الأنبا بيشوي.. رحيل رجل الكنيسة الذي أثار عداوة الجميع
 
 

أقيمت صلاة الجنازة على الأنبا بيشوي مطران دمياط وكفر الشيخ أمس الخميس، في دير الشهيدة دميانة في البراري، بدون حضور البابا تواضروس الثاني المتواجد حاليًا في زيارة رعوية بالولايات المتحدة، إلا أنه تمّ بث كلمة مسجلة للبابا في الجنازة يقول فيها عن الراحل: «كان الذراع الأيمن لقداسة البابا شنودة في الحوارات واللجان المسكونية وكان له إنجازات كبرى».

كانت الكنيسة قد أعلنت وفاته، الأربعاء الماضي، إثر أزمة قلبية عن عمر 76 عامًا، وأناب البابا لصلاة الجنازة كل من الأنبا دانيال، أسقف المعادى وسكرتير المجمع المقدس، والأنبا باخوميوس مطران البحيرة ومطروح، والخمس مدن الغربية، والأنبا بنيامين مطران المنوفية، والأنبا موسى أسقف الشباب.

ولد الأنبا بيشوي بمدينة المنصورة بمحافظة الدقهلية، في 19 يوليو 1942، باسم مكرم إسكندر نقولا. تخرج في كلية الهندسة جامعة الإسكندرية عام 1963 بتقدير عام امتياز، وعُين معيدًا بالكلية، ثم حصل على الماجستير في عام 1968، والتحق بدير السريان في العام ذاته، وبعد أقل من عام رُسم راهب باسم الراهب توما السرياني.

تولى الأنبا بيشوي العديد من المناصب الهامة في الكنيسة في وقت واحد، وكانت سلطاته تتجاوز حيز إيبارشيته، مستمدًا قوته من كونه الأسقف الأقرب للبابا شنودة الراحل. علاقة القرب التي بدأت برسامته أسقف ورئيس لدير «الشهيدة دميانة في البراري» في عام 1972 بعد مرور ما يقرب من ثلاث سنوات فقط على رهبنته، رغم ما ينصّ عليه القانون الكنسي أن الراهب يُرسم أسقف بعد مرور ما لا يقل عن عشر سنوات من الرهبنة.

وفور الإفراج عن البابا شنودة الراحل في 1985 وإعادة تعيينه بطريركًا للأقباط مرة أخرى من قبل الرئيس محمد حسني مبارك،، وذلك بعد أن عزله الرئيس الأسبق أنور السادات وحدد إقامته في دير الأنبا بيشوى بوادي النطرون، كانت أولى قراراته عزل الأنبا يؤانس أسقف الغربية من منصب سكرتير المجمع المقدس لانضمامه إلى اللجنة الخماسية التي شكلها الرئيس أنور السادات في سبتمبر 1981 لإدارة شؤون الكنيسة، وتعيين الأنبا بيشوي سكرتيرًا للمجمع المقدس، وحصل بعدها بخمس سنوات في سبتمبر 1990 على رتبة مطران.

كما تولى منصب نائب البابا شنودة في المجلس الإكليريكي العام، ومنصب المقرر الخاص لأهم لجان داخل المجمع المقدس، وهي: لجنة الإيمان والتعليم والتشريع، ولجنة شؤون الإيبارشيات، ولجنة شؤون الأديرة، ولجنة العلاقات الكنسية.

واعتبر البابا شنودة الثالث الراحل الأنبا بيشوي كاتم أسراره، وقال: «إذا أردت يومًا كتابة مذكراتي فلن يستطيع أحد كتابتها غير الأنبا بيشوي»، موضحًا أنه الأسقف الذي يرافقه في غالبية الرحلات ويعملا سويًا في الطائرة، وقال: «أتذكر إننا وضعنا قانون كنيستنا الجديدة في فرنسا في الطائرة. كما إنه مَن وضع قانون كنائسنا في ألمانيا وتولى مجلس رئاسة هذه الكنائس فترة طويلة ووضع قانون كنائسنا في أستراليا».

سلطات الأنبا بيشوي كُللت بتوليه لمنصب رئيس لجنة المحاكمات الكنسية المعنية بالتحقيق مع رجال الدين في حال هرطقة أي منهم (خروجهم عن الإيمان الأرثوذكسي)، وأطاح بثلاثة أساقفة.

الثلاثة الذين أطاح بهم الأنبا بيشوي هم: الأنبا أمونيوس أسقف الأقصر في سنة 2002، والأنبا متياس أسقف المحلة وتوابعها  تقدم باستقالته في 2005،  والأنبا تكلا أسقف دشنا وتوابعها في  2002، تم عزلهم وتحديد إقامتهم في الدير، إلا أن البابا تواضروس طلب بحث أزمة الثلاثة في جلسة المجمع المقدس فى يونيو 2013، ونجح في إعادة الأنبا تكلا لكرسيه، بينما عارض الأنبا بيشوي عودة الاثنين الآخريْن.

وكانت أزمات الأساقفة الثلاثة في مدد زمنية متقاربة، بدأت بأزمتَي الأنبا أمونيوس والأنبا تكلا في عام 2002، وانتهت لجنة محاكمتهما إلى عزلهما في الدير، بناءً على ما تقّدم به الأنبا بيشوي من لائحة اتهامات ضدهما.

إلا أن أزمة الأنبا متياس كانت مختلفة، لتدخل البابا شنودة الثالث بنفسه فيها؛ ففي جلسة المجمع المقدس بتاريخ 29 مايو 2004 قال إنه تلقى خطابًا من الأنبا متياس يطلب منه أن يتعاون معه الأنبا بيشوي في إدارة الإيبارشية، الأمر الذي تحفظ الأنبا متياس على التعليق عليه حينها، وأعلن لأبناء الإيبارشية أنه لم يتقدّم بطلب مشابه، إلا أنه فوجئ بعدها بطلب مثوله أمام لجنة المحاكمات.

وخلال جلسات محاكمته اتهم الأنبا بيشوي الأنبا متياس بالانحراف عن التعاليم الأرثوذكسية، كما وجه له اتهامات أخرى أخلاقية، على إثرها رفض الأنبا متياس الدفاع عن نفسه، وفي خطوة تصعيدية أخرى وضد رغبة عدد كبير من شعب إيبارشيته تقدم في عام 2005 باستقالته، الإستقالة التي قبلها البابا، وقام بنقله للخدمة في الولايات المتحدة.

ووصف الأنبا بيشوي نفسه بأنه القاضي المسؤول عن محاكمة المذنبين من أبناء الكنيسة، لذلك تفرغ منذ عام 1989 لمحاكمات المذنبين، واصفًا الهجوم المتزايد عليه من قِبل بعض الأقباط بأنه لجهلهم بما يسمح له القانون الكنسي بممارسة دور القاضي وإصدار الأحكام حتى لا تعم الفوضى.

ومن أبرز الاستثناءات التي خص بها البابا شنودة الأنبا بيشوي كانت جعله رئيسًا لدير الشهيدة دميانة للراهبات منذ عام 1972، ليكون بذلك الدير الوحيد للراهبات الأقباط الأرثوذوكس ويتولى رئاسته رجل.

يُنسب إلى الأنبا بيشوي أيضًا إحياء رهبنة الفتيات في دير الشهيدة دميانة، وإدخال فكرة التكريس في حياة الرهبنة النسائية، بمعنى أن تمارس شريحة من الراهبات العمل الخدمي خارج الدير، من خلال الخدمة في الكنيسة، أو الملاجئ، أو دور المسنين وبيوت المغتربات، وغيرها من المؤسسات التابعة للكنيسة.

وبالرغم من الدور الحيوي الذي لعبه الأنبا في حياة الراهبات كرئيس روحي لهن، إلا أن علاقته بالنساء من غير الراهبات في الكنيسة كانت تشوبها التوتر بسبب قراراته وتصريحاته فيما يخص ملابسهن، بدء بفرض شروط للزي النسائي داخل الكنيسة في إيبارشيته على ألا ترتدي الفتيات الأكبر من أحد عشر عامًا البنطلونات في أثناء حضورهن القداسات، وأن يتقدمن للتناول بالتنورات الطويلة.

«أقول لبناتنا المسيحيات تعلموا الحشمة من المحجبات المسلمات.. وربما المسيحيات يزعلوا مني أني بقول كده»، صرح الأنبا بيشوي بذلك التصريح في مايو 2012، خلال الزيارة الرسمية للوفد الحكومي لدير القديسة دميانة، بمدينة بلقاس، احتفالًا بالذكرى السنوية للشهيدة دميانة. وتسبب التصريح في خروج عدد من النساء في تظاهرة بالكاتدرائية مطالبات الأنبا بيشوي بالاعتذار، ولم تنته التظاهرة إلا عقب تلاوة القمص انجليوس سكرتير الأنبا باخوميوس القائم مقام البابا، وقتها، بيان الأنبا بيشوي الذي قال فيه: «السيدات والفتيات المسيحيات، قديسات ومحتشمات يتحلين بالنقاوة الداخلية والعفة القلبية». 

ولكن تصريحه الذي أزعج الأقباط في عام 2012 اعتبروه مغازلة صريحة للمسؤولين من الأسقف الأقرب لكرسي البابوية، بعد أن تقدم الأنبا بيشوي ضمن ثمانية عشر أسقف آخرين لخوض الانتخابات البابوية. في 2009، قال  بيشوي في حوار صحفي  ردًا على سؤال هل يرغب البابا في أن يكون هو خليفته: «ما دار بيني وبين البابا شنودة وكان فى حضور الأنبا أرميا هو أن البابا اعترض على رأيى بأن أسقف الإيبارشية لا يجوز له تولي الكرسي البابوي وأكد البابا لي جواز جلوس أسقف الإيبارشية على الكرسي البابوي».

موقف الأنبا بيشوي من المرأة عاد ليؤكده في كتيبه «طقس معمودية الأطفال.. قضايا لاهوتية خطيرة» الصادر في عام 2016، رد خلاله الأنبا بيشوي على كتاب «المرأة في المسيحية.. قضايا مثيرة للجدل» للأنبا بفنتيوس أسقف سمالوط والذي صدر في العام ذاته.

وكان الكتاب حلقة من تاريخ طويل من الصراع الفكري بين كل من الأنبا بيشوي والأنبا بفنتيوس، إلا أن كتاب الأخير الذي أوضح فيه أن المرأة لا تتنجس بدورتها الشهيرة، ولا يجوز حرمانها من ممارسة الطقوس الكنسية خلال دورتها الشهرية أثار ضده عدد كبير من الأساقفة على رأسهم الأنبا بييشوي الذي كان زعيمًا للتيار المحافظ داخل الكنيسة.

وفي كتيب الأنبا بيشوي للرد على هذا الكتاب يشير إلى أن المرأة في المسيحية لا تعتبر نجسة بعد الولادة، ولكن تُحرم من دخول الهيكل لحين تطهرها ليس كعقاب ولكن كتذكرة بالخطية الأولى التي تتحمل حواء النصيب الأكبر فيها وفق رأيه، ويقول: «حواء قد حملت ذنبها وذنب زوجها الذي أغرته بالعصيان أي ذنبا مضاعفًا».

«حامي الإيمان» اللقب الذي ناله الأنبا بيشوي لترأسه لجنة الحوار المسكوني اللاهوتي مع الكنائس الأخرى، المنصب الذي أعطاه له البابا شنودة الثالث ليكون وحده المسؤول عن الحوار بين الكنائس، حتى عيّن البابا تواضروس في بداية عام 2018 الراحل الأنبا أبيفانيوس مراقبًا للجنة الحوار.

وعُرف عن الأنبا بيشوي بهجومه تجاه الكنائس الأخرى، وتسبب هجومه المتكرر على الطوائف المسيحية الأخرى أزمات في مصر، أبرزها أزمة عام 2007  عندما تمّ تسريب تسجيل لأحد محاضراته بعنوان «لعنة الله على عقائد الكاثوليك».

في التسجيل قال: «الكاثوليك والبروتستانت لن يدخلوا الفردوس»، واصفًا أن ما يفعله ليس سلب ﻷحد حقوق الله في تقرير مصير البشر، بل هو حقيقة واضحة أن الفردوس للأرثوذوكس فقط، إلا في حالة شخص قال في لحظاته الأخيرة: «يارب أقبل إيماني بالارثوذوكسية ولعنة الله على عقائد الكاثوليك»، حينها يقبله الله، بحسب ما قاله الأنبا الراحل.

وفي تصريحات صحفية أخرى قال: «أعلم أنهم يقولون عنى إنني أرثوذكسي متعصب. ولكن هذا لا يهمني، مع أنني غير متعصب بدليل أنني أتقابل فى الحوارات اللاهوتية مع كل الطوائف. ولكنني لا أتنازل عن عقيدتنا من أجل الصداقة».

في 2009، تجاوز هجوم الأنبا بيشوي على الكنائس الأخرى، إلى حد توجيه اتهامات خطيرة لأبنائها، وخلال ظهوره في حلقة «القاهرة والناس» مع عمرو أديب اتهم البروتستانت بأن لديهم مخطط لتحويل الأرثوذوكس المصريين لإنجيليين، إلا أنهم من أجل تمويل مخططهم من قِبل الكنائس الغربية خدعوهم بكذبة أن هدفهم تنصير المسلمين في مصر، وهو ما تدفع من أجله الكنائس الغربية أموالًا ضخمة.

وقال: «عندي سي دي عليه كل المخطط بتاعهم، مشروع ممول بـ 30 مليون جنيه، وبيجذبوا الشباب بالحفلات والموسيقى والرحلات في الفنادق».

البابا تواضروس الذي أعلن منذ البداية نيته التقريب بين الكنائس، وجاءت أولى خطواته بمشاركته وإلقاء كلمة في مراسم تجليس بطريرك الأقباط الكاثوليك إبراهيم اسحق يوم 12 مارس 2013، والاعتراف بمعمودية الكاثوليك وغيرها، تعارضت  أفكاره مع أفكار الأنبا بيشوي المسؤول عن لجنة الحوار بين الكنائس التي لم تسفر عن أي تقارب رغم سنوات عملها الطويلة، ما دفع البابا بتعيين الأنبا إبيفانيوس مراقب لهذه اللجنة، ولكن بمقتل الأخير عاد للأنبا بيشوي سلطته المطلقة في إدارة الحوار.

تصريحات الأنبا بيشوي كادت أن تورط الكنيسة في أزمة، بعد أن قال في مؤتمر تثبيت العقيدة الـ 13 المنعقد في الفيوم عام 2010: «يقال فى القرآن لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح، ولا أعرف هل قيلت هذه العبارة أثناء بعثة نبى الإسلام، أم أضيفت أثناء تجميع عثمان بن عفان للقرآن الشفوى وجعله تحريريًا لمجرد وضع شيء ضد المسيحية». فيما أثارت هذه التصريحات غضب الأزهر.

لم يستخدم الأنبا بيشوي سلطاته على نطاق الكنيسة وشعبها فقط، بل امتدت للصدام مع كُتّاب وأعمال أدبية وسينمائية، وهو ما حدث في عام 2006 عندما طالب بمنع روايتي الكاتب الأمريكي دان براون «شيفرة دافنشي»، و«ملائكة وشياطين» في مصر.

وأوضح في مقالة في جريدة الأهرام أن ظهوره في إحدى حلقات برنامج «البيت بيتك» يشكو فيه من إساءة الكاتب الأمريكي للمسيحية وخطورة عرض الفيلم، فيما منعت الحكومة وقتها، توزيع الروايتين في مصر بجميع اللغات، وكذلك منعت عرض الفيلم الشهير المستوحى من الرواية.

ظل الأنبا بيشوي بالمرصاد لكل ما يصدر من أعمال إبداعية تتناول المسيحية، وهاجم الكاتب المصري يوسف زيدان بضراوة عقب نشر روايته «عزازيل» في عام 2008، وقام بإصدار كتابه «الرد على البهتان في رواية يوسف زيدان»، ولم يتوقف عند ذلك الحد، بل طال أيضًا بالكتابة مَن مدحوا الرواية مثل الشاعر بهاء جاهين في مقالة بعنوان “عزازيل.. الرواية خلف الرواية”.

كتب الأنبا بيشوي مقال عبّر فيه عن استيائه مما كتبه جاهين، الأمر الذي دفع بجاهين لكتابة اعتذار موجه للأنبا بيشوي وللمسيحيين عن الإساءة لهم بدون قصد، بينما كتب زيدان سلسلة مقالات للرد على الأنبا بيشوي بعنوان «بهتان البهتان فيما كتبه المطران».

رغم صدامه مع أبناء طائفته والكنائس الأخرى وديانات أخرى وأدباء وكُتّاب، إلا أن الدولة وحدها نجت من صدام الأنبا بيشوي، ومن أبرز تصريحاته في السنوات الأخيرة كان تصريحه في احتفالية عيد الشهيدة دميانة في مايو 2017  عندما قال: «بيتهيألي الرئيس عبد الفتاح السيسي يستحق ياخد جايزة نوبل للسلام».

وجاء تصريحه الأخير في 28 أغسطس 2018 خلال ترأسه عشية الاحتفال بمولد مارجرجس في ديره بميت دمسيس والذي يتولى مسؤوليته كنائب للبابا: «لدينا طلب من الشهيد مارجرجس الليلة دي إحنا عاوزين المحافظ (أحمد الشعراوي) لو كان في حركة محافظين يفضل معانا في محافظة الدقهلية»، إلا أنه تمّ تغيير المحافظ في حركة المحافظين الأخيرة وتولى الدكتور كمال شاروبيم منصب محافظ الدقهلية الحالي.

اعلان
 
 
كارولين كامل