ثمن البوح.. انتهاك ضحايا التحرش مرتين
 
 
صورة: أنديل
 

«اتفتح عليا باب جهنم، خلاني مش قادرة أثق في نفسي ولا في الآخرين وعارفة إن الأثر بتاع المرحلة دي مش هتعافى منه قريب ولا بالساهل، أنا بيجيلي نوبات فزع إن كل الناس حكت قصتي واتكلمت عني»، هكذا وصفت ليلى تبعات إفصاحها عن تعرضها لتحرش من زميل عمل، وما جره عليها هذا الإفصاح من هجوم لم تتوقع أن يأتي بهذه الحدة.

زملاء ليلى في العمل، التي قمنا بتغيير اسمها حماية لهويتها، قاموا بحملة هجوم عليها، وتطوع البعض من زملائها وأقربائها وأصدقاء لها بإفشاء أسرار شخصية كانت ليلى قد ائتمنتهم عليها، «مكنتش أتوقع أبدا أن دول اللي يهاجموني ويكذبوني»، تضيف ليلى لـ «مدى مصر». لم يُصب الهجوم ليلى وحدها، بل طال زوجها أيضًا، تقول: «جوزي كمان ابتدى يتعرض لمضايقات في شغله بعد ما قلت شهادتي عشان هو دعمني».

في الآونة الأخيرة قرر عدد من النساء الإفصاح عن وقائع تحرش مختلفة تعرضن لها في سياقات مختلفة، وقام أغلبهن بنشر شهاداتهن على وسائل التواصل الاجتماعي، وتعرضن نتيجة لذلك لحملات من التشهير والإساءة لسمعتهن والهجوم عليهن، منهن من خسر أصدقاء وزملاء، ومنهن من خسر عملهن، ومنهن من تعرض لضغط أسري. في معظم الأحوال، تتعرض النساء المُفصحات عن وقائع التحرش لضغط نفسي وعصبي بسبب انتهاكهن مرتين؛ مرة بواقعة التحرش نفسها، وأخرى بسبب إساءات ما بعد البوح بالواقعة.  

من ضمن هؤلاء الفتيات منة جبران، الفتاة التي صورت شخص يتحرش بها في منطقة التجمع بالقاهرة أغسطس الماضي، ونشرت الفيديو على حسابها على مواقع التواصل الاجتماعي. نتيجة للهجوم الشديد عليها كوصفها بـ «العاهرة»، وأنها ترغب في الشهرة، واستخدام صور شخصية لها ونشرها، وسبها وإهانتها، وإنشاء صفحات وهمية تحمل اسمها على صفحات التواصل الاجتماعي للتشهير بها وبصورها الشخصية، اضطرت جبران لنشر فيديو آخر ضد الهجوم عليها. زادت غرابة الأمر حين أصبح الشخص الذي عُرف باسم «متحرش التجمع» مشهورًا، خاصة مع قيام بعض الفنانين بالتقاط صورًا لأنفسهم معه ونشرها، واستضافته في بعض البرامج، بل وإعلان بعض الشركات عن نية استخدام هذا الشخص في دعايات إعلانية.

قالت جبران في إحدى المداخلات التليفزيونية إنها «دفعت التمن من سمعتها» بعد نشرها الفيديو، مستغربة الهجوم عليها خاصة من النساء عقب نشر الفيديو، رغم أن نساء مصر يتعرضن للتحرش بشكل مستمر، وذكرت أن أسرتها قامت بحبسها في المنزل نتيجة ما تعرضت له. لاحقًا فُصلت جبران من عملها، وقالت في مداخلة تليفزيونية أخرى أن جهة عملها أرسلت لها رسالة فصل، بحجة تغيبها عن العمل يومين، ولكن السبب الحقيقي هو نشرها فيديو لمتحرش التجمع.

ثمن التصريح بشهادات التحرش مكلف للغاية للسيدات التي تقررن القيام بذلك، بحسب غدير أحمد، الناشطة النسوية والباحثة المتخصصة في دراسات المرأة والنوع الاجتماعي، فهي تعرف فتيات خسرن عملهن، وأخريات تم فضحهن بالأمر، كما أن الفتيات اللاتي يحكين وقائع تحرش يجدن صعوبات في تقبلهن من الأشخاص المرتبطين بهن. كما ترى مزن حسن، مدير مركز نظرة للدراسات النسوية، في الهجوم على الضحايا نظرة أبوية من مجتمع يرفض أن تقوم السيدات فيه بالشكوى مما يتعرضن له من انتهاكات.

لاحقًا، في بداية سبتمبر الماضي، كتبت الصحفية بـ«اليوم السابع»، مي الشامي، عن تعرضها للتحرش من أحد رؤسائها في العمل. تقدمت الشامي ببلاغ لقسم الدقي أُحيل إلى النيابة التي باشرت التحقيق. في الوقت نفسه، تعرضت الشامي إثر كشفها للواقعة لهجوم شديد. كان من بين المهاجمين الإعلامي أحمد موسى، الذي وصفها هي والمتضامنين معها بأنهم «إخوان مسلمين» وممولين، مما اضطر الشامي لإصدار بيان تطلب فيه عدم استغلال قضيتها سياسيًا. واليوم، الثلاثاء، قالت الشامي على حسابها على فيسبوك إنها بعد عودتها من إجازتها السنوية فوجئت بالأمن يمنعها من دخول المبنى.

من بين الشهادات التي نشرت مؤخرًا أيضًا شهادة داليا الفغال، التي نشرتها عبر حسابها على فيسبوك، واتهمت فيها إعلامي مصري يعمل في مؤسسة دويتش فيله الألمانية بالتحرش بها في سبتمبر 2016. وسردت تفاصيل قالت فيها إن المدعى عليه دعاها للسفر إلى العاصمة اﻷلمانية برلين للنظر في إمكانية التحاقها بفريق عمل القناة. وبحسب روايتها، فإنها فوجئت عند وصولها أنه سيستضيفها في منزله، وذلك على عكس ما اتفقا عليه قبل سفرها، وأنه تحرش بها أثناء وجودها في منزله عدة مرات، ما دفعها للمغادرة. لاحقًا، حذفت الفغال اسم المدعى عليه من شهادتها، دون إبداء أسباب. لكن، في منتصف سبتمبر ذكرت وكالة اﻷنباء اﻷلمانية أن منشورًا على الشبكة الداخلية للتليفزيون اﻷلماني «دويتشه فيله» أعلن عن فصل أحد الموظفين بالمحطة بعد اتهامه بالتحرش الجنسي، وهي اتهامات توصل تحقيق داخلي إلى أنها ذات مصداقية، بحسب الوكالة، ورغم أن القناة لم تسم الشخص، إلا أن بعض المواقع المصرية المحلية وبعض الشهادات التي نُشرت على مواقع التواصل الاجتماعي ذكرت اسم الشخص نفسه المذكور في شهادة الفغال سابقًا.

ذكرت الفغال في بوستات لاحقة على حسابها تعرضها لهجوم وسب وسخرية من هويتها الجنسية، الأمر الذي وصفته بأنه «غير أخلاقي»، وأن صورًا شخصية لها استخدمت أيضًا في حملة الهجوم عليها. تصف الفغال لـ«مدى مصر» الهجوم بأنه «سلطوي انحيازي الهدف منه فرض الهيمنة والتشويش على الشهادات والاعتداءات الجنسية»، بينما وصفت ليلى الهجوم عليها بأنه «رهاب مجتمعي». تضيف الفغال أنها بالتأكيد لم تحب اختبار ما تعرضت له من ترهيب وإقصاء وتحقير، ولكن هذا ما يحدث للناجيات.

مثلما تم الادعاء بأن الشامي وداعميها «إخوان» لأن الشخص المدعى عليه موالي للدولة؛ حتى أن بعض الداعمين للشامي من المعارضين للدولة استخدموا ورقة أن المدعى عليه في قضيتها هو شخص موالي للنظام، مما اضطرها مطالبة الداعمين بعدم تسييس القضية، أيضًا شمل الهجوم على الفغال اتهامها بأنها «مزقوقة من الأمن» لأن المدعى عليه في قضيتها شخص ينتمي للمعارضة.

تقول الفغال لـ «مدى مصر»: «أنا ماليش أي مصلحة من أي نوع في إني أتهمه، وأنا بصنف نفسي كيسارية أساسا. فيه سمعة زائفة منتشرة عن الشخص المدعى عليه، وفكرة أنه من المعارضين البارزين للنظام خلاني وخلى كتير من النساء ما يشكوش للحظة في نواياه».

وتعلق حسن: «فيه انتقائية في تناول القضايا دي أو دعم مشروط بأن المدعى عليه مايكونش من التيار أو المجتمع الحقوقي ودي حاجة زي اللي الدولة بتعملها، إنه الكلام مايبقاش على أفراد في الدولة أو مؤسساتها، ورغم إني مبحبش إن الكلام يكون نتيجته الحبس بأي حال، لكن لازم يكون في إجراءات قانونية ضد التشهير بالناس واستهدافهم».

لم يكن البوح هو أقصى ما تأمل فيه الفغال، التي تعيش في إحدى الدول الأوروبية وتعمل في مجال التقنيات الرقمية. «في حاجات أهم إني أعتني بيها دلوقتي، شبه إني آخد إجراء قانوني ضد الشخص المعتدي»، تقول الفغال، التي تدرس مع محاميها وناجيات أخريات الإجراءات القانونية الممكن اتخاذها ضد المدعى عليه. ولكنه اختيار ليس سهلًا، حاله كحال البوح.

عام 2014 صدر قرار بقانون يُعاقب بالحبس، مدة لا تقل عن ستة أشهر وبغرامة ما بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف جنيه أو بإحدى العقوبتين، كل مَن تعرض للغير في مكان عام أو خاص أو مكان معتاد الذهاب إليه. وتشمل العقوبة الأفعال التي تحمل إيحاءات أو تلميحات جنسية أو إباحية سواء بالإشارة أو بالقول أو بالفعل، أو بأي وسيلة بما في ذلك وسائل الاتصالات السلكية أو اللاسلكية.

وتنصّ باقي مواد القانون على تشديد العقوبة في حالة التكرار، أو ارتكاب الجريمة بغرض الحصول على منفعة جنسية، أو وجود سلطة وظيفية أو أسرية أو دراسية للجاني على المجني عليه.

في سبتمبر الماضي أيضًا، قضت محكمة جنح قصر النيل بمعاقبة متهم بالتحرش بالحبس سنتين مع الشغل والنفاذ، و3 أشهر حبس وغرامة ألفي جنيه عن تهمة الضرب، وغرامة أُخرى قيمتها 10آلاف جنيه في تهمة السب، فيما حكمت ببراءة شقيقه، وذلك لاتهامهما بالتحرش والاعتداء بالسب والضرب على سيدتين هما روزانا ناجح وجهاد الراوي.

وقالت الراوي سابقًا لـ «مدى مصر»، إنها وزميلتها تعرضتا لانتهاك أثناء وجودهما بالقسم والنيابة، بدءًا من التعامل معهما كأنهما المتسببات في المشكلة، واحتجازهما في القسم، والسماح لذوي المدعى عليهما بالضغط على الضحيتين لسحب البلاغ، ثم قضائهما عشرة ساعات كاملة في النيابة. وأضافت: «كنتُ خارجة من القسم، ثم النيابة وليس لدي القدرة أن أقول لأي بنت روحي حرّري محضر تحرش. كان لدي تجربتين سابقتين انتهتا نهاية سيئة لعدم وجود شهود. كنتُ خارجة من النيابة سعيدة إنني خرجتُ للشارع، بعد أن شعرتُ أنني تعرضتُ للعنف بشكل مضاعف سواء في الشارع أو في القسم والنيابة. كنتُ أشعر أنه رغم القانون ووجود الكثير من الاجتهادات لمواجهة العنف ضد المرأة، لكننا ما زلنا واقفين في نفس المكان». وتتابع الراوي: «سعيدة بالحكم، وأشعر برد الاعتبار عن كل المرات التي شعرت فيها أني مُستباحة في الشارع، وبأن القانون لا يطبّق بموضوعية».

فيما يخص القانون ترى حسن أنه لا يوجد ما يحافظ على هوية الشاكية وبياناتها أو حتى الشهود، تضيف «أوضح مثال على ده فتاة المول، اللي المتهم بالتحرش بيها جاب عنوانها من المحضر، وراح انتقم منها بعد خروجه من الحبس». تضيف أحمد أن عبء الإثبات وفقًا للقانون يقع على النساء، والقانون لا يوفر حماية لهوية الناجيات أثناء التقاضي، فيتعرضن للابتزاز أو للانتقام مثل فتاة المول، والتي كانت قد رفعت دعوى تحرش ضد شخص، وحكم عليه بالسجن في 2015، ثم قام بالاعتداء عليها للانتقام في أكتوبر من العام الماضي مسببًا جرحًا قطعيًا في وجهها.

تصف الفغال ما تعرضت له قائلة: «المضايقات مرعبة والوضع هيفضل يتكرر لغاية ما يكون في قانون رادع ومنصف وإطار قانوني يحمي النساء مِن لحظة التبليغ عن الحدث حتى التصعيد ويضمن أمانهم. خوف نساء كتير من الإبلاغ  سببه أن المجتمع بيعاقب النساء ويتهمهم، ويعمل أي شيء لتبرئة الرجل ورفع التهم مِن عليه وإن تعددت الشكاوى». وتضيف الفغال: «أتمنى في المستقبل إن الناس تاخد الشكاوى من هذا النوع بجدية، لأن مافيش ست هتتكلم عن حادثة تحرش/اعتداء جنسي محصلتش. القانون أداة لإظهار الحق ولكن يمكن التلاعب بيها، وهتبقى شهاداتنا جميعا هي الأساس».

وفي بوست آخر لها، أوضحت الفغال أن «السوشال ميديا هي الوسيلة الوحيدة حاليًا اللي نقدر نوصل بيها صوتنا حتى لبعض ونوفر الدعم المعنوي ونشارك تجاربنا ونوصل صوتنا لكل امرأة تعرضت لإعتداء جنسي من شخص بعينه، خاصة لما يكون بيستغل صورته ونفوذه وشهرته لإسكات ضحاياه عشان زي ما انتو شايفين كدا، اللي هتتكلم هتتشتم في شكلها وشرفها وصحتها العقلية، وهتتشتم بأنها ست».

ورغم الثمن الغالي للبوح والانتهاك الذي يليه، والعوار بمسارات القانون، ترى أحمد أن إبقاء الموضوع مفتوحًا على مواقع التواصل الاجتماعي، وبقاء النقاشات حوله أمر إيجابي ومفيد، ويساعد في تطور الوعي بالموضوع حتى لو التطور بسيط وبطئ، خصوصا أن غالبية من نشرن شهاداتهن عن التحرش ثبت لاحقًا صدقها، وأنهن لم يبحثن عن شهرة ولا غيره. تقول: «لو المجال العام اتقفل علينا فاحنا لازم نفتحه ونواجه بعض ونلاقي آليات للتعامل نثبت فيها وجودنا ونناقش ونعالج آليات التفاعل بيننا».

تضيف أحمد أن النقاشات الآن على الملأ، والأشخاص المخطئون سواء بالتحرش أو بالدفاع عن التحرش يواجهون أيضًا بخطأهم على الملأ، و«لأننا برة المؤسسات فلدينا جرأة أكبر وراديكالية وقدرة على الاشتباك أكثر من الجيل الأقدم من النسويات اللي كانوا عندهم آليات مختلفة مش بالضرورة غلط بس كانت مناسبة لوقتها وكان ليها فضل، بس دلوقتي اللحظة مختلفة والاشتباك معاها مختلف، وده يمكن ليه علاقة باللحظة اللي دخلنا فيها المجال العام وكانت منفتحة على كل المستويات حتى في قضايا النوع الاجتماعي، فمفيش مجال لتخويننا أو التحجج بالثورة لمهاجمتنا».   

وترى حسن في مواقع التواصل الاجتماعي بديلًا عن المجال العام الذي تم غلقه، ولكنها لا يمكنها القول إن كان اللجوء لها في ظل السياق الحالي إيجابي أم لا، فدور رفع الوعي في قضايا العنف الجنسي ليس مسئولية الضحايا بل مسئولية العاملين في هذه القضايا، لأن الضحايا يكفيهن ما تعرضن له من «تروما»، وبالتالي لا يمكن مطالبتهن بالإفصاح أو حتى الصمود أمام ما يتعرضن له من إساءات لاحقة، لأنه على حد قولها لا يوجد ما يمكن تسميته بالتصرف الصحيح أو التصرف الخاطئ في مثل هذه الحالات، وأن على النسويات دعم الناجيات في اختياراتهن أيًا كانت، وخلق مساحة آمنة لهن. النسويات العاملات في مجال حقوق المرآة لم تنجن من حملات التشهير الخاصة بالنساء اللآتي يدافعن عنهن. تقول أحمد «تعرضت أنا وغيري للإساءات ومن أشخاص حقوقيين مثل اتهامنا بأننا لدينا ملفات في الآداب، كذريعة لعدم مصداقية تحدثنا عن التحرش».

في النهاية، ترى حسن أن الأمر ليس صعبًا، فوجود إجراءات احترازية داخل المؤسسات بكل فصائلها عامة أو خاصة، سياسية أو غير سياسية، ووجود سياسات تحمي النساء داخلها، وتتبع إجراءات للتحقيق وحماية هوية الشاكية والمشكو في حقه هو أمر قابل للتنفيذ، وهو ما جرى في مؤسسة دويتش فيلله.

اعلان
 
 
هدير المهدوي