حوار| مقررة الأمم المتحدة ليلاني فرحة: قداسة الحق في السكن غير معترف بها بشكل كافٍ في مصر
 
 
مقررة الأمم المتحدة للحق في السكن، ليلاني فرحة - صورة: مصطفى محيي
 

قبل ساعات من مغادرتها مصر، نظمت مقررة الأمم المتحدة للحق في السكن، ليلاني فرحة، مؤتمرًا صحفيًا أمس، الأربعاء، بالمركز الإعلامي للمنظمة الدولية في القاهرة؛ أعربت خلاله عن إشادتها في المجمل بجهود الدولة المصرية في حل «مشاغلها الإسكانية الملحة»، إلا أنها عبّرت عن قلقها تجاه بعض الإزالات غير الضرورية التي تحدث للمناطق غير الرسمية، فضلًا عن استبعاد المجتمع المحلي من المشاركة في تخطيط سياسات الإسكان.

وفي بيانها الختامي عن الزيارة، قالت فرحة إنها علمت أنه في بعض حالات إعادة تسكين قاطني المناطق غير الرسمية، يُجبر السكان على العيش في مناطق بعيدة عن أماكن سكنهم الأصلي وأعمالهم، في مدن لإعادة التسكين مثل الأسمرات، مما يفكك النسيج الاجتماعي لهذه المجتمعات. مطالبة أن «يُمكّن السكان من البقاء ضمن مجتمعاتهم ومنازلهم طالما أرادوا ذلك».

من بين المناطق التي زارتها مقررة الحق في السكن خلال زيارتها لمصر، كان شارع 26 يوليو، حيث بدأت السلطات الأسبوع الماضي في إزالة المنازل المتبقية من منطقة مثلث ماسبيرو. وهي الزيارة التي علّقت عليها قائلة: «لم أفهم حتى الآن الأسباب التي بسببها يُجبر هؤلاء الأشخاص على الرحيل. تحدثت إلى رجل يدير محلًا تجاريًا، ويسكن في نفس العقار الذي كان يسكن فيه والده وجده. بدا لي المجتمع هناك متكامل ومتماسك».

وتابعت في المؤتمر الصحفي قائلة: «ينبغي أن يُبحث كل خيار ممكن لمساعدة المجتمعات المراد تطويرها على البقاء في أماكنها طالما أرادوا ذلك. ويمكن دائمًا إيجاد حلول بديلة لإعادة التسكين طالما أن الخطر الذي يهدد السكان غير مؤكد».

بخلاف المتبقى من منطقة مثلث ماسبيرو، زارت فرحة مناطق: الدويقة والحطّابة ومدينة 6 أكتوبر ومحافظة المنيا، فيما عجزت عن زيارة جزيرة الوراق. وقالت المسؤولة الأممية إن المسؤولين الحكوميين أخبروها -طوال يوم بأكمله- أنه لا تتوافر قوة أمنية كافية لتأمينها داخل الجزيرة، وعندما توفرت تلك القوة لم تتمكن أيضًا من القيام بالزيارة، مضيفة في حديثها للصحفيين «أترك ذلك لتقديركم».

رغبة المقررة الخاصة في زيارة جزيرة الوراق جاءت ضمن ما وصفته بالقلق تجاه تسليع السكن. قالت فرحة إن هناك ميل مجتمعي لحيازة العقارات كنوع من الاستثمار، وأن ذلك قد يزداد سوءًا مع إعلان الحكومة عن نيتها تحويل سوق الاستثمار العقاري في مصر إلى منتج قابل للتصدير عبر جذب المستثمرين الأجانب للاستثمار في مشروعات عقارية فاخرة في قلب القاهرة.

وأوضحت أن هناك قلق عبّر عنه عدد من سكان جزيرة الوراق الذين تمكنت من لقائهم خارج الجزيرة أن يتم تهجيرهم من منازلهم من أجل مشروعات استثمارية. وهو ما علّقت عليه فرحة قائلة «على الحكومة المضي قدمًا بحرص في عملها لجذب الاستثمارات الأجنبية لمجال العقارات السكنية، مع التأكد من أن هذه الاستثمارات تفيد الاقتصاد ولن تساهم في رفع أسعار السكن»، أو تهجير السكان الذين يريدون البقاء.

كما عبّرت فرحة عن قلقها من الفشل في التشاور وإشراك السكان في المناطق غير الرسمية في تحديد مستقبلهم، مضيفة في بيانها: «ينبغي تعزيز التشاور مع السكان في كل نواحي عملية التطوير، بداية من تصنيف المناطق غير الرسمية، إلى تقييم احتياجات المجتمع، إلى تصميم وتخطيط وتنفيذ خطط التطوير، بما في ذلك المناطق المهددة للحياة. وقد علمت أنه جرى إخلاء قسري لبعض المناطق […] ولم تُدفع تعويضات ملائمة، كما أنه لم يتم بحث اختيارات أخرى لإعادة تأهيل هذه المناطق في مكانها».

زيارة المقررة الخاصة للحق في السكن، لمصر، هي الأولى منذ عام 2010، وأتت بدعوة من وزارة الخارجية المصرية. واستمرت زيارة فرحة 10 أيام، قابلت خلالها مسؤولين من وزارات: الإسكان والتضامن الاجتماعي والخارجية والعدل والمالية، بالإضافة إلى رئيسي المحكمة الدستورية العليا والمجلس القومي للمرأة وأعضاء في البرلمان. ومن المنتظر أن تقدم تقريرها عن أوضاع الحق في السكن في مصر إلى مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة في شهر مارس من العام المقبل.

التقى «مدى مصر» مقررة الأمم المتحدة للحق في السكن للتعرف عن قرب على آرائها حول المدن الجديدة وتطوير المناطق غير الرسمية كمحورين أساسيين في استراتيجية الدولة للتطوير العمراني.

مدى مصر: في اليوم الأول لزيارتك، قمتِ بنشر صورة عبر تويتر لمدينة القاهرة من نافذة الطائرة. بعدما قضيتي نحو 10 أيام في مصر، كيف اختلفت صورة المدينة لديكِ؟

ليلاني فرحة: عندما كنت في الطائرة، صُدمت بكثافة المدينة. لا ترى مثل هذه الكثافة عادة. كما صُدمت باللون الصحراوي، ليس فقط للأراضي ولكن المباني أيضًا، فضًلا عن هيمنة النيل على المدينة. بعد 10 أيام، أصبح مؤكدًا لدي أن انطباعي الأول بخصوص الكثافة السكنية داخل القاهرة صحيحًا. لكنني فوجئت أيضُا أنه لا يوجد ضغط كبير للتخلص من المجتمعات الكثيفة التي رأيتها من أعلى.

من أعلى تبدو المناطق العشوائية في القاهرة شبيهة بما رأيته في أماكن أخرى في العالم، خاصة الجنوب. وفي كثير من البلدان، توجد محاولات لمحو هذه المناطق العشوائية كما يصفونها. لكني فوجئت أن الأمر ليس كذلك بشكل كامل هنا. عندما كنت في الطائرة، كنت أفكر أنني سألتقي الكثير من المجتمعات التي تعيش في خطر، إلا أنني أغادر مصر دون إحساس بأن الجميع في خطر وأن حيازاتهم غير آمنة. بطريقة ما تعترف الحكومة بأن هذه المجتمعات قائمة وعليها التعامل معها.

من أعلى، تبدو القاهرة شاسعة. إلا أنني مقتنعة الآن أن هناك مساحة محددة في مصر يمكن العيش عليها. أصبحت الكثافة أمر مفهوم بالنسبة لي. ومع المساحة المحدودة لاستيعاب الزيادة السكانية، يصبح من الهام للغاية الحفاظ على المساكن القائمة بالفعل.

مدى: بدأ مشروع المدن الجديدة منذ السبعينيات، وما زال مستمرًا حتى الآن، رغم أن بعض هذه المدن يحظى بنسب إشغال منخفضة جدًا. كيف ترين عمومًا استمرار الدولة في بناء مدن جديدة حتى الآن؟

فرحة: في اجتماعي مع ممثلي وزارة الإسكان، أُعطيت بعض الأرقام الخاصة بتعداد السكان في بعض المدن الجديدة، وأتى ذلك في إطار دفاع الحكومة المصرية عن ذلك المشروع برمته. على سبيل المثال، تقول الأرقام الرسمية التي أُعطيت لي أن نسبة الإشغال في المرحلة الأولى من القاهرة الجديدة تبلغ 65%، ومدينة الشيخ زايد 50%، والشروق 55%، و6 أكتوبر 75%. أتوقع أن تكون هذه هي المدن الأفضل في نسب الإشغال. إذا كان هذا هو الوضع في هذه المدن التي تشهد في أفضل حالاتها نسبة إشغال لا تتعدى 75%، فإن هذا أمر مثير للقلق، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار الموارد المخصصة لهذه المدن.

إذا كان هناك نحو 95% من السكان يعيشون خارج المدن الجديدة، والكثير منهم يعيشون في ظروف سكن غير ملائمة، فإن هذا ما يجب أن يسترعي الانتباه. لدي قلق أن الموارد يتم توجيهها إلى المدن الجديدة، في مقابل موارد غير كافية يتم تخصيصها للمدن القائمة بالفعل.

لكن هناك سؤال هام هنا، هل يمكن لمدينة القاهرة أن تستوعب المزيد من السكان؟ السؤال نفسه مطروح في لندن أو سيدني وفي كل مدينة حول العالم؛ ما الذي يمكن فعله مع تزايد المناطق غير الرسمية؟، إن كانت الإجابة على السؤال هي إنشاء المدن الجديدة، فإنني لست متأكدة أو مقتنعة حتى الآن. ربما تكون الإجابة هي مدن جديدة تستجيب لرغبات واحتياجات السكان، غير أني لست متأكدة أن هذا ما يحدث في مصر.

المشكلة الأساسية هنا، أن السكان لا يتم دمجهم في صناعة السياسات. لا يوجد إحساس أن الحكومة مع الناس. تفكر الحكومة وتخطط وتطبق سياساتها دون مشاورات مع السكان. يمكنك بناء مدن جديدة كما تريد، لكن لو تم بنائها دون إرادة من الناس ودون رغبتهم ودون أن تستجيب لاحتياجاتهم ورؤيتهم للمستقبل، فإن هذه المدن ستفشل.

أعتقد أن هذه المدن لم يتم تخطيطها بالتشاور مع الناس الذين تريد الحكومة منهم العيش بها.

مدى: هل تعتقدين أن مصر تنتهج نهجًا صحيحًا في التعامل مع ملف تطوير المناطق غير الرسمية؟

فرحة: أشعر أنه من الممكن بذل المزيد من الجهود لإعادة تأهيل المناطق غير الرسمية. أعرف أن هناك نحو 40-65% من المواطنين يعيشون في مناطق غير مخططة وأن الكثير من المساكن في هذه المناطق غير ملائمة للمعايير الدولية، فبعضها قابل للانهيار أو محروم من الخدمات الرئيسية أو يحظى بخدمات غير جيدة.  

لم أشعر أن هؤلاء يحظون بالأولوية. فالأولوية معطاة للمناطق غير الآمنة المهدِدة للحياة، وهو أمر يمكنني تفهمه. عليك أن تعطي الأولوية لشيء ما عندما يكون لديك ميزانية محدودة. غير أنني ما زلت أرى أنه يمكن الاهتمام أيضًا بإعادة تأهيل هذه المناطق (غير المخططة) على نطاق واسع، لأن ذلك ما سيستفيد منه الجزء الأكبر من السكان، وهو الأمر الذي يفترض أن مصر تسعى إليه.

هناك اختلاف أيضًا مع الحكومة على ما يمكن تعريفه بأنه خطر مهدِد للحياة. لا أؤمن أن هناك حقيقة مطلقة تجاه ما يمكن اعتباره خطر مهدِد للحياة. ربما في بعض الحالات، يتفق الجميع أن هذا خطر داهم لا يمكن العيش معه، مثل الحياة بجوار السكك الحديدية أو تحت صخرة قابلة للانهيار أو كابلات ضغط عالي. لكن هناك الكثير من المواقف الأخرى التي يعتبرها البعض مهدِدة للحياة غير أنها ليست خطيرة إلى هذه الدرجة، فالأمر مفتوح على تأويلات عديدة. كما أنه في بعض الأحوال يصبح الابتعاد مسافة ما عن مصدر الخطر كافٍ لتأمين الحياة، بدلًا من إعادة تسكين المجتمع بأكمله.

لست مقتنعة أن هذا التحليل مفهوم وواضح بشكل كامل للحكومة. فعندما يظهر ما تعتبره الحكومة تهديدًا للحياة تبدأ في إعادة التسكين. لا يجب أن يكون الأمر كذلك، فهناك مساحة لحلول أخرى.

زرت أماكن مثل إندونيسيا والفلبين، حيث قالت الحكومة أن هناك مواطنين يعيشون بالقرب من مجرى مائي مما يعرضهم لخطر الفيضان أو تسونامي، وينبغي نقلهم. غير أن الأسر (المهدَدة بإعادة التسكين) تمكنت من استشارة مهندسين واستشاريين اقترحوا حلولًا أخرى للتعامل مع الموقف، ولم يضطروا إلى الرحيل على الإطلاق، ربما احتاجوا فقط إلى دفع خط المنازل للوراء مسافة صغيرة.

أشعر أن قداسة الحق في السكن غير معترف بها بشكل كافٍ حتى الآن في مصر. هناك بالطبع بعض الحالات التي قررت فيها الحكومة أن تترك المجتمعات قائمة في مكانها، إلا أنني لم أشعر أن ذلك عن حق جزء من ثقافة الحكومة السكانية.

مدى: ينظر الكثير من العمرانيين إلى «المناطق غير الرسمية» باعتبارها شيء يمكن التعلم منه والبناء عليه بدلًا من اعتباره عقبة أومشكلة. هل تعتقدين أن هذه النظرة مفيدة في السياق المصري؟

فرحة: أرى أن هناك وجهين للمناطق غير الرسمية، أحدهما هو حرمان المواطنين من حقوقهم الإنسانية مثل: عدم توافر الخدمات الأساسية، والعيش في مساكن سيئة مهددة بالإخلاء القسري أو الهدم.  لكن على الناحية الأخرى، أرى مجتمعات تضج بالحيوية. لا أريد أن أرسم صورة وردية. لكني لا أرى أي شيء غير رسمي في هذه المناطق. أرى استدامة ومجتمع يعمل بشكل جماعي لحل مشكلاته ونزاعاته ويبني حياته الاقتصادية. من المذهل رؤية ما يحدث في المناطق غير الرسمية.

رأيت ذلك في الدويقة على سبيل المثال. لم أصدق ما أراه، كانت الدويقة كأنها مدينة صغيرة قائمة بذاتها. لم أر فيها ما يستدعي الإخلاء أو إعادة التسكين. فهي مجتمع متماسك وسليم وغير عشوائي على الإطلاق. لا أريد رسم صورة غير حقيقية، بالتأكيد هناك نزاعات وصراعات داخل أي مجتمع. غير أني مقتنعة بأن هناك ما يمكن تعلمه من قدرة هذه المجتمعات على التنظيم والمرونة.

لكن الحكومة المصرية ما زالت بعيدة عن الاعتراف بجمال السكان المحليين ومجتمعاتهم، وبما يمكن أن يحدث عندما تعطيهم المساحة والحرية للتواجد. الحكومة في مصر مركزية للغاية، وبالتالي وبشكل متأصل هي تعمل من أعلى لأسفل. ربما تكون هناك بعض التحركات لتفكيك ذلك الوضع قليلًا، لكنها ليست كافية حتى الآن.

اعلان