«عيار ناري»: الفيلم «الناقص» في اللحظة الناقصة
 
 

متحفزًا، ذهبت إلى مشاهدة فيلم «عيار ناري». أصوات ناقدة بعنف هاجمت الفيلم بعد عرضه في مهرجان الجونة: «فيلم يتبنى خطاب وزارة الداخلية حول مقتل المظاهرين»، وأصوات مدافعة: «تبني الفيلم لقصة مقتل شاب بشكل غامض وسط اشتباكات الثورة لا يعني تبني رواية كاملة تدين أو تدافع عن الشرطة والدولة وقتها».
تحفزت وتحمست لمناقشة جماليات وقيمة تقديم قصة متفردة واستثنائية وهامشية، تتضمن كشفًا أو نقدًا أو مراجعة لجوانب من صورة حدث كبير، غلبت عليه في لحظات معينة حالة من التمجيد والدعائية الشاعرية الحالمة، التي أنحاز لتفكيكها ومراجعتها، وأرغب في ذلك بالأساس تعاطفًا وتورطًا مع الثورة، لا كصورة مبسطة مسطحة مثالية طاهرة ونقية، ولكن كمعركة محتدمة ومركبة ومعقدة لا تزال آثارها باقية وحاضرة إن لم تكن قابلة للاستمرار والاستكمال في وقت ما.

الوعي بتعقيد الثورة وتركيبها، في رأيي، هو أهم شروط الانخراط الجاد فيها، والانحياز لها بدون إيمان ساذج بطهارة كل من شارك أو قداسة كل ما حدث، وبعيدًا عن الانحياز والتعاطف والتورط، هذا الوعي هو على الأقل أهم شروط التفاعل الجدي مع الثورة كحدث تاريخي كبير.
كان تحفزي وحماسي ميالين حتى للدفاع عن الحق في تقديم حكاية جميلة ومسلية لا تتضمن بالضرورة صورة مفصلة لما حدث بل تنفرد بواقعة ربما كانت هامشية وغريبة ومثيرة على خلفية ما حدث.

يبدأ الفيلم مثيرًا ومبشرًا، الأداء القوي للممثلين، كادرات الصورة وألوانها التي تنقل حالة من التشكك والغموض البارد، على خلفية من  أجواء مشتعلة، اشتباكات نهايات 2011 بين جموع المتظاهرين وقوات الأمن التي تحمي محيط وزارة الداخلية، وسط توترات سياسية تحت حكم المجلس العسكري واقتراب موعد أول انتخابات برلمانية بعد انطلاق الثورة.

هذه الخلفية المشتعلة تختفي بعد لحظات، الثورة والاشتباكات والأحزاب والتيارات والجدل السياسي والاجتماعي وانحيازات الناس الساخنة والمرتبكة وقتها مع الثورة أو ضدها، والآمال والإحباطات والتوترات، كل ذلك يختفي تمامًا باستثناء مشهدين غائمين سريعين ومبهمين لمظاهرات وإشارة مقتضبة لانتخابات، أبطال القصة البوليسية يبدون منعزلين عن أي تورط في هذا الصراع، أو يقفز الحوار بينهم سريعًا فوقه فلا تتضح معالمه وأطرافه.
تدور قصة الفيلم حول شاب مقتول (أحمد مالك) اعتبره رفاقه والإعلام شهيدًا، ثم يظهر تقرير استثنائي لطبيب شرعي (أحمد الفيشاوي) يجزم أن العيار الناري الذي أصابه جاء من سلاح محلي لا تستخدمه الشرطة ومن مسافة قريبة جدا، وصحفية مجتهدة (روبي) تتورط في نشر التقرير الذي أثار ضجة وتكذيب واتهام بالتواطؤ مع الشرطة ثم تشترك مع الطبيب في البحث عن أدلة وأمارات على صحته.

باختفاء أو تجاهل السياق السياسي للجدل والصراع، تصبح أزمة التقرير في الفيلم مشكلة شخصية للطبيب وسط توتر بينه وبين مديرة المشرحة (صفاء الطوخي) وتوتر بينه وبين أهل القتيل: أمه (عارفة عبد الرسول)  وشقيقه (محمد ممدوح) وخطيبته (أسماء أبو اليزيد)، ومشكلة شخصية للصحفية مع رئيس تحرير الجريدة التي تعمل بها (سامي مغاوري).
سياق الثورة يختفي أو يتم تجاهله، ربما كان خيارا فنيًا أو شرطا إنتاجيًا أو رقابيًا، لم يتضمن الفيلم ذكر لفظ «ثورة» مطلقًا، مرة واحدة يصف الطبيب صديق للقتيل/ الشهيد بأنه «ثورجي». و«الثورجي» طبعًا يتحدث دائمًا منفعلًا بكلام عن الشهداء والدم ولكن عندما تطرّق الحوار مرة واحدة عن دوافع التظاهر، يهدأ فجاة ويستخدم تعبيرات مذيع محايد ويشير إلى المشكلة وقتها أنها «مرحلة انتقالية» ويتجنب ذكر لفظ «المجلس العسكري» الحاكم وقتها. ربما كان ذلك رغبة من صناع الفيلم (مخرجه كريم الشناوي ومؤلفه هيثم دبور) في اتخاذ مسافة من الجدل حول علاقة القصة بأي دلالات أو إشارات حول الثورة والموقف منها، أو ربما قيدًا أو شرطًا إنتاجيًا. وربما كان ذلك كله جديرًا بأن يعزل قصة الفيلم عن الدلالات السياسية باعتبارها مجرد قصة غموض وإثارة تتضمن تساؤلات عامة حول «الحقيقة» وزوايا الرؤية.
ولكن سياق الثورة لا يختفي تمامًا، بل يظهر كسياق ناقص مبتور عبر مشاهد تثير التساؤل حول فجاجتها وسذاجتها وتسطيحها: ناشط واحد فقط صديق للقتيل، غبي وساذج وبائس وانتهازي، بالغ السيناريو في إبداء تفاصيل حماقته واندفاعه غير المتزن، والتركيز على أن ترويجه لقصة استشهاد صديقه يبدو تصديقًا أعمى لما لم تره عينه وبالمرة رغبة في الانتفاع من وراء «تظبيط» المقابلات التليفزيونية مع أسرة الشهيد، ربما ماديًا أو فقط معنويًا بالرغبة في أداء دور بارز وإدارة الاتصال مع الإعلام.

هتافات الثورة في خلفية مشاهد التظاهرات مكتومة وغائمة، لا يمكن أن نسمع بوضوح إلا هتاف واحد فقط يبدو غبيًا وبائسًا «التقرير باطل. الطب الشرعي باطل» في مواجهة الطبيب الشرعي غير المكترث بشيء عموما إلا لـ«الحقيقة» في تقريره الذي يثق به في مواجهة رغبات الجماهير التي تحاصر المشرحة وتهتف ضد «الحقيقة».
الإعلام متخبط بين الرغبة في نشر الحقيقة وبين الاستجابة لرغبات الجمهور في لحظة من لحظات مد الثورة وتراجع الدولة، إشارات متعددة في الفيلم من البطل ومن رئيس تحرير الجريدة عن «الكلام الذي يعجب الناس أو يريدون تصديقه».
الفيلم مرتبك في قراره الفني إذن بخصوص المسافة من الثورة، إن كان قرارًا فنيًا، ولكن في حالة كان قيدًا أو شرطًا لإنتاجه، فهذه الدلالات السلبية والرديئة مسموح ومرحب بها بالطبع في أن تنتهك القرار الفني، ليبدو الأمر مجرد تخاذل مفهوم السبب عن تقديم أي تفاصيل إيجابية تخص الثورة.
من يعملون الآن في صناعة الأفلام، أو غيره من مجالات إنتاج أي محتوى، يعلمون جيدًا الأسباب الإنتاجية والرقابية التي كانت ستعوق ظهوره وإنتاجه وتسويقه، لو كان فيلمًا جادًا، واهتم بتقديم الحد الأدنى من خلفيته التي يدور فيها، الأفكار والنقاشات والانحيازات التي كانت خبزًا يوميًا للناس وقتها، أو بتقديم صور معقولة ومتنوعة ومتوازنة لنشطاء وأنصار الثورة ومحبيها أو كارهيها. ولكن صناعه اختاروا له أن يكون «ناقصًا» وانتقائيًا فيما يخص التفاصيل الظاهرة من خلفية الثورة لأن هذا هو الممكن.
لنترك الثورة والأفكار الكبيرة حول الحقيقة والسياق التاريخي والمجتمعي جانبًا، قصة الغموض والإثارة التي تبدأ مشوقة ثم تتعقد كثيرًا، تنتهي إلى أداءات كاريكاتيرية تحاول أن تدعي أنها «أداءات بوليسية»، الطبيب يذهب يوميًا ليجلس على القهوة أمام منزل أسرة الشهيد ويتتبع أخيه أو خطيبته فيذهبون فورًا إلى أماكن تفصح له عن تفاصيل جوهرية في القصة.

العقدة تحل بشكل ساذج، وكان مفتاح الحل هو عثور الطبيب على موبايل خطيبة القتيل/ الشهيد. هو ببساطة ذهب لبيت أم القتيل، وطرق الباب، وقال أنه كشاف النور، فتركت له الأم الباب مفتوحًا، وقالت له أدخل وذهبت إلى المطبخ، فدخل هو بكل ببساطة، وتجول في البيت بكل أريحية كأنه بيت أمه، فوجد موبايل هناك على البوفيه فوضعه في جيبه بسرعة قبل أن تعود الأم من المطبخ. وبالصدفة كان الموبايل الذي استخدموه في مؤامرة ما، وقاده ذلك في النهاية إلى مفاتيح لحل الغموض، ولكن الحل لم يكتمل إلا بتوجه الطبيب قرب نهاية الفيلم ومعه الصحفية إلى بيت الأم مرة أخرى، فيجدون كل الأطراف هناك في انتظارهم، يواجهانهم بالشكوك ويهددانهم فينهار الجميع ويعترفون بـ«الحقيقة».
«الحقيقة» التي تكشفت، كان يمكن للفيلم أن يتركها محل شك، ولكن السيناريو جعلها حلًا للعقدة ولغموض ما حدث. مرة أخرى تعود هذه «الحقيقة» لتشكل مجازًا محتملًا بالغ المباشرة بخصوص ما هو أكبر من القصة، فالقتيل مجرم ومخطيء ومعتد على أمه، ولكن رُسمت صورته كثائر حالم وشهيد، القاتل حاول أن يردعه عن إجرامه ولم يرد قتله، قتله عن طريق الخطأ أو مضطرًا، ثم شارك في ترسيمه شهيدًا والدفاع عن ذلك، انتفع من قتله وتحسن وضعه، والأم التي فضلت كتمان الحقيقة تخبر الكاميرا في ميلودرامية بموقف مقترح: «هادعي للاثنين بالرحمة».
هذه الحقيقة وهذا الموقف يمكن أن يمثلا مجازات لإشكالية إنسانية عامة، أو لإشكالية سياسية تتورط في الكلام عن الثورة أو تحاول اتخاذ مسافة منها، ولكنهم في النهاية «الحقيقة» و«المجاز» و«الموقف» المسموح بهم فقط في هذه اللحظة.

الختام المحبط بالغ الرداءة فنيًا، لا يشجع الحديث عن أي أفكار كبيرة أو جادة، عن الثورة أو غيرها، لا عن الحقيقة الكاملة أو الناقصة، ولا حتى عن قصة إثارة وغموض قوية ومسلية. فيلم يبدأ مبشرًا نسبيًا، كعادة أعمال كثيرة، ثم ينتهي متذاكيًا وضحلًا، يجعجع بكلمات عن «وجوه الحقيقة» و«الصورة الكاملة»، في حين أن صناع الفيلم ليس مسموحًا لكاميراتهم ومجازاتهم أن تتسع للحد الأدنى من صورة مقبولة وجادة لحياة أبطاله وصراعاتهم التي  تدور وسط احتدام ثورة، يدعي الفيلم بقدر من التحذلق الفني اتخاذ مسافة عن التورط في صراع الدلالات حول الثورة، ولكنه يتورط فقط بشجاعة مصطنعة في استدعاء الدلالات الرديئة حولها بفجاجة وسطحية أو اللعب على المجازات الملائمة سياسيًا الآن وهنا.
الفيلم يصلح أكثر مدخلًا لنقد صناعة الأفلام في هذه اللحظة البائسة، هو نموذج آخر من نماذج «التجرؤ الجبان»، مشاهد وحوارات الفيلم تورطت في الطنطنة حول أفكار، للمفارقة الكبرى، هي نفسها الأفكار التي تلخص أزمة صناعه الفنية والأخلاقية: حوار الفيلم نفسه حاول أن يتذاكى بكليشيهات عن الحقيقة القاسية التي نفضل أحيانا تجاهلها لصالح التعاطف مع حالات استثنائية للبؤس والشقاء التي تبرر الاكتفاء بتمجيد الشهداء والانتفاع من تعويضات لأسر الشهداء، وهو في المقابل فيلم يصلح أن يكون نموذجًا للانتفاع من التخاذل عن تقديم صورة جادة ومتماسكة عن لحظة من لحظات الثورة، لأن محاولة تقديم «الحقيقة الكاملة القاسية» تبعاتها قاسية على عملية إنتاج أي فيلم يقترب من ذلك.

يصور الفيلم بفجاجة استغلال «الناشط» البائس الانتهازي لفكرة استشهاد صديقه وتزوير تقرير الطب الشرعي لأنها فكرة مناسبة لاستثارة مشاعر الناس ضد الداخلية والدولة، والفيلم نفسه نموذج لاستغلال إثارة «الكشف عن حقيقة مقتل أحد الشهداء» كبهارات مثيرة لفيلم غموض وإثارة سيثير الجدل حول «حقائق ما حدث في الثورة» بدون حد أدنى من الجدية في مقاربة «الحقيقة».

يشير الفيلم ضمنيًا إلى ما كان «مسموحًا به»  فقط في لحظات «انتصار الثورة» من الاحتفاء بحكايات حياة الشهداء الجميلة قبل رحيلهم، مجاراة لأهواء الناس، بدلا من كشف الحقائق الكاملة والقاسية، والفيلم أيضًا نموذج للاكتفاء بحكي ما هو مسموح به فقط في لحظة «التنكيل بالثورة» وأنصارها وصورها، ما هو مسموح به فقط من كشف براءة الشرطة في بعض الوقائع وبراءة والد الطبيب الذي كان وزيرا سابقًا من اتهامات الفساد، ما هو مسموح به من ظهور نشطاء الثورة كـ«هتّيفة» ضد «الحقيقة» وضد الرغبة في معرفتها، المسموح والمتاح الذي يمكن أن يستغله متذاكون في «نقد الثورة» وتقديم «الجانب الآخر من الصورة» أو«تقديم قصة إنسانية استثنائية» لكي يمكنهم المرور إلى العرض الجماهيري والترحاب الإنتاجي والرقابي، لينتهي بهم الأمر نموذجًا لما جعجعوا بشأنه: قصة تنتقي جانبًا ممكنا من «الحقيقة»، مبتورة عن سياقها الذي يطفو أحيانًا برداءة عبر شخصيات وأحداث لا يمكن تجاهل قصديتها الفجة والمباشرة، قصة ناقصة فنيًا و«ناقصة» أخلاقيا ملائمة تماما للحظة «ناقصة» فنيًا وأخلاقيًا.

اعلان