جلال أمين: أستاذ فن المحاضرة

يرسم منحنى العرض والطلب على السبورة بقطعة من الطباشير. يضع الطباشير جانبًا، ويمسح يديه ببعضهما قليلًا ويبدأ في الحديث. غير مبالٍ بآثار الطباشير التي غطت الآن كل ملابسه، يملأ صوته القاعة بينما يخطو هو إلى الخلف وإلى الأمام مفسرًا فلسفة الاقتصاد – مفسرًا حياتنا وأسباب الفقر.

كنتُ طالبة في السنة النهائية بالجامعة الأمريكية في القاهرة عندما تلقيت محاضرات جلال أمين. كطالبة «شاطرة» في سنوات دراستي بالمرحلة الثانوية لم أكن أتعرض بجدية، مثل الكثيرين من جيلي، إلا للعلوم الطبيعية. كنت أجيد الرياضيات بشكل خاص، واخترت بطريقة آلية أن أدرس الهندسة بعد الالتحاق بالجامعة. استغرق الأمر أسبوعين تقريبًا كي أدرك أني لست في محلي على الإطلاق في قسم الهندسة. كنت في السابعة عشر من عمري تقريبًا وقتها ولم أكن أكره شيئًا في حياتي أكثر من أن يسألني الناس: ماذا تريدين أن تفعلي بحياتك؟ لم تكن لديّ أي فكرة، لكني كنت أعرف أنها ليست الهندسة. توجهتُ يائسة إلى مكتب الاستشارات الدراسية بالجامعة.

صعدتُ سلمًا ضيقًا لأحد مباني الحرم الجامعي الرئيسية، وفي حجرة مزدحمة جلست سيدة ودودة أمامي لتقرر مستقبلي. سألتني: «ماذا تحبين؟» أجبتها: «أشياء كثيرة. لا أعرف.» قالت: «تقولين أنك ماهرة في الرياضيات. ربما من الأفضل لك أن تغيّري تخصصك إلى الاقتصاد؛ به الكثير من الأساليب «الرياضية»، فهو التخصص الأكثر «علمية» بين تخصصات العلوم الاجتماعية».

كان ذلك في السنوات الأولى من الألفية الجديدة، وكان الاقتصاد يحظى بشعبية كبيرة في ذلك الوقت – فقد كان يضمن عملًا في القطاع المصرفي، أو إن كنت محظوظًا، يمكنك الانضمام إلى موجة الهجرة إلى دبي. لكن الأهم من ذلك، هو أنه كان من السهل أن يقتنع به والدايّ اللذان كانا يضغطان على نفسيهما ماديًا ليدفعا الرسوم الجامعية الضخمة. لكني سرعان ما أدركتُ أن الاقتصاد الذي أدرسه لا يثير فيّ إلا أقل الاهتمام، فالرسوم البيانية والنماذج والأشكال لم تثر اهتمامي أو تلهمني. لكن بمجرد أن حضرتُ إحدى محاضرات جلال أمين، أصبح لكل هذا معنى.

كانت المرة الأولى التي أفهم فيها المنطق الكامن خلف النظريات، وأنها كانت غالبًا ما تستند إلى نماذج معيبة. وكان أمين كثيرًا ما يقول لنا بنبرة صوته الساخرة: «أنا آسف لأني أزف إليكم هذا الخبر السيء بينما أنتم على وشك التخرج، لكن تلك النظرية لا تفلح في الواقع». وبعد ذلك كان يمضي في تفكيك نماذج الاقتصاد الكلي بعد أن نكون أنا وكثير من زملائي في الصف قد بدأنا فعلًا للتو في فهمها لأول مرة في محاضراته. بعيدًا عن محاضرات أمين، كان طلاب الاقتصاد غالبًا ما يدرسون الكثير من الرياضيات لحساب المتغيرات الاقتصادية وحل ألغاز البراهين والتحليل، لكن نادرًا ما كانوا يدرسون أي شيء يتطلب الانخراط في تداعيات النظريات الاقتصادية على الواقع المعاش.

كان هذا قبل أن تجبر الأزمة المالية العالمية عام 2008 بعض الاقتصاديين على القيام بمراجعات فكرية للنظريات الاقتصادية الرأسمالية وإعادة التفكير بشكل أساسي في الطريقة التي يعمل بها التخصص، وإدراك أن نماذج الاقتصاد الكلي السائدة «مقرفة»، باستخدام تعبير الاقتصادي جون هارفي في مقالته لمجلة فوربس عام 2016: «خمسة أسباب للوم تخصص علم الاقتصاد على مشاكل الحاضر».

دون الخوض كثيرًا في مشاكل تخصص الاقتصاد الذي تركته منذ سنوات عديدة، يمكننا القول إن إرث جلال أمين، كأستاذ للاقتصاد، يكمن في الدرس الذي قدّمه لطلابه، ومفاده أنه لا يمكننا الاكتفاء بالجلوس مضطجعين تاركين الاقتصاد يتولى أمرنا، متوقعين أن تؤدي النماذج بطريقة آلية إلى التشغيل الكامل والرخاء، أو إلى زيادة في الاستثمار تجلب المنفعة للجميع. علَّمنا أمين أننا لا نستطيع استبعاد السياسة والحس النقدي من «علم» الاقتصاد.

لكن لعل الأهم من ذلك هو أن أمين كان أستاذًا لفن المحاضرة في التدريس. لم يكن يحتاج إلى أكثر من سبورة، وطباشير، ومعرفته وصوته المليء بالدعابة ليجذب طلابه. بعد رحيله، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، عبَّر الكثير من طلابه السابقين عن هذا الشعور. تذكروا نبرة صوته، وإيماءات يديه، والطريقة التي كان يسير بها وهو يحاضر عن الحياة والاقتصاد. تذكروا كيف كان يُقدِّر طلابه ويمنحهم وقته واهتمامه. قدَّروه كمعلم، منحهم أحد أفضل خبراتهم التعليمية.

بعد أكثر من خمسة عشر عامًا على الجلوس في قاعة محاضراته، لا يزال سؤال معين طرحه ذات مرة يرن في رأسي: «ماذا ستفعلون بكل هذا الوقت؟» طرح هذا السؤال بسرعة ساخرًا، بعد شرحه لنظرية اقتصادية تهدف لتوفير وقت المستهلك. «ربما ستجلسون على الآرائك وتشاهدون التلفزيون، أو تذهبون إلى السوبر ماركت، دافعين واحدة من عربات التسوق الكبيرة تلك لملئها بأشياء لا تحتاجونها على الإطلاق».

اعلان