«عساه يحيا ويشم العبق».. الجسد الشيعي قاهرًا أم مقهورًا
 
 

«عساه يحيا ويشم العبق» هو العرض الأخير من ثلاثية الراقص ومصمم الرقص والفنان المسرحي علي شحرور. عُرض للمرة الأولى في مهرجان «أيام الرقص» بمدينة بوتسدام الألمانية بمسرحFabrik ، عام 2017.  كما عرض مؤخرًا في مهرجان أفنيون بفرنسا، في يوليو 2018.

هل هناك جسد شيعي، وجسد سني، وجسد مسيحي، وجسد يهودي؟  هل يمكننا الزعم بأن الجسد الشيعي يحضر فقط في الطقوس والشعائر، أم هو حاضر طوال الوقت؟ هل يستدعي حضوره بالضرورة صراعًا مع الجسد السني؟

سنبدأ بهذا التساؤل كمفتتح لتناول هذا العرض المميز، والذاتي جدًا، لعلي شحرور. الذي سنعود له بعد أن نسرد بعض المعلومات الأساسية عن الجماليات وبناء العرض.

الرقص المعاصر بين الأساسيات الغربية والتمرد الجمالي العربي

ينتمي «عساه يحيا ويشم العبق» لعروض الرقص المعاصر، والتي غالبًا ما تحمل موقفًا أو فكرة أو حركة ما، وقليلًا ما تحمل قصة درامية ذات بناء تصاعدي، وتكون أكثر تحررًا من القواعد والتقنيات والجماليات في فنون الرقص الغربية كفن الباليه، والرقص المسرحي الحديث، الذي عد في وقت ظهوره ثورة على الرقص الكلاسيكي،  فعلى مستوى الشكل تكون تلك العروض مثل مقطوعة موسيقية طويلة.

عنوان العرض «عساه يحيا ويشم العبق» هو بالطبع مفتاح لفهمه، ففي عروض المسرح والرقص المعاصر يعد العنوان مفتاحًا رئيسيًا لخلق صلة معرفية وجمالية مع العرض، لأنها تكون مبنية دراميًا بشكل مليء بالتجريد وبخصوصية الرموز والإحالات. ربما تتلاقى الرموز والبنية الدرامية مع ثقافة ومعارف الجمهور وربما لا. وهذا تحديدًا ما أراده صناع العرض من اختيار العنوان، هم أرادوا تسريب شيء من  الحالة التي يريدون أن نشاركهم إياها؛ حالة طقسية مقدَّسة، هي حالة القيام والبعث وما يصاحبها من هالة ما ورائية .

بالطبع تعتبر فكرة البعث ركيزة مهمة في الأديان السماوية الإبراهيمية (اليهودية- المسيحية-الإسلام)، وحتى في الحضارات السابقة عليها، حيث يتشاركون عناصر متقاربة، وتتفاوت أهميتها من دين لآخر ومن طائفة لأخرى. وفي الحضارات ما قبل اليهودية تكون الإلهة الأنثى هي المسؤولة عن عملية البعث والقيامة، وهذا ما يظهر أيضًا في أحد خطوط العرض الدرامية.

«عساه يحيا ويشم العبق» هو عرض عن الموت وفكرة القيامة والخلود، وبعث من نحبهم أحياء مرة أخرى، كما فعلت إيزيس وعشتار في ميثولوجيا العالم القديم. الآن كيف نبعث أحبائنا؟ بالعويل والعديد والنواح.

يبدأ العرض بتلاوة قرآن بصوت عذب به فخامة القراءة المعتادة في إذاعة القرآن الكريم المصرية؛ صوت التلاوة التي يعرفها الناس بالمدرسة المصرية في القراءة، ولكن بصوت أنثوي قريب لصوت أم كلثوم. فقط نسمع قرآنًا. المسرح فارغ، والإضاءة خافتة. الصوت قوي ورخيم وجميل. وقعه لم يكن صادمًا لي، ولكني انشغلت بوقعه على المتلقي الأوروبي، والأسئلة التي لابد وأثارها في عقل أحدهم، وبدلالة هذه الآيات تحديدًا، من سورة القيامة، في المجتمعات المسلمة.

«لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (4) بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (5) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ»

تستمر التلاوة، وبعد ذلك يعلو صوت ضجيج غير مميز في البداية. ثم يرتفع جدًا، ويصبح واضحًا أنه هدير هليوكبتر وطائرات أخرى، قبل أن يخفت تدريجيًا. بالطبع يحمل هذا المشهد الصوتي الكثير من الدلالات والمشاعر التي يمكن لكل شخص تفسيرها بطريقته، ويمكن أن تثير مشاعر متباينة. شخصيًا تذكرت 11 سبتمبر، وبعدها قفزت لذاكرتي مَشاهد من فيلم أمريكي عن قصف العراق، وهذا يعد تلقيًا ذاتيًا جدًا مجردًا من أي تحليل سيميولوجي للدلالات والعلامات.

بعد ذلك تتغير الإضاءة، ويتطوّر المشهد للآتي:

  • يقف ثلاثة مؤدين/ ممثلين كانوا يجلسون بالصف الأول للجمهور. يستديرون، ويواجهون الجمهور ثم ينظرون يمينًا ويسارًا ببطء. وبعدما يتضح أنه صوت طائرة يجلسون، ثم بعد دقيقتين تقريبًا تظهر الممثلة من فراغ المسرح، مطأطأة الرأس قليلًا تنظر للجمهور وتبتسم.
  • ثم تواجه الممثلة الجمهور، وتتلو مقولة الإمام علي إبن أبي طالب، وهو عائد من معركة صفين، وتؤديها مسرحيًا:

يَا أَهْلَ الدِّيَارِ الْمُوحِشَةِ (1) وَالْمَحَالِّ الْمُقْفِرَةِ (2) وَالْقُبُورِالْمُظْلِمَةِ، يَا أَهْلَ التُّرْبَةِ، يَا أَهْلَ الْغُرْبَةِ، يَا أَهْلَ الْوَحْدَةِ، يَا أَهْلَ الْوَحْشَةِ، أَنْتُمْ لَنَا فَرَطٌ (3) سَابِقٌ، وَنَحْنُ لَكُمْ تَبَعٌ (4) لاَحِقٌ.

أَمَّا الدُّورُ فَقَدْ سُكِنَتْ، وَأَمَّا الْأَزْوَاجُ فَقَدْ نُكِحَتْ، وَأَمَّا الْأَمْوَالُ فَقَدْ قُسِمَتْ.

هذَا خَبَرُ مَا عِنْدَنَا، فَمَا خَبَرُ مَا عِنْدَكُمْ؟

بعد ذلك، يبدأ اثنان من الرجال بعزف الموسيقى، بينما يتحرك الأوسط معهما، وكأنهما يقودانه بموسيقى آلة الرق والصاجات، ثم يصعدون لخشبة المسرح. وحينها يبدأ فصل ثان من العرض. فبعبورهم الخشبة، فكأنهم انتقلوا إلى عالم آخر، بعدما كانوا في مقاعد المتفرجين، ربما هو مجاز لانتقالهم من عالم الأحياء إلى عالم الأموات أو العكس، أو وجودهم في هذه المساحة المقدسة للشهداء، الذين يعدون أحياء بشكل ما.  

بعد العبور للخشبة يتوزع الانتباه بين تكوينين/ كتلتين مسرحيتين: ثلاثة أجساد رجال في مقابل جسد أنثى. اثنان من الرجال/الممثلين يعزفان، وبينهما الراقص في معظم الأحيان. بينما تكون الأنثى/ الممثلة في وضع أقوى مسرحيًا. تكوين حضور الرجال عبارة عن موسيقى ورقص،  بينما تكوين الأنثى أداء صوتي وحركة.

الطقس الديني كمصدر لا ينضب لتصميم الرقص

بني رسم الرقص في هذا العرض على تكثيف جملة حركية في كل مشهد، مستمدة إما من الطقوس الشيعية الحسينية كاللطم وضرب الصدور، أو رقصة الدبكة أو الصوفية، أو الحركات المصاحبة للحداد، وتكرارها وتوظيفها مع بيئة العرض الصوتية؛ الأغاني أو الأناشيد أو حتى الأداء الصوتي التمثيلي المنغّم للممثلة. في أحد المشاهد، تغني الممثلة تهويدة (أغنية قبل النوم للأطفال) سومرية قديمة، لا تزال مستخدمة في ثقافة بلاد العراق والشام حتى الآن، تحديدًا في التراث العربي الشيعي.

تقف الممثلة عارية الصدر على مكعب مرتفع، يواجه ميكروفونًا وتغني: (دللول.. دللول يامه الولا دللول  … نام نام يا يمه)، وفي نفس الأثناء يكون الراقص نائم مستلقٍ على الأرض، ينتفض بإيقاع جسدي مستوحى من الرقص الشرقي التراثي.

بصريًا، يأخذ التكوين المسرحي شكل صليب، فكأنه مشهد البعث بعد الصلب والاستشهاد. عشتار تبعث تموز من الموت.

هكذا يمكننا أن نرى بوضوح  جماليات تصميم الرقص، فعندما يقوم الفنان بتفكيك وإعادة تركيب حركات مستوحاة من الموروث الطقسي التي لا ننتبه كثيرًا أنها تشكل هويتنا، أو جسدنا السياسي والهوياتي، تنتج جمالات فنية جديدة، وفي الوقت ذاته تحتفي بالموروث، وتبرز موقعه في الوعي والخيال الجمعي.

 ولكن هنا أيضًا تكمن إشكالية هذا العرض؛ لأنه بدا احتفاء بحالة طقسية معينة، هي أقرب إلى المزاج الشيعي، بالموت والبعث والشهيد الشيعي فقط، في انحياز تام لهذا الجسد، الشهيد الأسطوري المقدس، في حين أن هذا الجسد الشيعي في مكان آخر، ليس ببعيد، في سوريا وبعض مناطق لبنان،  يعد جسدًا قاهرًا أو سلطويًا، حيث توظف كل هذه الطقوس في الصراع الدائر في سوريا الآن، بشكل طائفي سياسي، في لحظات انتصار النظام في الحرب.

الجسد الذاتي في مواجهة الجسد السياسي

في «عساه يحيا ويشم العبق» نجد هذا الخط الدرامي يبدو أحيانًا وكأنه هو صلب البناء الدرامي والصراع.  ولكن العين المتمرسة مسرحيًا من وجهة نظري، ستجد أنه لم يتم التأكيد عليه بالأدوات المسرحية بالشكل الكافي، فالمواجهة لم تكن جلية فتنتج الصراع. وطغت الجماليات الخاصة بالصراع الدرامي للجسد الذاتي في مقابل الجسد الهوياتي (السياسي-الطائفي -الديني- الجندري). جسد الممثل والراقص نفسه وصراعه يبدو حاضرًا، صراع الراقص والمخرج علي شحرور مع كل هذا التراث الحركي لثقافته، ونشأته، وموقع الأنثى القادرة على بعثه وصراعه معها.

ربما يتوق الراقص الممثل إلى إلهة أنثى، وبالتأكيد هذا ظاهر في اختياره صورة البوستر تمثال الإلهة عشتار، ومن مواقع الممثلة على خشبة المسرح في مواجهة موقعه، فهي دوما في موقع أقوى. هي جسد في مواجهة ثلاثة أجساد؛ هو والعازفين .

تستفيد الدراماتورجيا في العرض من جلال النص المقدس، فيفتتح بالآية القرآنية، وبعدها بقول الإمام علي، والذي يشبه في عالم المسرح الغربي ما يسمى بالمونولوج، وحتى في معالجته لباقي القطع الموسيقية، جاء ذلك بموسيقى شرقية تعتمد على البزق أو الطبلة والمزمار، لخلق  هالة قداسة، وكأننا قبيلة في الشرق الأقصى تجلس متحلقة حول النيران.

« عساه يحيا ويشم العبق» كان كطيف مقدس ولكن نخبوي، يحتفي بجماليات جسدنا الشرقي ويجنب نفسه كل التساؤلات السياسية والشعبوية، ربما يكون عرضًا غرائبيًا «exotic» طقسيًا عن الجسد الشرقي، بشكل ما مقدّم للمواطن الغربي، وربما يكون عرضًا جميلًا عن الرقص لن تشاهده ربما إلا في بيروت لو كنت  مشاهدًا عربيًا، بسبب بدايته بآيات قرآنية بصوت أنثوي، واحتوائه عريًا.

«عساه يحيا ويشم العبق» يتناول الجسد العربي/ الشرقي الذكوري، ويظهره في صورة هشة، مفعولًا به في لعبة الحياة والموت والاستشهاد. وتحديدًا الجسد الشيعي والذي الآن وفق الأزمة السورية ليس بهذه الهشاشة، بل اكتسب بعدًا آخر نظرًا للمتغيرات السياسية في الشرق الأوسط، ففي سوريا يمتلك سطوة وقوة، تكون أحيانًا معادلة لقهر فئات أخرى.

 من ناحية أخرى، لا يمكننا نزع الذاتية عن هذا العرض، فبطله ومصممه وإن كان «جسدًا» ينتمي لهذه الجماعة والطائفة، فهو أيضًا يخوض صراعه الذاتي مع هذه الطقوس الجميلة والسلطوية في الوقت نفسه. هو يقترب من سردية حساسة وخطيرة لأي جماعة عقائدية دينية أو علمانية؛ وهي سردية الاستشهاد والبطولة. هو لا ينتقد بوضوح هذه السردية ولكنه يظهر هشًا، مستسلمًا لجماليتها، لا يكسرها ولا يواجهها. والتماهي مع الجماليات في رأيي هو انصياع للسردية، لأنها أدوات ناعمة لتوارث وتبني السلطوية.

وإن عدنا لسؤالنا الأول هل الجسد الشيعي هنا قاهرًا أم مقهورًا؟ سنجده وفق السياق الفني للعرض يتبنى  بدوره سردية ذاتية تظهره هشًا ومقهورًا أمام سلطة المقدس الطقسي .

اعلان
 
 
عادل عبد الوهاب