في الذكرى الـ 15 لرحيله: لا حياد مع إدوارد سعيد!

في مطلع سبتمبر 1991، أثناء وجوده في لندن للمشاركة في مؤتمر ضمّ نخبة من المثقفين والناشطين الفلسطينيين، علم إدوارد سعيد (1935 ــ 2003) أنّ فحوصات الدم التي أجراها في نيويورك قبيل سفره، بهدف الاطمئنان على نسبة الكوليسترول، تشير إلى سرطان الدم. غير أنّ حجم العمل الذي أنجزه خلال فترة العلاج يعجز عنه الأصحاء، إذْ ظل يكتب ويسافر ويحاضر ويساجل حتى رحيله، يوم 25 سبتمبر سنة 2003.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ الآلاف، ولعلّ القول لا ينطوي على تهويل، تنفسوا الصعداء لأنّ ذلك الطود الشامخ غادر المشهد، وغابت معه سلطته السجالية، العالية الجبّارة، الأخلاقية والفكرية والثقافية والسياسية. ولقد أراح رحيل سعيد أولئك الذين لم يعرفوا طعم الراحة في حضوره، حين كانت جهوده الشجاعة، اللامعة كالشرر واللاذعة كالسياط، تفضح أنساق انحطاطهم كافة، وتنقلب إلى سيف مسلط على رؤوسهم.

ولقد تبدّت مظاهر ذلك الارتياح في بعض المراثي التي دبّجها خصومه (حيث لا تخفى الأحقاد، حتى في الجملة الطافحة نفاقًا وتدجيلًا وكذبًا)، أو في امتناعهم، ببساطة، عن إبداء أيّ تعليق حول منجز الراحل. خذوا، على سبيل المثال الأوّل، تعليق برنارد لويس حين سُئل عن رحيل سعيد، فأجاب: De mortuis nihil nisi bonum!

لقد فضّل بطريرك الاستشراق المعاصر الذهاب إلى اللغة اللاتينية لكي يختصر جوهر موقفه: «لا تُقال عن الأموات سوى الأشياء الطيّبة». بالطبع، لم يقصد لويس المعنى النبيل الذي ينطوي عليه ذكر محاسن الموتى، أو تجنّب الشماتة في الموت، بل قصد العكس تمامًا: لا أملك حول سعيد سوى أشياء غير طيّبة، وما دامت الأشياء الطيّبة هي وحدها التي تُقال عن الأموات، فلا تعليق لديّ على رحيله!

أو خذوا، في مثال ثان، سوء طوية تحرير صحيفة «الجارديان» البريطانية، التي تُحتسَب على يسار الوسط عمومًا، حين وضعت جانبًا عشرات الكتّاب المساهمين في صفحاتها، ممّن كتبوا مرارًا وتكرارًا عن سعيد وراجعوا أعماله ويعرفونه حقّ المعرفة؛ فعهدت بمهمّة رثائه إلى ماليز روفن، أحد ألدّ خصوم الراحل، والذي تشاء المصادفة أنه من كبار كارهي الإسلام والمسلمين.

عشية الحرب على أفغانستان، وبعد أسابيع معدودات على 11/9، كتب روفن في «الجارديان» ذاتها يقول: حاذروا من أسامة بن لادن، إنه صلاح الدين الجديد القادم لتحرير المسلمين من أهل الغرب الصليبيين! كذلك تَسجّل له براءة اختراع تعبير «الإسلامو- فاشية»، ذلك النحت السخيف السطحي، والبذيء تمامًا إذْ يصدر عن مؤرّخ يزعم أنه عارف بتاريخ الإسلام.

كدّس روفن هذا الصفات/ النقائض التالية في رثاء سعيد: الأَنْسُني Humanist الذي يتكئ على فلسفة عصر الأنوار الأوروبية، ولكن الراديكالي الذي يهاجم تحالف فلسفة الأنوار مع مؤسسة الاستشراق الاستعمارية؛ والعلماني الذي يكره الحركات الأصولية، ولكن ذاك الذي جلب نقده للغرب الراحة كلّ الراحة للأصوليين؛ وعضو المجلس الوطني الفلسطيني منذ العام 1977، صاحب الصياغة الإنجليزية لإعلان استقلال فلسطين في الجزائر 1988، ولكن الرجل الذي استقال من المجلس، ورفض اتفاقيات أوسلو، وانقلب إلى شوكة في خاصرة السلطة الفلسطينية.

على الضفة الأخرى، الموضوعية ببساطة، صدرت مؤلفات عديدة يمكن تقسيمها (في الإصدارات باللغة الإنجليزية) إلى نسق يستلهم منهجية سعيد، ويتكئ على تنظيراته وتطبيقاته، في دراسات شتى تغطي ميادين بحث واسعة؛ عند ستوارت شار: «إقبال أحمد: دخيل نقدي في عصر عاصف»؛ موريس إيبيليني: «كونراد، فوكنر، ومشكلة اللامعنى»؛ باري شيلز: «و. ب. ييتس والأدب العالمي: موضوع الشعر»؛ روبرت يونغ: «الإمبراطورية، المستعمرة، ما بعد المستعمرة»؛ آن برنارد وزياد المرصفي وستوارت موراي: «ما لا تقوله نظرية ما بعد الاستعمار».

النسق الثاني هو الأعمال التي تتناول سعيد، أو تحاوره، أو تساجل بعض خلاصاته الفكرية والنقدية، في مسائل الاستشراق خصوصًا؛ وأشير على الفور إلى كتاب جلبير أشقر «الماركسية والدين والاستشراق»، الذي صدر عن دار الآداب أيضًا، بترجمة سماح إدريس؛ وكذلك روبرت تالي: «ميراث إدوارد سعيد الجيو ــ نقدي: المكانية، الأنسنية النقدية، والأدب المقارن»؛ كونور مكارثي: «مدخل كامبرج إلى إدوارد سعيد»؛ عادل إسكندر وحاكم رستم: «ميراث الانعتاق والتمثيل»؛ مينا كارافانتا ونينا مورجان: «إدوارد سعيد وجاك دريدا»؛ وليام سبانوس: «ميراث إدوارد سعيد»، و«منفيان في المدينة: تقاطع حنة أرندت وإدوارد سعيد»؛ و. ج. ت. ميتشل وهومي بابا: «إدوارد سعيد: استئناف الحوار»

وختامًا يجدر التوقف، ببعض التفصيل، عند كتاب «معجم سعيد»، للأكاديمي الهندي راجاجوبالان راداكريشنا؛ أستاذ الأدب المقارن في جامعة كاليفورنيا، وأحد أبرز النقّاد والمنظّرين في دراسات ما بعد الاستعمار. وعلى نقيض ما يوحي به عنوان الكتاب، للوهلة الأولى على الأقلّ، لا يضع راداكريشنا مسردًا معجميًا تقليديًا بجميع، أو معظم، المفردات المتصلة بمنجز سعيد؛ بل يقترح 33 مصطلحًا، رأى أنها مفاتيح أساسية تتيح استيعاب المحطات الكبرى في ذلك المنجز.

«كان سعيد ناقدًا أدبيًا وثقافيًا براجماتيًا استخدم المفردات المتوفرة واستعارها في استخداماته الشخصية غير المعيارية»، يكتب راداكريشنا في مقدّمة المعجم؛ مضيفًا أنه سعى إلى الموازنة بين رغبة تيسير فهم سعيد عند القارئ العادي، وتوعية القارئ إياه، في الآن ذاته، حول الخصوبة المفهومية التي تنهض عليها كتابات ناقد وقّع أعمالًا رائدة مثل «بدايات: القصد والمنهج» و«الاستشراق» و«الثقافة والإمبريالية».

وإلى جانب تلك المصطلحات الشائعة المعروفة، التي اقترنت على الدوام بأفكار سعيد، ينبّه راداكريشنا إلى أخرى ليست مألوفة لدى القارئ غير المتخصص؛ مثل «الدنيوية»، و«البَيْنية»، و«النقد الديمقراطي»، و«النقد المعارض»، و«المثقف المنظاري/ الحدودي»، وسواها.

وبالطبع، لا يغفل راداكريشنا إدراج ثلاثة أسماء، إريك أورباخ وجوزيف كونراد وجيامباتيستا فيكو، شكّلت محاور مفصلية في قراءات سعيد على أصعدة مفهومية مختلفة؛ من المنفى، إلى وظائف المثقف، مرورًا بالرواية. هذه عدّة ناقد حصيف لم يقرأ «الثقافة» منفردة، كما يفعل مفكر أو فيلسوف يزعم قدرة الانفكاك عن السياسة؛ ولا هو قرأ «الإمبريالية» منفردة أيضًا، كما يفعل سياسي أو عالم اجتماع متعالٍ على الثقافات؛ بل قرأ الثقافة والإمبريالية معًا، وبحث في روابطهما الأعمق والأبعد أثرًا.

وفي هذه الأيام، التي تسجّل 15 سنة على رحيله، يظلّ سعيد نموذجًا صالحًا وقدوة سارية المفعول، في نقد الاستشراق كما في تسليح عشرات المناهج البحثية والدراسية، التاريخية والأنثروبولوجية والسوسيولوجية والسياسية، إلى جانب الميادين الأدبية والنقدية والثقافية.  

كما يظل، استطرادًا ومنطقيًا، موضوعًا مفتوحًا لسجالات لا عدّ لها، في هذه الميادين وسواها.

اعلان