سرد أحداث اختفاء «خاشقجي» المعلنة
 
 

منذ اختفاء الكاتب الصحفي السعودي جمال خاشقجي عقب دخوله قنصلية بلاده في اسطنبول، في 2 أكتوبر الجاري، تضخمت كرة الثلج الممزوجة بالمعلومات والتسريبات. لكن حتى اللحظة، لم يتهم أحد السعودية رسميًا بشيء. الرجل دخل القنصلية، واختفى؛ هذا هو المؤكد.

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يقول: «على السعودية تفسير لماذا دخل خاشقجي القنصلية ولم يخرج». ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يقول: «إذا كان في المملكة العربية السعودية، فإنني سأعرف ذلك». بين هذا وذاك، يأتي دور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقوله: «أنا قلق (حيال هذا الأمر). ولا يعجبني ما أسمع. نأمل أن تتمّ تسوية الأمر».

بعيدًا عن الأحاديث الدبلوماسية، كشفت وسائل إعلام تركية الكثير من التفاصيل التي تتجاوز كلام ابن سلمان وتصل إلى نشر صور وأسماء ووظائف 15 شخصًا، قالت إنهم قتلوا خاشقجي وتخلصوا منه، داخل مبنى القنصلية في اسطنبول.

ضمّت هذه الأخبار معلومات عنهم بداية من وصولهم اسطنبول على متن طائرتين خاصتين، وحجز إقامة لمدة 4 أيام في فندقين يبعدان 500 متر عن القنصلية. وأنهم جميعًا غادروا المدينة التركية في الليلة نفسها ولم يكملوا مدة الحجز. ركاب الطائرة الأولى التسعة وصلوا من المطار، ثم الفندق،  فالقنصلية. ركاب الطائرة الثانية الستة وصلوا من المطار إلى القنصلية مباشرة. غادرت الطائرة الأولى من اسطنبول إلى دبي ثم السعودية، أما الثانية فغادرت من اسطنبول فالقاهرة، فالسعودية.

من جانبها، نشرت صحيفة «star» القريبة من السلطات التركية، معلومات أكثر عن الـ 15 شخصًا، والذين قالت إنهم: مشعل البستاني، ملازم في القوات الجوية الملكية، وصلاح الطبيقي، مدير الطب الشرعي في الأمن العام، ونايف العريفي، ضابط في القوات الخاصة، ومحمد الزهراني، ضابط بالحرس الملكي، ومنصور أبا حسين، عقيد في الدفاع المدني، ووليد الشهري، ضابط في القوات الجوية الملكية، وذعار الحربي، ضابط في الحرس الملكي، وماهر مطرب، ضابط في المخابرات السعودية، وسيف القحطاني، ضابط في القوات الجوية، بالإضافة إلى ستة آخرين لم تذكر معلومات تخصهم بخلاف أسمائهم ومسار تحركاتهم داخل تركيا؛ خالد الطيبي، عبد العزيز هوساوي، تركي الشهري، فهد البلوي، بدر العتيبي، مصطفى المدني.

تزامنت هذه التسريبات مع نشر صحيفة «واشنطن بوست» اﻷمريكية، التي انتظم خاشقجي على الكتابة فيها، تقريرًا جاء فيه: «قبل اختفاء خاشقجي اعترضت المخابرات الأمريكية اتصالات بين مسؤولين سعوديين تناقش خطة لاعتقال خاشقجي. السعودية كانت تريد استدراج خاشقجي للمملكة ووضع يدها عليه هناك».

بدورها، تجاوزت صحيفة «نيويورك تايمز» اﻷمريكية كذلك الحديث عن المخاوف والتكهنات، وذهبت في حديثها مع مصادر رسمية تركية عن تفاصيل القتل. إذ قالت في تقريرها إن خاشقجي قُتل خلال ساعتين عقب وصوله لمبنى القنصلية من قِبل فريق متخصص من العملاء السعوديين، الذين استخدموا منشار عظام أُحضر خصيصًا بغرض استخدامه في هذه الجريمة.

في السياق نفسه، أصدرت منظمة «مراسلون بلا حدود» بيانًا بالتزامن مع تصاعد الحديث عن خاشقجي أدانت فيه الانتهاكات التي يتعرّض لها الصحفيون في السعودية، وجاء فيه: «وقد تزامن اختفاؤه (خاشقجي) الأسبوع الماضي عقب دخوله القنصلية السعودية في اسطنبول مع حملة قمع مكثفة ضد الصحفيين والمدوِّنين في بلده الأصلي، حيث ألقت سلطات المملكة القبض على أكثر من 15 صحفيًا ومدوِّنًا منذ سبتمبر/أيلول الماضي، وذلك وسط تعتيم تام: ففي العديد من الحالات، لا يتمّ أبدًا تأكيد اعتقالهم رسميًا، ناهيك عن التكتم حول مكان احتجازهم أو حتى التهم المنسوبة إليهم».

فيما أعلن كل من المسؤول التنفيذي لشركة «جوجل»، جوناثان إيف، ووزير الطاقة الأميركي السابق، إيرنست مونيز استقالتهما من المجلس الاستشاري لمشروع «نيوم» السعودي، الذي يتبناه ولي العهد السعودي ويسعى لإنشائه على الأراضي المصرية إلي جانب بعض المناطق في السعودية.

وعلى جهة ردود الأفعال الدولية، فقد أبلغ وزير الخارجية البريطاني جيريمي هانت، السعودية أن بلاده تتوقع إجابات عاجلة بشأن اختفاء الصحفي السعودي جمال خاشقجي، فيما قال المتحدث باسم الخارجية البريطانية: «إن كانت تقارير الإعلام صحيحة، فسنتعامل مع هذا الحدث بجدية».

من الجهة الأمريكية، تعهد السناتور الجمهوري راند بول بأنه سيعمل على حجب إرسال أي شحنات سلاح الى السعودية قد تطلبها الإدارة الأمريكية على خلفية الحادث.

أما الخطورة الأكبر التي قد تواجه ابن سلمان على خلفية اختفاء خاشقجي فيختصرها الطلب الذي تقدّم به 22 عضوًا من مجلس الشيوخ الأمريكي مساء أمس، الأربعاء، إلى ترامب، يطالبونه فيه بتطبيق قانون «ماجنيتسكي» على ابن سلمان.

وبحسب القانون، فإن الإدارة الأمريكية ستكون مضطرة لتسخير طاقات كبيرة للتحقيق في الحادثة، واتخاذ خطوات وتطبيق عقوبات رادعة على المُدان.

حتى الآن، لا يبدو أن لغز اختفاء الصحفي السعودي يقترب من الحل، ومن غير المعلوم كذلك إن كان هذا اللغز سيؤثر على علاقات المملكة السعودية بحلفائها، أو على القوة التي يتمتع بها ولي العهد محمد بن سلمان، الذي خرج من أزمات سابقة -لا تقل خطورة- دون أن تؤثر فيه، كان منها احتجاز رئيس الحكومة اللبناني سعد الحريري، وشنّ الحرب على اليمن، واعتقال عدد كبير من الأمراء ورجال الأعمال السعوديين، والعفو عنهم لاحقًا بعد دفعهم لملايين الدولارات. كل هذه أمور مرّت بسلام على ابن سلمان، ولا أحد يستطيع التكهن بالقادم، غير مسار الأحداث، الذي لا يزال يتطوّر.

اعلان