خاشقجي .. من الهجوم على مصر والسعودية إلى مصير مجهول داخل قنصلية للمملكة
 
 

تداولت وسائل إعلام عربية وعالمية خلال الأيام الماضية اختفاء الكاتب والصحفي السعودي المعارض جمال خاشقجي، بعد دخوله قنصلية بلاده في إسطنبول لإنهاء بعض الأوراق، فيما ترددت أنباء عن مقتله لم يتم التأكد منها حتى حينه.

الجدل الذي صاحب موضوع اختفاء الكاتب السعودي ليس الوحيد الذي يثار حوله خلال السنوات الماضية، لأن خاشقجي اعتاد خلال السنوات الماضية الدخول في عدد من المعارك من خلال هجومه في مقالاته على دول بالمنطقة، ولاسيما مصر التي كانت محل لهجومه بالعديد من المقالات والتغريدات.

خاشقجي ومصر

بدأ التوتر بين خاشقجي والدوائر الرسمية في مصر بعد فض اعتصام رابعة العدوية والإطاحة بالرئيس الأسبق محمد مرسي، بعد أن نشر في خاشقجي مقالًا بصحيفة الحياة في 17 أغسطس 2013، بعنوان «خواطر شاب إخواني غاضب نجا من فض اعتصام رابعة». سلط الضوء فيه على صور عنف الشرطة المصرية في فض الاعتصام، وأدانه بشدة، إلا أنه أيضًا نادى بمحاسبة قيادات جماعة الإخوان المسلمين «الذين صنعوا وَهْمَ الصمود في اعتصام رابعة والنهضة، كأداة للضغط السياسي، وأداروه باستخفاف بدماء المؤمنين بالقضية»، على حد قوله.

بعد 2013، كان خاشقجي يصر على وجود شرخ ما بين النظامين المصري والسعودي، وقال في مناسبات مختلفة إن الملك السعودي الجديد أعاد حساباته بالنسبة لجماعة الإخوان المسلمين، وهذا يتسبب في توتر بينه والنظام المصري. كما قال أيضًا إن الإعلام المصري يدار بـ«التليفون» وأن الهجوم على السعودية في الإعلام ليس بعيدًا عن أجهزة الدولة المصرية الرسمية. وكانت العلاقات السعودية المصرية متوترة في تلك الآونة، وهو التوتر الذي استمر رغم تأكيدات رسمية على قوة العلاقة، خاصة مع الرفض الشعبي لاتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين البلدين والتي قضت بالتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، الأمر الذي حسم قضائيًا في مارس 2018.

وحاول خاشقجي أكثر من مرة في مقالاته أن يشير إلى المواقف المختلفة بين مصر والسعودية، خاصة فيما يخص الشأن السوري. فتساءل في مقال بجريدة الحياة، في نوفمبر 2015، «لماذا يؤيدون بقاء بشار الأسد ومعه الغارات الروسية؟ لماذا لا يرون خطر خروج بشار منتصراً بأسنة حراب الإيرانيين، وهو ما يعني هيمنة إيرانية على سورية، الإقليم الشمالي لمصر؟ […] لماذا لا ترى [مصر] ما تراه السعودية، وكلتاهما تتشارك في الشام؟ فما من عاصمتين تعتبران سورية جزءًا من أمنهما الاستراتيجي مثل الرياض والقاهرة!».

كما نشر خاشقجي في سبتمبر 2017 تعليقًا على تقرير عن أوضاع السجناء المصريين على حسابه على تويتر قائلا: «إن الوضع في مصر مؤلم، وأن السكوت عنه جبن وأن الدفاع عنه سقوط».

وفي فبراير 2018 انتقد خاشقجي أداء الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في فترته الرئاسية الأولى، وتعجب خاشقجي في لقاء تليفزيوني بقناة الشرق من انتخاب السيسي لمدة رئاسية أخرى قائلا إن السيسي أدى أربع سنوات رديئة خاصة على المستوى الاقتصادي، بالإضافة إلى سوء إدارة ملف السياسة الخارجية، مشيرًا أيضا إلى أنه لو كان هناك نجاح اقتصادي لتغاضي الناس عن موضوع المعتقلين والحريات، ثم وجه كلامه إلى المملكة السعودية بأن السيسي يقرب عودة الإخوان المسلمين بسبب سوء إدارته، وبالتالي السعودية عليها أن تدرك أن النظام مكلف وسيحتاج إلى دعم في وقت لا تحتمل فيه السعودية دعم إضافي.

 وكان خاشقجي طرح في مقال بجريدة الحياة، قبل أربع سنوات من اللقاء التليفزيوني السابق، عدة اقتراحات سياسية لمواجهة الأزمة الاقتصادية في مصر. بدأها الكاتب السعودي بتأكيده أن السيسي لن يكون عبدالناصر، بل على العكس فإن نجاح الأول مرتبط بإصلاح الاقتصاد المصري الذي «أفسده الزعيم الخالد»، على حد وصف خاشقجي.

وأضاف  خاشقجي قائلًا إن كلفة محاولات النظام استعادة هيبة الدولة وفرض الأمن باهظة في كل الأحوال، مقترحًا أن يكون ذلك لصالح «خدمة الوطن لا الفرد». ويضيف أنه على السيسي، الذي يرأس نظامًا فرديًا لا فائدة من نصحه بتوسيع قاعدته الوطنية، وعلى حد قول خاشقجي،  يجب النظر بعين الاعتبار إلى السياسات الاقتصادية التي اتخذها الجنرال العسكري أوجستو بينوشيه في تشيلي بعد انقلابه على الرئيس المنتخب ديمقراطيًا سلفادور أليندي، وكذلك تورجت أوزال الذي تولى رئاسة وزراء تركيا بعد انقلاب عسكري دموي عام 1980. فكلاهما، وبغض النظر عن انتهاكات حقوق الإنسان الواسعة في زمانيهما، قاما بتحولات اقتصادية قاسية نحو سياسات النيوليبرالية، وهو ما رأى خاشقجي أن مصر تحتاجه في كل الأحوال.

لم يكن أيضا خاشقجي متوافقًا مع الموقف الرسمي للمملكة  في الأزمة مع قطر، ورأى أن الأزمة ليست بين السعودية وقطر، بل أنها حول مصر، قائلا في لقاء على قناة «بي بي سي» في أكتوبر 2017 أن الأمير القطري لو توجه إلى زيارة مصر ومعه شيك بأربع مليارات دولار وأوقف تناول مصر في قناة الجزيرة لحلت الأزمة.

 وكان قد نشر مقالًا في صحيفة «واشنطن بوست»، في ديسمبر 2017 دعم فيه ترشح الفريق أحمد شفيق لانتخابات الرئاسة، واصفًا ذلك بأنه قد يعيد الأمل إلى مصر.

 على الجانب الآخر، واظب الإعلام المصري على الهجوم على خاشقجي كلما تناول مصر في تغريداته أو مقالاته، كاتهامه من قبل جريدة اليوم السابع الموالية للدولة بأنه «إخواني» ومتطاول على مصر بعد تصريحه عن حل الأزمة مع قطر. وسبق ذلك تقرير آخر يربط بين ايقافه من الكتابة في الحياة اللندنية وعلاقته بالإخوان المسلمين. كما هاجمته مواقع صحفية مملوكة لأجهزة بالدولة مثل موقع دوت مصر الذي وصفه مرة بـ «الغراب الذي يغرد ضد مصر من قفص قطري»، ثم لاحقا بأنه فج وعميل. كما وصفه موقع البوابة الإخباري الموالي أيضا للدولة بـ «السعودي الضال»، بسبب دعمه ليوسف القرضاوي في 2011، ورفضه التدخل العسكري المصري في ليبيا.

اختفاء داخل القنصلية

 في الثاني من أكتوبر الجاري، دخل خاشقجي قنصلية بلاده في إسطنبول لإنهاء بعض الأوراق ولكنه لم يخرج منها حسب خبر الاختفاء الذي تداولته وسائل إعلام عربية وعالمية، وقالت خطيبته، الباحثة التركية خديجة غنجير، التي كانت تنتظر خارج القنصلية لـ «بي بي سي»، إنه دخل القنصلية ولم يخرج منها رغم أن القنصلية أخبرتها أنه قد غادرها.

ونشرت وكالة رويترز أمس السبت، نقلا عن مصدرين تركيين، بينهما مسؤول أن خاشقجي قتل داخل القنصلية عمدًا، ونقلت جثته خارج القنصلية، الأمر الذي نفته القنصلية السعودية بالعاصمة التركية إسطنبول. فيما قال الرئيس التركي رجب طيب أردوجان، اليوم الأحد، إنه «مازال يحسن النية بشأن الأسباب التي أدت لاختفاء الصحفي السعودي»، معبرًا عن أمنياته بعدم الوصول إلى موقف «غير مرغوب به»، مضيفًا أنه ينتظر نتائج التحقيقات واعدًا بنشرها على العالم، بحسب ما نقلته وكالة الأناضول الإخبارية التركية.

كان التوتر أصاب علاقة خاشقجي برئاسة الدولة في المملكة العربية السعودية، بعد  فترة من الوفاق، فقد كان خاشقجي لفترة طويلة يُقدّم إعلاميًا بصفته كاتبًا صحفيًا ومستشارًا مقربًا من الأسرة الحاكمة ودوائر صنع القرار في السعودية.  فقد أصبح نائبًا لرئيس تحرير صحيفة «أراب نيوز» في نهاية التسعينيات ولمدة أربع سنوات، وعُيّن رئيسًا لتحرير صحيفة «الوطن» منذ 2004 وهو المنصب الذي أُقيل منه لاحقًا بطريقة مفاجئة، وعيّن مديرًا عامًا لقناة «العرب» الإخبارية التي كان مقرها في المنامة، والتي كانت مملوكة للأمير الوليد بن طلال، ولكن سرعان ما أغلقت أيضًا في وقت لاحق.

كما عمل خاشقجي منذ 2004، مستشارًا إعلاميًا للأمير تركي الفيصل -المدير العام للاستخبارات العامة السعودية سابقًا- والسفير السعودي السابق لدى بريطانيا، ثم  لدى الولايات المتحدة الأميركية.

غير أن تلك العلاقة مع الدوائر المختلفة للأسرة الحاكمة لم تدم. حيث أصدرت الخارجية السعودية بيانين في ديسمبر 2015 ونوفمبر 2016 أكّدت فيهما أن خاشقجي لا يمثل المملكة أو أي من جهاتها الرسمية. وعقب البيان الأخير فيهما، توقف نشر مقالات خاشقجي حتى أغسطس 2017، عندما كتب تغريدة على موقع تويتر قال فيها «أعود للكتابة والتغريد، الشكر لمعالي وزير الإعلام لمساعيه الطيبة والشكر والولاء متصلان لسمو ولي العهد لا كُسر في عهده قلمٌ حر ولا سكت مغرد».

لكن توقفت مقالاته مرة أخرى بعد شهر من عودتها، وغادر المملكة وبدأ في الكتابة المنتظمة لصحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية، حتى اختفائه المفاجئ الأسبوع الماضي.

في الخامس من أكتوبر الماضي تركت صحيفة «واشنطن بوست» مساحة فارغة في صفحتها للرأي المطبوعة كتب عليها «صوت مفقود»، وهي المساحة التي يكتب فيها خاشقجي مقاله.

 في نفس اليوم، علق ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، على خبر اختفاء خاشقجي في لقاء مع وكالة بلومبيرج نشر بالخامس من أكتوبر قائلًا إن السعودية حريصة على معرفة مكان خاشقجي، مضيفا أنه دخل وخرح من القنصلية، وليس موجودًا بها، وأن سلطات بلاده تتعاون مع السلطات التركية لمعرفة مكانه، وأنه رغم أن القنصلية السعودية بتركيا هي أرض ذات سيادة إلا أنه يرحب بدخول السلطات التركية لتفتيشها.

بعد منعه من الكتابة في جريدة الحياة اللندنية في سبتمبر 2017، انتقد خاشقجي نظام محمد بن سلمان في مقال في «واشنطن بوست» التي اتجه للكتابة فيها بانتظام، تحدث عن القمع والاعتقالات والترهيب الذي يمارسه ولي العهد، مشيرًا إلى أن القمع لم يصل في السعودية إلى هذه الدرجة مسبقا، رغم وعود اصلاحية تقدمية من بن سلمان لم تتحقق. ووصفت تلك المرة بأنها المرة الأولى التي ينتقد فيها خاشقجي النظام السعودي بهذه الحدة.

في نوفمبر 2017، وفي لقاء مع قناة «سي إن إن» الإخبارية الأمريكية هاجم خاشقجي مجددا المملكة السعودية قائلا إنه لا توجد حياة سياسية ولا توجد أحزاب. وكان خاشقجي قد منع من الكتابة في نوفمبر 2016، لمدة تسعة أشهر، بعد إعلان وزارة الخارجية السعودية أن آرائه لا تمثل المملكة السعودية، وكان قد سبق ذلك تصريح مماثل في ديسمبر 2015، ويعتقد أن للأمر علاقة بتعليقه على العلاقات السعودية الأمريكية، وهو الذي حذر فيه النظام السعودي من التقارب بين الدولتين بعد وصول دونالد ترامب للسلطة.

كما هاجم خاشقجي سياسات السعودية في اليمن، في مقال نشره بـ «واشنطن بوست» قائلًا فيه إن المملكة «تدفع ثمن خيانتها للربيع العربي». موضحًا أن الحصانة التي منحها الملك، وقتها، عبد الله بن عبد العزيز للرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح في مقابل تنحيه عن السلطة لصالح نائبه أحمد عبد ربه، مكنت صالح من أن يظل لاعبًا في اليمن، ما مهد لاحقًا، بسبب تباطؤ إجراء انتخابات في اليمن، إلى عودة صالح لساحة الصراع عن طريق تحالفه مع الحوثيين، الذين وصفهم خاشقجي بأنهم خطر استراتيجي على مصالح المملكة.

وأضاف خاشقجي في مقاله أن «اختيار شن المزيد من الحروب مُغرٍ لأولئك الذين في الرياض، الذين يريدون تحقيق هزيمة ساحقة للحوثيين وإخراجهم من اللعبة السياسية، ولكن ذلك سيكون مكلفًا، ليس للسعودية وحسب وإنما أيضًا للشعب اليمني الذي يعاني كثيرًا نتيجة هذا الصراع الذي منع الشعب اليمني من تحقيق رغبته في الحرية، خاصة بعد أن أصبح الحوثي قوة كبيرة»، وهو ما أكد عليه لاحقًا في مقال آخر منشور في سبتمبر الماضي طالب فيه بالإنهاء الفوري للحرب على اليمن.

وكان آخر ما كتبه خاشقجي على حسابه على تويتر في الأول من أكتوبر أنه يغادر لندن بعد حضوره مؤتمرا هناك حيث قابل ناشطين وباحثين في القضية الفلسطينية، متحدثا عن عدالة القضية رغم محاولة تغييبها. ويذكر أن العلاقات مع إسرائيل هي من الأمور التي لا يتناولها الإعلام داخل المملكة العربية السعودية إلا أن خاشقجي سبق له التعليق على الأمر، آخرها تعليقه في مايو من العام الجاري، بمطالبة المملكة السعودية الرد بالنفي على ما قاله السفير الاسرائيلي في مصر احتفالا بذكرى النكبة «عيد استقلال دولة إسرائيل»، أن مصر والسعودية يشاركان إسرائيل رؤيتها حول الاستقرار والنمو الاقتصادي، وكان قد سبق ذلك تغريدات عديدة تعلق على العلاقات السعودية مع إدارة ترامب.

اعلان
 
 
هدير المهدوي