا واحد.

خطاب التنوع والتجانس هذا، الذي يطرحه «الجونة» و«دي كاف»، يستمد حيثيته من استعارتهما، بنسب مختلفة، فحوى خطاب طرفين آخرين ينسحبان، وهما الدولة التي فشلت في التواجد بكامل قوتها على الأرض؛ والمشهد المستقل (بين قوسين) الذي أخفق في فرض تأثير قوي، مقدمين توليفة جديدة، مرشحة، بدورها، لاحتكار واجهة المشهد الفني الفترة المقبلة.

1: سلّم على عمك نجيب يا ولد

يأتي مهرجان الجونة ليضيف إلى كاريزما «السوارسة». أقيم المهرجان بإدارة نجيب ساويرس في مدينة أخيه سميح، ليصبح تتويجًا لصورة العائلة الغنّية راعية الفن والفنانين. يمتاز الجونة بأجوائه السياحية؛ كومباوند ساحلي بعيد عن زحمة العاصمة، فنانون يتمشون بشورتات على البحر، مع سهرات احتفالية مطعّمة بأجواء المرح، بالإضافة إلى نجاحه في استضافة نجوم عالميين مثل سلفستر ستالوني وكليفي أوين وآخرين.

مع إشارات مكثفة إلى فساتين النجمات، والفخامة والبذخ، ركزت معظم الكلمات الافتتاحية، وفقرات السجادة الحمراء، على الفخر بأن «عندنا في مصر مهرجان منظم بهذا المستوى العالمي». اختيار «العالمية» ككلمة السر، كان لتأكيد جدارة المهرجان بوراثة «القاهرة السينمائي» حيًا، والذي يشدد على كونه المهرجان «الدولي» الوحيد في المنطقة. الدولي تعني أنه مهرجان رسمي «مُعترف» به ضمن قائمة مهرجانات العالم؛ أنت دولي لكن أنا عالمي.

في دورة العام الماضي من «القاهرة السينمائي»، والتي تلت «الجونة»، كان الوعي بانسحاب البساط من مهرجان الدولة واضحًا، ما دفع الكثير للتشديد على وصف « دولي» وهم يصفون سعادتهم بحضوره، خاصة حسين فهمي، رئيس لجنة التحكيم، الذي رد على سؤال مذيعة «دي إم سي»: «بعيدًا عن كونك في لجنة التحكيم، الفنان حسين فهمي يحب يتفرّج على ايه؟» بـ «أنا مهتم أشوف الأفلام المصرية، اللي هتبقى موجودة خارج المسابقة الرسمية، لأنها شاركت في مهرجانات قبل كده»، ثم يُكمل: «واللي يدخل مهرجانات سابقة ما ينفعش يشارك في مهرجان دولي زي القاهرة». كانت هذه الدورة الأولى للقاهرة بدون مشاركة أي فيلم مصري في مسابقتها الرسمية، بسبب أنهم فضلوا الاشتراك في «الجونة».

اهتمت الدورة الأخيرة لـ«القاهرة»، بمنافسة الجونة «سياحيًا»، فلأول مرة منذ سنوات عديدة يُقام المهرجان خارج دار الأوبرا، في مركز المنارة للمؤتمرات والمعارض، الصرح الذي شيدته القوات المسلحة بالتجمع الخامس، وافتتحه الرئيس عبد الفتاح السيسي في 9 أكتوبر من العام الماضي. أما بخصوص الدورة المقبلة، فقد عُين محمد حفظي، المؤلف والمنتج وصاحب شركة «فيلم كلينك»، والمنتمي بدوره للأجواء الجديدة، رئيسًا للمهرجان.

اعصر ذهنك وحدّد الفارق بين كلمتي «دولي» و«عالمي». اعصر ذهنك جدًا، لأن على وزن هذا الفارق، يكون الاختلاف بينهما. بغض النظر عن البذخ والصرْف، فبشكل هيكلي تمامًا، ليس «الجونة» (وإخوته من جوائز ساويرس الأدبية)، مع مهرجان مثل «دي كاف» إلا وراثة متأخرة بعض الشيء، لفشل الدولة في احتضان المشهد الفني، خاصة بعد 2011. هو أحد تجليات المشروع النيوليبرالي الذي كان يتحضر لوراثة الدولة، وبرعايتها، ومشاركتها، بعد هزيمة المشروع القومي لدولة 52، الحقبة الجديدة للنيوليبرالية الدولتية، الطوْر الذي عطلته «الثورة» مؤقتًا.

كان حراك 2011، محركًا وغطاءً لمشهد فني ما قدّم نفسه باعتباره «هامشًا»، وارتكز تمويليًا بشكل ما على منح التنمية الأوروبية والأمريكية، وجاء بدوره على شكل موجات متتالية، سبقت وتلت هذا التاريخ. وبفشل هذا الحراك، أربكت الاقتراحات الجديدة التي أفرزها، والمعبّرة عن مزاجات مختلفة لم تكن في الحسبان، المشهد قليلًا، فارضة ضرورة إعادة هيكلة لهذا الواقع، وفتح قنوات تفريغ لما أفرزته، وترتيب الأوراق بشكل جديد.

لذا، لم يرث «الجونة» و«دي كاف»، وما على شاكلتيهما، فشل مشروع الدولة وحسب، وإنما «فشل» «الثورة» أيضًا، التي بهزيمة لاعبيها، وبطرح هؤلاء اللاعبين معطيات جديدة في نفس الوقت، توجبت إعادة تقسيم الهوامش والمراكز، وهذه المرة في بطولة مشتركة بين رأس المال، في نسخته الجديدة من الطبقية المتحررة الخفيفة الأشرس، الأسرع في إتمام الدورات، والأكثر خفة في التعاون مع كل مَن يمكن الخروج منه بمصلحة، وبين الدولة المزاحمة كلاعب أساسي يتقمص دور السمسار الشريك والمستثمر الذي ينتهز لحظة الارتباك، متمسكة بموقعها كراعٍ رسمي للثقافة، وكحارس بوابة يمسك بقبضة يده الحنفية، يفتحها ويقفلها حسب مزاجه، في رجوع لخطة ما قبل الثورة.

2- الجونة هو القاهرة..  بعد وش نضافة

يقدم الجونة نفسه بوصفه «متمردًا» على الدولة وتكلسها، في تماحك مع خطاب ثورة «الشباب»، مسهبًا في استخدام كلمات كـ «مختلف» و«حاجة جديدة»، إلى آخر هذا القاموس. وبالفعل، هو يختلف عن القاهرة في كيانه التنظيمي، فيعتمد على توظيف الشباب الذين بدأ طيفهم يلمع، ويتقاطع الكثير منهم مع المشهد البديل، أو بدون خصام مع توجهات ما يمكن تسميته بـ «الأندرجراوند المين استريم». كيانات السوق، في النهاية، عاوزة دم جديد، لتجديد شبابها.

في «3 دقات» و«العالم جونا»، اختار المهرجان من سيمثل صورته بعناية، من الوجوه المحسوبة على المشهد السينمائي الرسمي الجديد (آسر ياسين/ جميلة عوض/ أحمد ممدوح/ شيكو وهشام ماجد/ دينا الشربيني/ ياسمين رئيس/ أحمد داوود/ تامر حبيب)، والمنتمين طبقيًا في الوقت نفسه لشريحة معينة.

وفي «العالم جونا»، يفصح هؤلاء الممثلون بدقة عن الكيفية التي يطرح بها المهرجان نفسه على الساحة، ويتباهون، بكلمات تامر حبيب، شارحين كيف كان المهرجان حلمًا صعب المنال، لكنهم آمنوا بأنفسهم، وحطموا كل الصعاب، غير مكترثين بأن يصفهم الآخرون بـ«الجنون»: وقبل ما نيجي هنا دلوقتي سمعناهم بيقولوا مساكين/ فاهمين ينفعوا يحلموا أكبر من كده/ أكيد مجانين. ويقولوا يا ستي يقولوا/ ماشي تمام إحنا مجانين/ مجانين بس نعيش.

يستغل المهرجان خطاب الاختلاف والتمرّد هذا، الذي يستعير بشكل ما تقاطعًا مع حراك 2011، في تسويقه في سوق المشهد البديل، باعتباره هو شخصيًا بديل أو هامش أقرب إليهم من الدولة، ومناسبة سعيدة للالتقاء في خطوط ومصالح مشتركة. لكن هذا التقاطع، في الواقع، بيلبس طاقية ده لده، ويستمد جوهره من تحررية رأسمالية، أكثر استعدادًا للاشتباك مع المعطيات الجديدة، وتوظيفها داخل دورات إنتاج واستهلاك، وأيضًا من ممارسات طبقية احتفائية.

لكن خطاب احتضان الشباب، والذي يُقدّم باعتباره الثورة والجديد، ينتمي بدوره لخطاب الدولة القائم على استيعاب الشباب، والذي يتجلى مثلًا في مؤتمراتها لهم. ومثلما غنّى أبو مع يسرا، غنّى «بلاك تيما» لمؤتمرات السيسي. الاختلاف الوحيد يكمن في التفاوت بين نوعي الشريحتين الاجتماعيتين للشباب التي يحتضنها كل من الكيانين.

من ناحية أخرى، فـ«الجونة»، وإن ادعى الاختلاف عن الدولة بفكاكه من بيروقراطيتها، وبتخلصه من قيود مكبلة تعطله عن أن يعمل ويمر، لا يختلف بشكل ما عن جوهر مشروعها، وإنما يتواءمان ويتلاقيان، بطريقة مدهشة، في خطوط عريضة، بسبب انتماء الجونة الطبقي، وخصوصية وضع هذه الطبقة الآن في مصر.

بالتبعية، لهزيمة المشروع القومي للدولة، جرى توريث «سقط متاع» خطابها الفني المحافظ الضيق والمحدود، والنابع من ارتباك عام تجاه الحداثة، لأبواق الطبقة المتوسطة العليا، ولممثليها من وعاظ دينيين وسياسيين وفنانين، أعادوا تحديثه بدورهم، منفضين إياه من تراب البيروقراطية، مع تزييته وإعادة تركيبه في الماكينة، ليصبح ترسًا أكثر كفاءة، وليكمل دوره في ترسيخ تراتبات الوضع القائم.

امتداد محدّث وموجع لتاريخ الدولة الطويل من «التقييف»، والتدجين بالفن، والمحاضرات الدرامية الوعظية المكثفة، والدروس التربوية الأليمة، والبرامج التلفزيونية التدجينية. لذا وبشرعيته الطبقية، فما يفعله وما سيفعله، مهرجان الجونة، لا يختلف كثيرًا عما كان يمكن للدولة، في طورها النيوليبرالي، أن تفعله، لولا ما تمر به من ظروف خاصة في «محاربة الأشرار»، لكن إضافته هنا هي لمسة «الشياكة» الطبقية، والدعاية لشعائر تكرس للتوجهات الاستثمارية، في فعاليات كمنصة الجونة السينمائية، التي تقوم على فكرة تنظيم ورش لصنّاع الأفلام، مع عدد من «خبراء» الصناعة، على غرار ورش المهرجانات الكبرى، لتعليمهم مهارات توزيع وتسويق وجذب تمويلات لصناعة أفلامهم؛ كاتالوج الفنان الصغير للدخول إلى السوق، لامتلاك مفاتيح اللعبة. اللعبة الوحيدة المعترف بها، ومن خلال نفس المنصة، ووفقًا لنفس القيم، يمنح عطايا تمويلية لمشاريع سينمائية.

في الدورتين الأوليين للمهرجان، مُنحت عطايا تمويلية لعدد من المشاريع المقدمة من خلال منصة الجونة، كجزء من دعم الفنانين الشباب، لكن لا يخفى على المتابعين الفارق الكبير بين الدورة الأولى والثانية. في الأولى شعشعت شمس الاختلاف والتنوع في الأفق، سواء على مستوى المدعوين أو المساحات التي تُركت للقادمين من المشهد المستقل. بينما في الثانية فوجئ الحضور بسفلتة سريعة للغاية لحلاوة الروح هذه، ودخل رعاة مستثمرون وشركات إنتاجية إلى ملتقى الجونة السينمائي، وعُيّن ممثل عن كل منهم في لجان تحكيم المنح التمويلية.

في الدورة الثانية أجاب المهرجان بشكل أفضل على سؤال توجهاته، كما وضّح إلى أي درجة يصل صراعه مع الدولة. فبينما قدّم نفسه في الأولى بوصفه متمردًا ومتحيزًا لخطاب التجديد، قلّت حدة هذا الصراع في الثانية، لدرجة أن وزيرة السياحة ألقت كلمة في حفلي الافتتاح والختام، تشيد فيها بجهود المهرجان في تنشيط السياحة.

أيضًا جرى تبني حفلات الجونة في قنوات الإعلام الرسمي، لتتحوّل لسهرات تذكر بـ«ليالي التلفزيون»، ويتحوّل الجونة لفعالية رسمية، حائزة على شرعية الدولة، ومباركتها، وتعكس بشكل ما رؤيتها لدورها في الفن: السماح بمساحات تنافسية مختلفة في ظل سوق تديره هي. تخلع يدها بشياكة، لكن تسمسر، وتتمسك بصورتها كراعية للمشهد الثقافي من فوق، وتتدخل وقت اللزوم.

3:  كومباوند السكان الأصليين

جرى تدشين «الجونة» بالتزامن مع تأميم الدولة لمنصة نجيب ساويرس الإعلامية، قناة «أون تي في»، التي كانت تصل لقطاع واسع من الجمهور، بحكم كونها قناة تلفزيونية. أخذت منهم الجماهير، وتركت لهم ميزاتهم الطبقية، فليحتفلوا بأنفسهم بعيدًا عن شعبها. وبالفعل، يتزامن تعريف المهرجان لـ «العالمية»، مع وعيه واحتفائه الذاتي بطبقته، وأننا عملنا حاجة «تشرف» و«نضيفة» و«شيك». الجميع مبهور بأجواء النضافة، المقابلة لصورة مهرجان القاهرة المُترَب.

يحيل الأتوبيس الملون في كليب «3 دقات» للتوكتوك الملون في سلسلة إعلانات «جونة نيتفز»، والتي انطلقت قبل عدة أشهر من انطلاق النسخة الأولى للمهرجان، بغرض تسويق المدينة التي تعاني من نقص السُكّان. تقدّم السلسلة نماذج لشباب «كرييتف»، نزحوا للجونة، يعملون فري لانس، ويبشرون بنمط حياة هيبي متحرر، ضد أجواء الحياة في المدينة والشركات، أناس تمردوا على المجتمع، وتحرروا من عبء الوظيفة، ويلعبون الآن اليوجا على البحر، ويتمشون في شوارع مدينتهم بالباتيناج، ويروجون لنمط حياة يختلط  فيه أبناؤهم بأطفال من جنسيات أخرى، التعليم المفتوح، وما إلى ذلك.

تلوّح سلسلة الإعلانات لزبائنها بوسام «السُكّان الأصليين»، الذي سيتقلدونه في حال نقلوا حياتهم هنا، بكل ما يثيره من بريق الاستحقاق والأصالة. يصف هؤلاء «المهاجرون» أنفسهم بـ «المغامرين»، الذين سيفتحون أرضًا «جديدة».

بالقطع السلسلة ليست نبتًا شيطانيًا، بل امتداد لخط طويل من الإعلانات، طفحت الفترة الأخيرة، تقدم براند «التمرد» كعملة سوقها ماشي اليومين دول. وتعريفها للتمرد هو مزيج من الهيبية البورجوازية (بو بو)، مع نوع من السياحة الطبقية، فتستعير أجواء السُكّان الأصليين (الفقراء) وتعيد إنتاجها على هيئة أداءات «تحررية»، بها الجرعة المنضبطة من توابل الثورة والاختلاف.

إعلان «الجونة نيتفز» كان مستفزًا للعديدين، وفجّر صراعات على مواقع التواصل الاجتماعي تتعلق بالطبيعة الطبقية لمحتواها. لكن إذا دققت لن تجد أي طبقية في الإعلان، فهو لا يفترض أصلًا وجود جماهير، ولا يخاطبهم، ولا يتنطط عليهم، ولا أي شيء. يتحدث معظم أبطاله بالإنجليزية، دون ترجمة، لأنه يستهدف بدقة شريحة اجتماعية معينة، من الطبقة المتوسطة العليا، من رواد الأعمال الناشئين، وتحديدًا نوعية الأعمال القائمة على تقديم اقتصاد خدمي للشريحة الأغنى.

الجونة ليست فقط مدينة جديدة بكر تبحث عن سُكّان، وإنما «شيك» وهذا هو الأهم، ينتمي زوارها لشريحة النجوم التي ظهرت في «3 دقات»، التي لا تعبر بدورها عن شيء، ولا حتى عن السينما، بل إنها أغنية حب عادية، تبيع الـ «لايف ستايل» للشريحة العليا للطبقة المتوسطة.

في «الجونة نيتفز» و«3 دقات» و«العالم جونا»، شفرات موجهة خصيصًا لهذه الطبقة، تميّزهم عن الآخرين، وتحوي نوعًا من التحرر البائس، الذي يستبطن إعجابًا بالذات، لا ينبع من تبني مفاهيم تقدمية، وإنما من إحساس بالتفوق الطبقي. خلطة ليبرالية عادية تبيع نفسها بوصفها «تقدمية» و«ثورية»، تقدمية شكلية محافظة على وزن «التدين المعتدل». والفن هنا هو الواجهة، البِيعة، والوجاهة الاجتماعية، الورود في فازة الصالون، المرآة التي ترى فيها الطبقة نفسها.

بالكومباوند البعيد الحصري لطبقته، يعمل كيان مثل «الجونة» على توكيد طابع انعزالي واغترابي للفن، بروح الجنترة gentrification  الثقافية والاجتماعية، التي تعبر عن نفسها بعلاقات استيطانية مع المكان ومع الفن، فكما سيصبح «المغامرون» سُكّانًا أصليين، وكما يتحول التحرر لمرادف للسياحة الطبقية، تتحول مقاربة الفن لسياحة فنية، تستخدم في الدعاية لمشاريع استثمار عقاري، وتستميت في خلق حدود صارمة لعزل الفن وقَصْره على طبقة معينة، في دوائر مغلقة تسمح بدخول دم جديد، لأنه بيّاع وبيجدد شبابها، ولكن لا تسمح في الوقت ذاته بالمساس بهيكلها العام.

تعمل كيانات مثل «الجونة» و«دي كاف» على تعزيز المسافة بين المشاهد وبين الإنتاج الفني، المسافة الكافية حتى لا يبرح هذا الإنتاج موقعه كمزار سياحي مدجج بلغته المغلقة، التي لا تنادي إلا على مَن يتكلمونها، صورة نتفرّج عليها، نتناقش حولها في الصالون الأدبي مع سيدة ارستقراطية، لا كائن حيّ نتفاعل معه، ليبدو الفن كشيء طريف، غريب، تنتفي منه أهداف التعبير، ويغدو الأمر غير متعلق بإنتاج فن، وإنما بتأكيد انتماءك لطبقة ما؛ كأداءات الإتيكيت، أو شرب النبيذ على العشاء، أو إرسال الأسر الغنية بناتها لتعلّم فن الباليه.

بعد كل الاهتمام بالتأكيد على الحصرية الطبقية، يتبنى «الجونة» بالطبع خطاب التنوّع وانصهار المختلفين والتجانس. وفي دورتيه الأوليين، جمع بين نجوم الصفوف السينمائية الأولى، مع فاعلين في المشهد الثقافي (المستقل أو البديل أو ..)، ليظهر عادل إمام ويسرا مع فناني وسط البلد، كبار الممثلين مع الوجوه المحسوبة على المشهد «المختلف»، مع أحمد مالك وعمرو سلامة، مع انتشال التميمي وأبو ومروان يونس.

لكن سَلَطة الفواكه هذه، التي قُدّمت باعتبارها جمعت المختلفين، ليست سلطة عشوائية. فمن وسط البلد، دُعي الفنانون والفاعلون «الكول» المنتمون لطبقة معينة مكنتهم من الانفتاح على المشهد العالمي، وظهرت عليهم أمارات نجاح في دوائر ما، تجعل وجودهم مكسبًا لتلميع صورة المهرجان كحاضن للتجديد. وبين نجوم الدولة المصرية، اهتم المهرجان، بجانب اهتمامه بالرموز الكبرى، بعينة أمينة خليل ومن على نفس موجتها.

وجغرافيًا، يقام الجونة في كومباوند، لا يستطيع الجمهور العادي من الطبقات الأخرى دخوله، فضلًا عن مشاهدة الأفلام المعروضة فيه، وإنما تقتصر مشاركته على متابعة سيل صور فساتين النجمات.

لم يُدع محمد رمضان للمهرجان، مع أنه ابن سوق وبيجيب فلوس، فلوس كتير الحقيقة، أكثر من إيرادات معظم المدعوين، ويركب سيارة لامبورجيني، وروش برضه وبيعمل أغاني راب زي أحمد الفيشاوي. لكنه نغمة نشاز وسط هذا الموكب الاحتفالي، ليس فقط لحركاته الاستفزازية، ولكنه لأنه بالفعل ممثل لطبقة أخرى، والأفدح أنه غير منسحق تجاه شرعية «نوع» الفن الذي تشجع عليه فعاليات كالجونة.

رمضان، بدوره، بالطبع، لا يؤمن بالفن من أجل الفن، ولكن، سواء برغبته أو بطبيعة الظروف، أصبح بوقًا لطبقة أخرى، في دورة زمنية تشهد مصر فيها حراكًا اجتماعيًا، واحتقانًا طبقيًا غير مسبوق، انعكس في تعطش كل طبقة لاستهلاك فن صنع خصيصًا لها، يخاطب توجهاتها الخاصة، وغير مشغول بالتعاطي مع الطبقات الأخرى.

لكن حالة الجونة والسوارسة تختلف، فهي ليست مجرد فعالية يرعاها أثرياء، أو تواجد بيزنس في سوق الفن. السبكي مثلًا بيزنس، ولكنه لا يدعي أكثر من كونه بيزنس. هو ينتج «للي بيجيب له فلوس»، ولا يمتلك خطابًا تبشيريًا بالفن. أما الإشكالية في فعالية كالجونة فهي كونها تبيع خطابًا ما، خطابًا مرشّحًا ليس فقط ليكون الخطاب الرسمي المعتَمد المقبل، «المين استريم» في نسخته الجديدة، وإنما الوريث الشرعي لخطاب الدولة نفسه نحو الفن، ببعض الزخارف الليبرالية.

المحافظة التي ستسم حضور الجونة وتأثيره على المشهد، تستقي جوهرها من نهرين؛ دولتي مصري، ورأسمالي استهلاكي مشغول بمخاطبة جمهوره، ما سينعكس على سقف الطموح الذي سيسعى لاعتماده وفرضه، عالمًا لا متناهٍ لكن من الإمكانيات المغلقة، داخل نسق محنتف، غير مرتخ، لاسهلًا ولا لينًا، وإنما لامع ومصقول، بمعايير ذات وتر مشدود جدًا، لا يسمح بالثغرات، وينفي عنه المختلف.

يمكننا التنبؤ بنوعية الفن التي سيكرس الجونة لها، بالنظر لأحدث أعمال نجيب ساويرس الإنتاجية؛ فيلم «عيار ناري»، الذي يجري الترويج له، باستخدام نفس قاموس الترويج للجونة، فهو فيلم «مختلف»، و«جريء»، بينما هو فيلم ضعيف فنيًا، يختبئ وراء كلام كبير عن الحقيقة، ليقدم فكرة ساذجة عن التمرد.

أيضًا، إذا نظرنا لكليب «3 دقات» مثلًا، سيمكننا التخمين، فبخلاف الممثلين وزوج يسرا، ظهر اثنان من صنّاع الأفلام، السيناريست تامر حبيب والمخرج والكاتب عمرو سلامة، واللذان يعتبران نموذجين مثاليين لما يشجع المهرجان على التكريس له، بأعمال متوسطة الطموح، يجري تعميدها بوصفها نموذجًا للتجديد السينمائي الذي يقدّم فكرًا مختلفًا.

سلامة، كأحد أعمدة «الفن الملتزم» الموجه للطبقة الوسطى، الذي يطبق وصايا محاضرات منصة الجونة؛ فن منضبط، غير منشغل بمهمة التعبير، وإنما بالانتصار لقيم تقف في المنتصف بين الحداثة وبين الرجعية، بث رسائل مشغولة بـ«الصح والغلط»، وسيل إرشادي مستمر تجاه كيف يجب أن يعيش الفرد حياته، في قالب درامي أمريكاني يتعامل مع نفسه بوصفه مجدّدًا، أما حبيب فهو أكثر بساطة، بأعمال مبطنة بتحررية شكلية، تستقيها من إبراز «لايف ستايل» معين للشريحة العليا للطبقة المتوسطة، («واحد صحيح»، «سهر الليالي»، «عن العشق والهوى»، «تيمور وشفيقة»، «لا تطفئ الشمس»)، أعمال حلزونية مسلية بما تتخيله من حوارات «جريئة» حول الحب، على خط «3 دقات».

4:  أين يقف الفنان الفرد من كل هذا؟

بين الديناميكيات العنيفة لدورات رأس المال، ومشاريع الجنترة الثقافية الاجتماعية، والبيئة السياسية الخانقة، لا يصبح أمام الفنان الفرد غير عدد محدود للغاية من الاختيارات، ويبدو للوهلة الأولى، أنه ليس أمامه غير الرضوخ بالدخول في مفاوضات. أنت صانع أفلام تريد أموالًا لإنتاج فيلمك، وتريد لهذا الفيلم أن يشاهَد، فإما أن تجلس مع نفسك في الغرفة، وتصنع فنًا لك ولأصدقائك، لاعنًا الزمن وحظك، أو أن تستجيب و«تقيّف» فنك على المازورة، معطيًا لها الشرعية. هكذا يجري تقديم الوضع: ليس أمامك إلا هذين الاختيارين.

يمكنك بالطبع أن تكون أذكى إخواتك، وتحاول، بكل ما أوتيت من نباهة وصياعة، دس وتسريب بعض من ملامحك وسط هذه الأشياء. لكن في الحقيقة، واللي هيعدي مرة مش هيعدي التانية (لنتذكر مثلًا ما حدث مع «سابع جار»، أو «أبلة فاهيتا»)، أو بالتعبير المفضل لصديقي:«إنت مش أذكى من السيستم».

في ظل مشهد قاسٍ يمرّ بترتيبات جديدة عنيفة، فالأريحية التامة في التعامل مع حلول ومشاهد مثل الجونة، هي بالضبط ما قد يزيد الأزمة تأزمًا. الشرعية التي تأخذها مثل هذه الكيانات قادرة بمرور الوقت على تبطيط المشهد، وتصبح مشاركة الفرد في هذه الفعاليات، بمثابة المشاركة في مشهد لا يخصه، ولا يدرك أبعاده، يجري ابتلاعه بعد تنفيضه، واستخدامه، ثم ابتذاله، وشفط احتمالاته، بما يسرّع العودة لمشهد ممل ومتكرر ورجعي.

الزنقة التي يشكو منها، ويختنق بها، كل الفاعلين والممارسين في الأوساط الفنية، لا تحلها مشاهد مثل «الجونة»  و«دي كاف» وغيرها، وإنما تطيل أمدها، لأنها «اشتغالات» وقتية لكسب المزيد من الوقت، صفاقة يبدو معها وكأن هناك «مشهدًا»، وكأن الدنيا تمام، وكأن منصات لم تُغلق، وكأن أحدًا لم يُطارد. مشكلتك الوحيدة أنك لست بالذكاء الكافي، هذا في ظل تضييق أصبحت مجرّد إقامة حفلة فيه ضربًا من ضروب الخيال.

ولأن البريق الخاطف لميكانيزمات الاحتواء واستيعاب الهوامش، وممارسات تقليب السوق، ولعبة الدفع بالوجوه الجديدة، تقدّم نفسها بوصفها الحل الذي لابد أن تتفاوض معه، وعليك بطريقة ما الموافقة على تعريفها لوضع ما، يخدم بدوره أهدافًا ما، جارفًا في طريقه، أي استقلالية جمالية.

نحن نرعى فعاليات فنية، ونعطي الناس جوائز ومنحًا تساعدهم على إنتاج فن، ولكننا الحَكم الأول والأخير. مع الوقت، يكتسب تواجد مثل هذا الكيانات حضورًا شرعيًا فارضًا وملّحًا، تُستَّف الأوضاع بشكل سيكون له يد في استتئصال مبكّر للاحتمالات، التي برعمت، وإن على استحياء، في الـ15 سنة الماضية.

ما قد تبدو كرومانسية تضفي قدسية معينة على الفن، فتخشى عليه الانتهاك، تقترح العكس بالضبط، تقترح التوجّس من سيادة تعريف معيّن للفن، يُستخدم في الحفاظ على حصرية معينة لطبقة معيّنة، ويفرز فنًا في النهاية، ليس جيدًا لدرجة يمكن بها وصفه بأنه فن، وليس بالطبع رديئًا للغاية حتى يحافظ على شعرة المستهلكين، شيئًا ماسخًا معدوم الطموح، يحوّل الفنانين لصنايعية فن، شغيلة إنتاج صور، ويلوث الهواء.

هذه الرومانسية لا تقترح بالضرورة المقاطعة التشنجية الشعاراتية، لكن تقترح الاستخفاف الكافي بتمثيليات كالجونة ودي كاف، عدم أخذها بالجدية التي تعطيها شرعية. الحياة صعبة بالتأكيد والعالم قاس بالطبع، لكن بشكل عملي تمامًا، فبخلاف الاكتئاب ومشاعر التشطيب والإنهاك وانسداد الأفق التي تسببها مثل هذه الأوضاع، فالقدرة على ممارسة الذات في عمل فني، لن تتأتى بالدخول في مفاوضات تكون أنت فيها الطرف الأضعف، ولا يتعدى فيها دورك فتح أسواق جديدة للاستهلاك، والدعاية الاجتماعية لطبقة ما.

الجونة جزء من حلول ماضٍ رديء ومخوّخ، ولن ينتج إلا واقعًا مشوّه ومنسوخ. حضوره في المشهد ليس لب الأزمة، لكن إلحاح مساحته، وسلطة التكريس التي ستترتب عليها، وإملاء المعايير الجديدة، ربما يكون كل هذا هو المشكلة. الجونة ليست مشكلة، لكن التبلد الذهني الذي سيكرس له هو المشكلة.

الحلول التي نشكو عدم توفرها، لم يفكّر فيها أحد من البداية، ولم يجرِ الاستثمار فيها ولا التحلّق حولها، على العكس، جرى الانصياع لحلول ظرفية، كالمنح الأوروبية، لا يمكن البناء ولا الاتكاء عليها.

ربما حان الوقت لتمرينات خيال، تسعى لاقتراح طيف واسع من الاحتمالات، ليس فقط في أنماط جديدة للتمويل والإنتاج والعرض، وخلق مدارات مختلفة، غير معتمدة على مركزية المركز وهامشية الهامش، لكن أيضًا في لغة وممارسات فنية. ربما حان الوقت لارتكاب بعض الحماقات.

اعلان