Define your generation here. Generation What
تأملات في الغياب: الأرشيف الفلسطيني من حركة التحرر إلى دولة أوسلو
تحقيق بحثي في المصير الغريب لأرشيف مركز أبحاث منظمة «التحرير»
 
 
 

في مارس 1986، توجه ملازم أول في الجيش الجزائري اسمه عيسى، مرافقًا رئيس قسم الأرشيف والوثائق في مركز الأبحاث التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، سميح شبيب، إلى معسكر لجيش التحرير الفلسطيني في الصحراء الجزائرية. أشار الملازم أول عيسى إلى صفوف متراصة من الصناديق البيضاء تغطيها الخيام، وقال: «هذا هو الأرشيف الفلسطيني.»[1] من أين كان له هو وشبيب أن يعلما أن مجموعة الوثائق تلك ستبقى هناك، مجهولة المحتويات وبعيدة عن المتناول، بعد مرور ما يقرب من ثلاثة عقود؟[2]

تأسس مركز الأبحاث في بيروت، في 28 فبراير 1965، بقرار من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، بُعيد تأسيس المنظمة نفسها في مايو 1964. وكان المركز، الذي تأسس في عهد أحمد الشقيري، أول رئيس لمنظمة التحرير، يؤدي دور المنتج المعرفي وحافظ السجلات في المنظمة. وبالإضافة إلى ذلك كان مكلفًا بـ «جمع الوثائق القديمة والمعاصرة المتصلة بالصراع العربي–الصهيوني، ومتابعة جمع ما يستجدّ منها، وتنظيم سبل الاستفادة من هذه الوثائق».[3] هذا المقال هو تحقيق بحثي في المصير الغريب لأرشيف مركز أبحاث منظمة التحرير. وهو يعيد بناء قصة ضياع هذا الأرشيف، ويروي أسباب عدم استرداده قط. وهو يسلط الضوء على استيلاء إسرائيل على الموجودات الفلسطينية من المستندات والوثائق، وتخلي القيادة الفلسطينية بنفسها عن سجلاتها. كما يتناول تداعيات هذه الخسارة الأرشيفية على كتابة التاريخ الفلسطيني. وينقلنا نقاش وتحليل هذه التداعيات إلى الأرشيف الجديد المتأسس في ظل السلطة الفلسطينية في أعقاب اتفاقية أوسلو، الأرشيف الوطني الفلسطيني.

في 13 سبتمبر 1993 وقّع ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير ويتسحاق رابين رئيس الوزراء الإسرائيلي على اتفاقية أوسلو. وكرست العملية المترتبة عليها سيطرة محدودة للسلطة الفلسطينية على الضفة الغربية وغزة، تحت رعاية قيادة المنظمة التي كانت قد عادت من تونس العاصمة.[4] تلت ذلك عملية بناء مؤسسات، وفي 1994 أنشأت السلطة الأرشيف الوطني الفلسطيني باعتباره مخزن الإيداع الرسمي لسجلاتها.[5] يتقصى هذا المقال أوجه الاختلاف بين الأرشيف السابق على 1993، أي أرشيف مركز الأبحاث، وبين أرشيف شبه الدولة. ويستكشف أوجه التمايز بين فلسطينَيْن مشَكَّلتين أرشيفيًا والتحول المسخي للحركة الوطنية من مشروع تحرير إلى مشروع إقامة دولة. ويكشف المقال كيف أن إسكات أرشيف والانتصار لآخر له ثمنه الذي ينعكس في تشكيل حدود إنتاج التاريخ الفلسطيني الحديث.

يناقش القسم الأول من هذا المقال التراث الفكري حول الأرشيف الحديث، معاينًا عن كثب تكوين أراشيف حركات التحرر. ويروي القسم الثاني قصة مركز أبحاث منظمة التحرير من نشأته إلى تبدده. أما القسم الثالث والأخير فيضع تبدد أرشيف مركز الأبحاث وتكوين الأرشيف الوطني الفلسطيني في سياق الانتقال المؤسسي من منظمة التحرير إلى السلطة. ولا يتسع المجال أمام هذا المقال لتحليل تأريخات منظمة التحرير والسلطة بكلّيتهما أو شبكة الفاعلين بتداخلاتها الملتبسة وعناقيد القوى والتحالفات التي حددت هوية كلتا المؤسستين على مدار نصف قرن. وبدلًا من ذلك فسوف يركز على الحَرَكيات الداخلية والتحولات ذات الصلة بقصة أرشيف مركز الأبحاث.

(1)

الأرشيف والتاريخ والسلطة

الأرشيف هو الأرشيف بألف لام التعريف … وهو قد لا يعني الموقع المادي ولا مجموعة ما من الوثائق. وإنما قد يعمل كمجاز استعاري قوي عن أي متن قوامه حالات انتقائية من النسيان والتذكر.

—آن لورا ستولر[6]

هذا المقال لا يتناول مركز أبحاث منظمة التحرير بوصفه مجموعة من الوثائق الحاوية لحقيقة تاريخية عن منظمة التحرير. بل يفسر الأرشيف بوصفه مؤسسة لإضفاء الصدق على المعرفة، أي ما تشير إليه آن لورا ستولر Ann Laura Stoler كمنظومة من التذكر والنسيان توفر أساسًا وثائقيًا لبعض دعاوى الحقيقة المتمثلة في سرديات بعينها.[7] يحلل المقال رحلة الأرشيف على خلفية الانعطافة الأرشيفية، ما يعني تحليل الأرشيف لا كمصدر وإنما بوصفه ذاتًا فاعلة. وكما تشرح ستولر فإن الأرشيف بوصفه مصدرًا هو مفاد الرؤية التقليدية للأرشيف كمؤسسة منها يمكن استخلاص وثائق ومن ثم أدلة وحقيقة تخص الماضي. أما الأرشيف بوصفه ذاتًا فيقضي بقراءة الأرشيف كموقع لدراسة إثنوجرافيا الدولة، وتحليل تكونه والمعرفة الناتجة المترتبة عليه كتجليات لسلطة الدولة. تدافع ستولر عن نوع من قراءة الأرشيف يعاين صنع الوثائق باعتباره سيرورة إنتاج حقائق، ويعاين استخدام المادة الأرشيفية باعتباره سيرورة استهلاك حقائق. فالأرشيف لا يكتفي بتسجيل وقائع حال معينة تشكل أساسًا لـ«تواريخ مشمولة بالعناية والتشذيب»[8] وإنما ينتجها كذلك.

أراشيف حركات التحرر وعملية إنتاج التاريخ

إن بناء أراشيف وطنية وصيانتها عمل يقوم في ذاته على طريقة فهم معينة للعلاقة بين الإنتاج الأرشيفي وكتابة التاريخ، وهي طريقة تبتغي شرعنة أنظمة السلطة. وقد فهمت الدول الدور المحوري للأرشيف في ترسيم الحدود التي تشكَّل داخلها التواريخ، ومن ثم سعت إلى السيطرة على الأرشيف. أما أراشيف حركات التحرر، وبالرغم من اختلافها الجذري من ناحية ظروف إنتاجها، فهي تلعب دورًا كلي الحضور في تشكيل السرديات التاريخية. وبناء أرشيف مركز الأبحاث التابع لمنظمة التحرير مادة تثري تحليل أراشيف حركات التحرر من ثلاثة أوجه.

فأولًا، وعلى الرغم من أنه ليس نمطيًا أن تحتفظ حركات التحرر بأراشيف، فعلت منظمة التحرير ذلك.[9] في مقالهما [«توثيق حركة تحرر جنوب أفريقيا»] «Documenting South Africa’s Liberation Movement»، يتأمل برايان وليمز Brian Williams ووليم ك. والاك William K. Wallach الجوانب السياسية لتسجيل وحفظ أراشيف الحركات المنخرطة في نضال التحرر الجنوب أفريقي.[10] وهما يدفعان بأن حركات التحرير تميل إلى عدم الاحتفاظ بأراشيف نظرًا لتوليفة من قمع الدولة والانشغال بالتعبئة والتجنيد، ما يجعل من أي جهد لتوثيق التاريخ أمرًا ثانويًا. والسجلات التي نجت ووصلت إلى أراشيف التحرر انتهى بها المطاف هناك من باب «الحظ والصدف السعيدة أو كفكرة لاحقة.»[11] واحتفاظ منظمة التحرير بأرشيف هو حقيقة يمكن تفسيرها بطائفة من الممكِّنات التي أحاطت بالمنظمة في نشأتها. فالتأسيس الرسمي لمنظمة التحرير في 1964 كمؤسسة تابعة لجامعة الدول العربية، لا كخلايا ثورية سرية، سمحت بمأسسة أنشطتها وإنشاء مركز أبحاث وأرشيف.[12] كما أن تصور منظمة التحرير لأرشيفها وإيجادها إياه في وقت سابق على التثوير الجذري لمنظمة التحرير بقيادة عرفات بدءًا من 1969 هو واقع سمح بما ترتب على ذلك من تجاور غريب بين الثورة المسلحة ومؤسسة الأرشيف.[13]

وثانيًا، فإن بنية منظمة التحرير التنظيمية القائمة في الشتات سهلت قدرتها على الاحتفاظ بسجلات. وفي حالة حركة التحرر الجنوب أفريقية، فإن عملها السري أعاق من قدرة التنظيمات على إنتاج وثائق وتسجيل خبراتها. وللمفارقة، تكفل حظر المؤتمر الوطني الأفريقي، وما ترتب على ذلك من تغيير موقع البنية التنظيمية لتصبح في الشتات، بتخفيف القيود المفروضة في السابق على نشر الوثائق وإنتاج السجلات. أما منظمة التحرير، فكانت ذات طابع شتاتي منذ البداية، ولم تكن قيادتها خاضعة مباشرة لحكم الجهاز القمعي الخاص بدولة إسرائيل. سمح هذا الوضع بهامش حرية للعمل والتوثيق يعتد به، فقام مركز الأبحاث بأرشفة الأثر الورقي المتجمِّع. ولا يعني هذا القول بأن منظمة التحرير تخلصت في عملها من قمع الدولة. فطبيعتها الشتاتية وتبعيتها للأنظمة العربية أمران طرحا أمامها تنويعات من التحديات الخاصة بهما، دفعت بالمنظمة إلى «توازن حساس وبالغ الخطورة.»[14]

ثم تأتي إسرائيل، التي لم يسلم أرشيف مركز الأبحاث من يدها الطولى. فهجمات إسرائيل المتكررة، ثالثًا، والتي لا يمكن وصفها بالصدف، ناهيك بالسعيدة، على أرشيف مركز الأبحاث وصولًا إلى استيلائها عليه في 1982، تؤكد صعوبة الاحتفاظ بسجل وثائقي كامل أثناء النضال في سبيل التحرر الوطني. وسرقة الأرشيف تدل ضمنًا على أن مجرد الاحتفاظ بمثل هذه السجلات يعد تهديدًا إضافيًا تطرحه الحركة؛ ومصدر هذا التهديد ليس له وجود في ميدان معركة على الأرض وإنما في ميدان معركة السرديات. وكما تكشف حالة الجزائر تحت الاستعمار، كثيرًا ما تخضع أراشيف حركات التحرر للاستحواذ الكولونيالي. ففي مايو 1962، قُبيل استقلال الجزائر، نُقلت كمية ضخمة من الوثائق من الجزائر إلى فرنسا، وهي تحوي سجلات 132 عامًا من الوجود الاستعماري الفرنسي في الجزائر، بالإضافة إلى سجلات المقاومة الجزائرية.[15] وبعد ما ينيف على خمسين عامًا، يَحل الأرشيف الجزائري في فرع أقاليم ما وراء البحار من الأرشيف الوطني الفرنسي Archives Nationales d’Outre Mer في آكس-آن-بروفانس، ويظل إلى يومنا هذا محل نزاع.[16] تطالب الجزائر باسترداد ما تعتبره حقها الوطني المتمثل في الأرشيف، لكن فرنسا تعتبر الأراشيف ملكية للإدارة الفرنسية، ومن ثم خاضعة لسيادتها.[17] تقول الحجة الجزائرية إن الوثائق التي منشؤها الأرض الجزائرية هي ملك للجزائريين، وأن الإنكار الفرنسي المتواصل لهذا الحق هو شكل من أشكال الإمبريالية الجديدة الثقافية.[18]

إن استيلاء إسرائيل على أرشيف مركز الأبحاث هو حلقة في سلسلة الاستحواذات الإسرائيلية على الذاكرة الفلسطينية. ويقدر ما تحتويه أراشيف دولة إسرائيل Israel State Archives من الوثائق الفلسطينية العائدة إلى ما قبل 1948 والمستولى عليها من المحفوظات العثمانية والبريطانية بحوالي أربعة آلاف متر طولي، بالإضافة إلى الأوراق التي جُمِعت من مصادر مصرية وأردنية وفلسطينية و«أملاك الغائبين».[19]

(2)

أرشيف مركز أبحاث منظمة التحرير: من بيروت إلى الصحراء الجزائرية

إن أرشيف المركز لا هو الأرشيف الأوحد للحركة الوطنية الفلسطينية ولا هو الأشد اكتمالًا. يوجد العديد من الأراشيف: أرشيف مكتب رئيس منظمة التحرير، وأراشيف جيش التحرير الفلسطيني، وأراشيف الفصائل بصفتها الفردية وما يتبع كلًّا منها من اتحادات ومنظمات اجتماعية. وقد التفت مؤرخو الحركة الوطنية الفلسطينية المواكبة لفترة وجود المنظمة إلى تلك المجموعات، بالإضافة إلى فيض من الدوريات والمذكرات والبيانات المنشورة الصادرة عن الفصائل والقادة، ومنشورات الفصائل (سواء للاستهلاك الداخلي أم للإتاحة العامة)، والصحافة العربية، ومقابلات التاريخ الشفاهي مع الشخصيات البارزة التي نشطت خلال الثورة.[20] وهذه المصادر الأولية، على تشظيها وتعذر الوصول إليها بسهولة، فإنها تستقر في العديد من مكتبات المطالعة والأراشيف والمجموعات الشخصية داخل الشرق الأوسط وخارجه. ومن هنا، فإن أرشيف مركز الأبحاث ما هو إلا مكون واحد ضمن سيرورة خلق الأثر الورقي للحركة الوطنية وتحلله ونجاته. كما أنه جانب واحد من قصة أعرض تدور حول النسيج الاجتماعي الذي ولدت منه الحركة، والطرق التي أثرت بها الحركة على حيوات مختلف المجتمعات الفلسطينية.

يروي هذا المقال قصة الأرشيف مستمَدة من ثلاثة مصادر مختلفة من حيث النوع. المصدر الأول والأهم هو مجموع المواد المنشورة التي تناقش مصير مكتبة المركز. وهي عبارة عن كتابات لأنيس صايغ، مدير المركز من 1966 إلى 1976، وسميح شبيب، مدير الأرشيف من 1981 إلى 1993، ورئيس التحرير الحالي لمجلة «شؤون فلسطينية». والمصدر الثاني هو سلسلة مقابلات مع أشخاص مرتبطين بمركز الأبحاث بشتى الصفات؛ موظفين، رواد مكتبة، وأعضاء في منظمة التحرير يتابعون قصة المركز. والمصدر الثالث هو محضر جرد لمحتويات المركز يعود إلى عام 2003. السردية الناتجة عن ذلك هي تجميعة لنُتَف من الخبرات المباشرة، ضُمّت هنا معًا في محاولة لتتبع حياة الأرشيف. وعلى أهمية هذه النُتَف في إلقاء الضوء على مصير الأرشيف موضوع البحث، تظل هناك ثغرات وتناقضات يعتد بها في الروايات الخاصة بمكان وظروف الأرشيف، والمسار المتعرج الذي اتخذه، ودوافع الأطراف الفاعلة. إن محاولة الوقوف على توافر القصدية أو تحميل المسؤولية هما أبعد ما يكون عن الهدف من إعادة بناء القصة، فالهدف هو سرد الروايات السائدة، وإظهار شدة الخسارة، من خلال هذه الروايات.

يقترح ميشيل-رولف ترويو Michel-Rolph Trouillot أن السرديات التاريخية هي نتيجة لتشكيلة من أفعال الإسكات التي تقع في أربع لحظات: الإسكات في لحظة تشكُّل المصادر؛ الإسكات في لحظة تكوين الأراشيف؛ الإسكات في لحظة إنتاج السرديات؛ والإسكات أخيرًا في لحظة كتابة التاريخ. ستروى القصة هنا باعتبارها قصة إسكات للأرشيف، باستعارة مفهوم الإسكات عند ترويو على مستوى الأرشيف. وسوف تبدأ بالإسكات من الخارج على يد إسرائيل، ثم تنتقل إلى الإسكات من الداخل والذي أبّدته قيادة منظمة التحرير.[21]

الإسكات من الخارج: استيلاء إسرائيل على الأرشيف

أنشأت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير مركز الأبحاث في لبنان عام 1965. وكان مقره بيروت، المدينة التي أصبحت المقر الرسمي للثورة الفلسطينية بدءًا من 1970.[22] واصل المركز العمل في المدينة كجزء من وجود منظمة التحرير، بالرغم من أهوال الحرب الأهلية اللبنانية. في يونيو 1982، استهدفت القوات العسكرية الإسرائيلية الغازية مركز الأبحاث، بالإضافة إلى مؤسسات أخرى تابعة لمنظمة التحرير.[23] لكن المركز واصل أعماله بعد خروج منظمة التحرير من لبنان في أغسطس من العام نفسه.[24] وكان واحدًا من مؤسسات المنظمة الرسمية القليلة التي أُبقي عليها في لبنان وكان قد تمتع بحصانة دبلوماسية منذ تدشينه. اجتاح الجيش الإسرائيلي بيروت في 15 سبتمبر 1982، وداهمت إحدى وحداته مقر المركز في منطقة كراكاس بالحمرا. نهب الجنود الإسرائيليون محتويات المكتبة نهبًا منهجيًا ولاحقوا العاملين بالمركز في أنحاء المدينة. لم يكن هذا الحدث حالة منعزلة وإنما جزءًا من عملية تنفيذ أوسع لأوامر إسرائيلية بالاستيلاء على الوثائق من مكاتب منظمة التحرير بدأت خلال المداهمات في جنوب لبنان.[25]

في 5 فبراير 1983 زلزل تفجير بسيارة مفخخة مبنى المركز. أسفر التفجير عن مقتل ما لا يقل عن أربعة عشر شخصًا، ثمانية منهم موظفون في المركز، وجرح حوالي 107 آخرين.[26] وسرعان ما أغلق المركز أبوابه للمرة الأولى منذ تأسيسيه، ولجأ موظفوه إلى شتى بلدان العالم العربي. أعيد افتتاح المركز في قبرص عام 1985.[27]

ما يتعدى السرقة: كيف تعمل الوثائق المستولى عليها

يحتوي [«منظمة التحرير في لبنان»] PLO in Lebanon، وهو كتاب من إعداد وتحرير المؤرخ رافائيل يسرائيلي Raphael Israeli، نشر في 1983، على مختارات من وثائق منظمة التحرير التي استولى عليها الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان، بالإضافة إلى إفادات شهود عيان. يستخدم يسرائيلي هذه الوثائق لتركيب سردية تصور منظمة التحرير كتنظيم إرهابي والجيش الإسرائيلي بوصفه محرر جنوبي لبنان. كتب يسرائيلي في القدس يوم 30 أغسطس 1982، بعد شهرين من عمر الاجتياح الإسرائيلي وقبل أسبوعين من مداهمة المركز في بيروت، قائلًا إن «عملية سلامة الجليل» جاءت بروايات مفاجئة عن مدى تغلغل منظمة التحرير في جنوب لبنان. وأضاف:

أما المفاجأة الأكبر فهي عدد لا يحصى من الوثائق المضبوطة في المقار المحلية والمناطقية لشتى فصائل منظمة التحرير. ففي مدينة النبطية وحدها، أُخذ ودُمر حوالي 22 مركزًا مختلفًا. وفي هذه المراكز كلها تقريبًا، ضُبطت ملفات تلقي الضوء على الأهداف الأيديولوجية والعملياتية لمنظمة التحرير فيما يتعلق بإسرائيل.[28]

وفي مكاتب أخرى لمنظمة التحرير في بيروت وقعت عملية مشابهة لنهب المستندات من مكاتب منظمة التحرير في قرى وبلدات الجنوب. شرح جابر سليمان، المشارك في تأسيس مركز التوثيق الفلسطيني ومديره آنذاك، محاولات المركز لإنقاذ الوثائق والمستندات بعد الانسحاب الإسرائيلي من بيروت.[29] فأثناء الاجتياح، داهم الجيش الإسرائيلي العديد من مكاتب منظمة التحرير في بيروت ونبشها واستولى على الملفات. ولا يسع المرء إلا أن يتخيل نطاق سرقة المستندات التي جرت في 1982. روى سليمان كيف قام العاملون بمركز التوثيق بجولة لتفقد شتى مكاتب منظمة التحرير في بيروت، ملتقطين وجامعين أي مِزَق نجت من الهجوم. وقد أودعوا المستندات المنتشلة في مكتب «مركز التخطيط»، ثم نقلوها لاحقًا إلى مركز الأبحاث.[30] هذا الورق تكفل بإتلافه تفجير البناية الكائن بها المركز في فبراير 1983.

يبرز [«منظمة التحرير في بيروت»] أربعًا وسبعين وثيقة أصلية وترجمتها، منبعها مكاتب شتى فصائل منظمة التحرير في جنوب لبنان.[31] بعد استيلاء الجيش على السجلات، إذن، يظهر يسرائيلي، المؤرخ بالجامعة العبرية في القدس، والذي تمتع بإمكانية الوصول الفوري إلى هذا الرزق الوثائقي طرح الريح. لقد انتقى الوثائق بعناية ونسقها لإخراج سردية مألوفة إلى حد كبير في سياق الحرب الباردة. تصور هذه السردية منظمة التحرير كتنظيم إرهابي في بؤرة لشبكة من الفاعلين المارقين، أي الخارجين على النظام الدولي، مؤكدة على صلاتها بالكتلة الشرقية، والبلاد العربية والإسلامية، وغيرها من البلدان التي «تسمح للجماعات المخرّبة بالعمل، مثل بلدان كثيرة في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.»[32] وتدعي سردية يسرائيلي مصداقية خاصة دونًا عن غيرها لأنها مبنية على وثائق منظمة التحرير نفسها، وتستخلص الحقيقة من سجلاتها، وتكشف عن صورة منظمة التحرير «كما ترى هي نفسها فعليًا».[33] يدعي يسرائيلي الأمانة الكاملة في قراءة ما بين سطور الوثائق؛ يدعي أن جل ما يفعله لا يعدو أن يصوغ بكلماتٍ تلك الحقيقة التي تطلّبها الأرشيف.

هنا يكمن لب المسألة: فالأراشيف لا تخدم إلى الأبد سردية منشئها. بل تؤول إلى خدمة سردية آسرها. عند إنشائها، أريد بالوثائق الكائنة في مكاتب منظمة التحرير أن تخدم الأغراض اليومية. وما إن سرقها الجيش الإسرائيلي، حتى كان قد استخلصها من نطاق إدارة منظمة التحرير ووضعها داخل نطاق سردية إسرائيل. ليس بوسع وثائق منظمة التحرير أن ترعى نفسها وتحتمي بذاتها؛ ليس بوسعها أن تنسق نفسها من أجل خدمة سردية فلسطينية. في كتابها [«حكم غزة»] Governing Gaza، تحلل إيلانا فلدمان Ilana Feldman العلاقة بين الملفات وأنظمة إدارة الحكم والأراشيف. بعبارات بسيطة، تُبنى أراشيف الدول على استخلاص الملفات من نطاق إدارة الحكم وإدماجها في نطاق التاريخ. وتدفع فلدمان بأن سيرورة نقل الملفات من أنظمة الملفات البيروقراطية إلى التخزين في أراشيف يحولها من سجل مدون خاص بإدارة الحكم إلى مصدر أولي؛ وهكذا تتغير الملفات وظيفيًا من أنظمة مكتوبة للاحتكام والمساءلة إلى أنظمة لإنتاج المعنى.[34] وبمجرد أن نهب الجيش الإسرائيلي مكاتب منظمة التحرير، لم تعد الوثائق تؤدي وظيفتها كتقانة للحكم عن طريق النصوص وصارت مصادر أولية في الأرشيف الإسرائيلي. صارت جزءًا من نظام لإنتاج المعنى التاريخي بواسطة آسرها.

لم تكن دولة إسرائيل آسر الأرشيف الأول. فذاك كان منشئ الأرشيف نفسه؛ مركز أبحاث منظمة التحرير. تكون الأراشيف الوطنية، عند مولدها، أسيرة الكيان الذي أنشأها في سبيل خدمة سردية ذلك الكيان. ولم تكن إسرائيل آخر آسري الأرشيف حتى تاريخنا هذا. فقد جاء الأسر الثالث مع سردية بناء الدولة، التي دشنتها السلطة الفلسطينية، إذ سعت القيادة الفلسطينية المستعمَرة سعيًا حثيثًا إلى تغيير سرديتها، جاعلة وثائق السردية القديمة تتقادم. وفي هذه الحالة الأخيرة، حالة السلطة، كانت ثنائية المنشئ/الآسر قد بدأت مع السيرورة التدريجية التي غيرت بها منظمة التحرير أهدافها وإستراتيجيتها وتكتيكاتها الوطنية.

الإسكات من الداخل: الإهمال والتحلل

في أعقاب حرب 1982، تفاوضت إسرائيل ومنظمة التحرير على صفقة تبادل أسرى تحت رعاية اللجنة الدولية للصليب الأحمر. وأصر صبري جريس، مدير المركز منذ 1978 وحتى 1993، على أن يعامل المفاوضون المكتبة باعتبارها أسير حرب وطالب بتضمينها في عملية التبادل.[35] وهو ما كان، ففي 23 نوفمبر 1983، أعيد 4500 أسير فلسطيني وما قالت إسرائيل إنه مكتبة مركز الأبحاث، مقابل ستة أسرى إسرائيليين.[36]

كان الجيش الإسرائيلي، برعاية الصليب الأحمر، قد شحن بحرًا ما يربو على مائة صندوق إلى الجزائر العاصمة حيث استقبلها السفير الفلسطيني في الجزائر، منذر الدجاني، ولكن في غياب أي ممثل عن المركز لاستلامها، بالرغم من طلب بهذا المعنى قدمه الدجاني. كما لم يكن ثمة محضر جرد يتسنى لموظفي مركز الأبحاث أن يضاهوا به الوثائق المستلمة، لأن الجيش الإسرائيلي سبق أن سرقه مع غيره من محتويات المكتبة في 1982.[37] هذان الملمحان لعملية إحالة الوثائق يجعلان من المستحيل معرفة ما إذا كانت محتويات أرشيف المركز قد أعيدت كاملة حقًا. كما أنه للأسف من الصعب بمكان معرفة إن كان جانب أو أكثر من الأرشيف قد أُتلف أو استُحوذ عليه من قبل الجيش الإسرائيلي أو مؤسسات أرشيفية إسرائيلية بينما كان الأرشيف محتجزًا لدى إسرائيل.

منذ البداية، كان الخلاف حول مصير المكتبة سيد الموقف. كانت السفارة الفلسطينية الآن هي الأمين الجديد على عهدة المكتبة، لكن القرار النهائي بقي بين يدي عرفات.[38] أمر الجيش الجزائري، بالتنسيق مع الملحق العسكري بالسفارة، بإيصال المكتبة حال تسليمها إلى معسكر الخروبة، ومن ثم إلى معسكر تبسّة، حيث تقيم وحدات من جيش التحرير الفلسطيني.[39] في الأول من أكتوبر 1985، أغارت القوات الجوية الإسرائيلية على مقر منظمة التحرير بحمام الشط، في تونس العاصمة. وكإجراء احترازي، نقل الجيش الجزائري المكتبة من الحدود التونسية-الجزائرية إلى قاعدة البيَّض في الصحراء الجزائرية.[40] مهجورة في الرمال، راحت الوثائق تتحلل.[41]

بقيت المكتبة بلا صاحب يطالب بها، حتى مارس 1986، عندما سافر شبيب وجريس إلى الجزائر. وبعد أن توجه به الملازم أول الجزائري إلى الموقع الصحراوي، فتح شبيب حوالي عشرين صندوقًا وتفقد محتوياتها. وقد حاول أن يشحن المكتبة بحرًا إلى قبرص، حيث كان مركز الأبحاث قد أعيد افتتاحه في 1985. إلا أنه فشل بسبب الخلاف الداخلي المستحكم على مآل المكتبة.[42] ويذكر شبيب في روايته مقترحين إضافيين راجا آنذاك. إذ أراد عرفات أن يَحل المركز ومكتبته معًا في القاهرة. بينما كان صلاح خلف (أبو إياد)، الرجل الثاني في منظمة التحرير آنذاك والمسؤول الثاني في فتح، حريصًا على نقل المكتبة إلى العاصمة الجزائرية.[43] لم يدخل أي من السيناريوهين حيز التنفيذ، وبقيت المكتبة في معسكر جيش التحرير في الجزائر.

بعد ثلاثين عامًا من تسليم المكتبة إلى الجزائر، لا نعرف الكثير عن وضعها، وما إذا كان إنقاذها ممكنًا. تذهب إحدى الروايات إلى أن ظروف التخزين السيئة، وسوء الاستخدام من قبل جنود جيش التحرير، أوديا بها إلى الهلاك.[44] وتزعم أخرى أن المكتبة صامدة، لكنها تعاني أضرار المطر والحر والقوارض.[45] أما الدليل المادي الوحيد فهو محضر جرد لمحتويات المكتبة أُعد فيما بين شهري مايو وأغسطس 2003 (انظر الشكل 1). وتنعدم المعلومات بشأن هوية من أعد الكشف، وبتكليف مَن، ولأي غرض. يبلغ الكشف مائة وعشرين صفحة، ويدرج قائمة بمحتويات كل صندوق. وتحمل كل صفحة ترويسة «دولة فلسطين، جيش التحرير الوطني الفلسطيني، قيادة مؤخرة قوات القسطل، الجزائر.» وليس واضحًا ما إذا كانت الجردة جزءًا من عملية أوسع كانت تهدف إلى استعادة محتويات المكتبة. لا نملك سوى الرجاء.

الشكل 1.أ

الشكل 1.ب

الشكل 1.ج

الشكل 1.د

الشكل 1.ه

الشكل 1أ-ه: عينات لصفحات من محضر الجرد؛ الصناديق 18 و42 و46. محضر غير منشور، مقدم من طرف باحث سابق بمركز أبحاث منظمة التحرير، في 24 يونيو 2014.

(3)

الانقطاع والاستئناف

إحدى التبعات الضمنية البديهية لضياع أرشيف منظمة التحرير هي تعذر استخدام مادته في كتابة شذرة من تجربة الشعب الفلسطيني. وتتمثل تبعة أخرى لا تقل عنها فداحة في تعذر قراءة أرشيف المركز في اتجاه التيار ومسايَرة لميله. تشرح ستولر كيف يميل دارسو الاستعمار إلى قراءة الأرشيف في الاتجاه المعاكس لميله، في سعيهم إلى انتزاع لحظات مقاومة لانضباط الحقل المعرفي المتخصص في الاستعمار، إلى إعادة تفسير المفعول بهم في الخطاب الاستعماري بوصفهم ذوات فاعلة من التابعين وفاعلين ممارسين.[46] وهي تشجعنا على قراءة الأراشيف، بدلًا من ذلك، في اتجاه التيار: قراءة ما به من (إعادة) توزيع و(عدم) انتظام و(عدم) اتساق ومعلومات (مغلوطة)، ومحذوفات. قراءة كهذه تتعامل مع مواضع الاختلاق أو الحذف الأرشيفي باعتبارها نقاطًا مدخلية لفهم أجندات السلطة وكشفها. تؤكد ستولر على أن القراءة في اتجاه التيار تعني القراءة تماشيًا مع تقسيم الأرشيف وتبويبه، من أجل فهم دارات إنتاج المعرفة التي تسري فيها السلطة.

إن غياب أرشيف مركز الأبحاث يسلبنا القدرة على قراءته في اتجاه التيار. لم يُفقَد الأرشيف لأنه أُحرق أو لحق به نوع آخر من التلف غير القابل للاستدراك، وإنما لأن صناع القرار في الوقت المعني أهملوا استرجاعه. وسواء من باب التقصير فحسب أم تعمد الطمس، فإن استمرار هذا الإهمال لا يترك لنا ما نقرأه سوى شيء واحد: غياب الأرشيف. يضع القسم التالي من المقال غياب أرشيف المركز في سياق لحظة انقطاع وتمزق أحدثت الحركة الوطنية فيها قطيعة مع ماضيها الثوري، لتفصل ماضي منظمة التحرير عن مستقبل السلطة.

يلاحظ المؤرخ رشيد الخالدي أن أغلب دراسات التاريخ السياسي الفلسطيني تنظر إلى مسار منظمة التحرير بصورة تطورية غائية، بموجبها يُقدّم انتقال المنظمة من طلب التحرير إلى طلب الدولة بوصفه التتويج الطبيعي للنضال المستمر.[47] غير أن هذه الغائية تخفي انقطاعًا لحق بالأهداف الوطنية للحركة: قطيعة إستراتيجية مع الهدف المتمثل في التحرير ونقلة إلى طلب الحكم الذاتي داخل حدود 1967. وهناك روايات عدة تخص تحقيب هذه النقلة. فيدفع البعض بأنها تعود إلى السنوات التأسيسية للحركة. في مذكراته، قال صلاح خلف:

وخلافًا للمظاهر وللقناعة العامة، فإننا لم نقرر إقامة دولتنا على جزء وحسب من فلسطين غداة حرب تشرين (أكتوبر). فمنذ شهر تموز (يوليو) عام 1967، أي بعد شهرين من الهزيمة العربية أو يكاد، تقدم فاروق القدومي من اللجنة المركزية في فتح بتقرير سياسي يعرض فيه الإستراتيجية والتكتيك اللذين يجب أن تتبناهما حركتنا. وفي هذه الوثيقة الآنفة نجده يقترح علينا أن نعلن تأييدنا لقيام دويلة في الضفة الغربية وغزة في حال إعادة إسرائيل لهذه الأراضي التي كانت احتلتها لتوها. وأكد أن هذا الهدف ليس مطابقًا على المدى القصير والمتوسط لحق الشعب الفلسطيني في امتلاك أية قطعة من وطنه وحسب، وإنما يستجيب كذلك لتحليل موضوعي للظروف.[48]

ويمثل عام 1974 نقطة فارقة أخرى في هذه النقلة، وفيه أعلن المجلس الوطني الفلسطيني، في دورته الثانية عشر، عن الحل المرحلي، أو برنامج النقاط العشر. وقد نص بنده الثاني، للمرة الأولى، على هدف إنشاء سلطة وطنية «على كل جزء من الأرض الفلسطينية التي يتم تحريرها».[49] أجاز المجلس الوطني البرنامج، الذي أعاد صياغة أهداف الحركة الوطنية على مرحلتين، مرة كتكتيك ومرة كإستراتيجية: إقامة سلطة وطنية في سبيل تحقيق إستراتيجية التحرير.[50] قدم البرنامج أول لحظة قطيعة مع الهدف المعلن المتمثل في إقامة دولة ديمقراطية للعرب واليهود في كامل تراب فلسطين، ومع بنود الميثاق الوطني الفلسطيني التي دعت إلى التحرير الكامل لفلسطين، عن طريق المقاومة المسلحة بوصفها الوسيلة الوحيدة للنضال.[51] وسواء ولدت بذرته وصيغ تصوره في 1967 أم في 1974، فإن المجاهرة بالهدف الدولتي جاءت مع إقامة السلطة الفلسطينية في أعقاب اتفاقية أوسلو لعام 1993.

مثّل العام 1993 نقطة فارقة تخلت منظمة التحرير عندها عن مطالباتها بأراضي فلسطين التاريخية، لتقطع بالضرورة مع الأهداف التي قامت المنظمة لخدمتها. وبما أن أرشيف مركز الأبحاث كان يمثل الأهداف السابقة للمنظمة خير تمثيل، وإذ أصبحت السلطة الفلسطينية منهمكة على نحو متزايد في خطاب حل الدولتين والتعايش السلمي، برز أرشيف مركز الأبحاث كجسم غريب. احتوى الأرشيف كل ما كانت عبارة «منظمة التحرير الفلسطينية» ترمز له، مجسدًا الأهداف التي سعت السلطة إلى النأي بنفسها عنها. أحدث خطاب حل الدولتين الذي طرحته السلطة تحولًا طرأ على «فلسطين» من كونها كامل فلسطين التاريخية وشعبها إلى كيان مبتور مقطع الأوصال داخل حدود الضفة الغربية وغزة. لقد أحدث تحولًا في «التحرير» من كونه هدفًا ثوريًا ينجَز من خلال الكفاح المسلح إلى أجندة للحكم الذاتي قيد المتابعة عبر الحلول الوسطى والتفاوضات. وأخيرًا فقد أحل محل «المنظمة»، معرَّفة بوصفها حركة ثورية سرية، «دولة قيد الإنشاء» تتطلع إلى أن تكون الكيان الحاكم للأراضي الفلسطينية. لقد طُبع أغلب وثائق منظمة التحرير على ورق يحمل ترويسة تبرز خريطة فلسطين التاريخية وبأسفلها شعار «تحرير». واستُهل أغلبها بـ«تحية الثورة» واختتم بجملة «وإنها لثورة حتى النصر» (انظر الشكل 2).

الشكل 2.أ

الشكل 2.ب

الشكل 2أ-ب: عينات لوثائق من اتصالات فتح الداخلية. وتَظهر الوثيقتان في كتاب رافائيل يسرائيلي Raphael Israeli, P.L.O. In Lebanon: Selected Documents (London: Weidenfeld and Nicolson, 1983), 27 and 30.

وسيكون من شأن شعار فتح ببندقيتي الكلاشنيكوف المتقاطعتين فوق خريطة فلسطين، إلى جانب كل مستند عابر من نتاج الثورة، أن يظل تذكارًا بمشروع وطني مهجور (انظر الشكل 3).

الشكل 3: شعار فتح. تم الوصول في 25 يوليو 2014، http://www.fateh.ps/index.html

لا يفسح خطاب السلطة حول حل الدولتين مكانًا لأرشيف مركز الأبحاث، لأن رؤى منظمة التحرير كتنظيم ثوري ورؤى السلطة كدولة قيد الإنشاء، مروضة بالسلام، منزوعة السلاح، هي رؤى غير قابلة للمصالحة. كانت منظمة التحرير تمثل كامل الشعب الفلسطيني؛ تطالب بأراضي فلسطين التاريخية؛ تؤكد على حق عودة اللاجئين؛ وتتبنى الكفاح المسلح باعتباره وسيلة تحقيق أهدافها. وعلى الناحية الأخرى، كان التفويض الممنوح للسلطة الفلسطينية هو تمثيل فلسطينيي الضفة الغربية وغزة؛ وقد تخلت عن مطلبي التحرير الكامل وحق العودة، ونبذت العنف. لم تنشأ السلطة عضويًا من صلب منظمة التحرير. والأحرى أن منظمة التحرير انمسخت في هيئة السلطة. وفي الطريق إلى ذلك محت القيادة سجل الثورة المسلحة.

أرشيف السلطة الفلسطينية وعملية بناء المؤسسات

تكشف السنوات المبكرة من بناء مؤسسات السلطة الفلسطينية عن سيرورة معقدة من المناورة البيروقراطية التي حكمت النقلة المؤسسية من حركة تحرير قائمة في الشتات إلى شبه دولة. يركز هذا القسم على سنوات ما بعد أوسلو مباشرة عندما صيغ جهاز وأُسِّس السلطة البيروقراطي. ويحلل سردية أرشيف السلطة كما عُبِّر عنها في سنوات ما بعد أوسلو مباشرة.[52]

في كتابه [«سياسيات السلطة الفلسطينية»] The Politics of the Palestinian Authority، يصف نايجل بارسونز Nigel Parsons عملية التكييف المؤسسي التي حددت معالم انمساخ منظمة التحرير إلى السلطة الفلسطينية.[53] وهو يفحص كيف استقدمت قيادة السلطة مؤسساتها وأطقم عامليها من الجهاز البيروقراطي للمنظمة القائمة في تونس العاصمة لتشكل العمود الفقري لجهاز السلطة الإداري والأمني القسري.[54] وكانت شيئًا مركزيًا في هذه العملية تلك السلطة التي راكمها عرفات بتعيين العاملين في فتح، والذين شكلوا أيضًا صفوف النخبة في المنظمة، في المراتب العليا من بيروقراطية السلطة الفلسطينية. عززت سلطةَ عرفات وفتح إعادةُ تشكيل منظمة التحرير على هذا النحو في هيئة العمود الفقري المؤسسي للسلطة، وهمشت تدريجيًا منظمة التحرير نفسها كمؤسسة قائمة بذاتها.[55]

وفي [«السياسيات الفلسطينية بعد اتفاقية أوسلو»] Palestinian Politics After the Oslo Accords، يعاين ناثان براون Nathan Brown عن كثب علاقة مؤسسات منظمة التحرير بنظيراتها في السلطة الفلسطينية. وهو يسلط الضوء على مهمة السلطة العسيرة إذ تدير تشكيلة متنوعة مؤلفة من «مؤسسات متنوعة ومتداخلة … كانت قد نَمَت في سياقات مختلفة»[56] وعلى كيف كانت صياغة مسودة دستور عاملًا حيويًا في تحول منظمة ثورية إلى دولة.[57] يروي براون مسار أربع محاولات لصياغة دستور للسلطة الفلسطينية، ويصف إطارًا دستوريًا غير معلن هو عبارة عن مجموعة قرارات رئاسية أصدرها عرفات. ويقول براون إنه مع كل مسودة جديدة من «القانون الأساسي» (الإطار الدستوري المؤقت للسلطة) كانت العلاقة بين المنظمة والسلطة «تغدو أوهى فأوهى، وإن بطرق ناعمة.»[58] كان من الواضح وفق المسودات الأولى من «القانون الأساسي» أن السلطة كانت تابعة للمنظمة، وأن الأخيرة خارج النظام الدستوري. حُذفت هذه المواد من المراجعات اللاحقة، ولم تشر المسودة النهائية للدستور في 2001 لا إلى المنظمة ولا إلى السلطة، وإنما إلى دولة فلسطين ذات السيادة، والتي سيكون من شأنها أن «تبتلع منظمة التحرير وتحيلها إلى غرفة في المجلس التشريعي الفلسطيني.»[59] وهكذا كان التحول المؤسسي ذا دور فعال في إبدال المنظمة كتنظيم ثوري بدولة قيد الإنشاء. وعلاقة أرشيف المنظمة بالأرشيف الوطني الفلسطيني حديث التأسيس، أو بالأحرى انعدامها، أحد تجليات هذا التحول.

في «كلمته الترحيبية» على موقع الأرشيف الوطني الفلسطيني، يقول رئيس الأرشيف محمد بحيص عرامين:

وما أن أطل العام 1994م برأسه حتى بدأت مرحلة جديدة في تاريخ الشعب الفلسطيني وصورته المعاصرة[،] وذلك مع بداية تنفيذ ما عرف باتفاقية أوسلو وبداية وصول طلائع العائدين إلى أرض الوطن […] هدأت عاصفة العودة.. وبدأت فورًا عملية بناء المؤسسات كمقدمة لبناء الدولة الحرة المستقلة. […] وقد كان الحافز الأساسي لهذا العمل [بناء الأرشيف الوطني الفلسطيني] هو الإيمان العميق والراسخ بضرورة الحفاظ على ذاكرة شعبنا وذاكرة كيانه الوليد (السلطة الوطنية الفلسطينية). [التوكيد من عندي][60]

يوضح الاقتباس أعلاه خير توضيح ما يفعله أرشيف السلطة من تحقيب وسرد للتاريخ الفلسطيني. فوفقًا لعرامين، «هدأت عاصفة العودة» – أيْ نضال الشعب الفلسطيني في سبيل التحرر والعودة وتقرير المصير – في 1994 مع عودة عرفات وحاشيته إلى الأراضي المحتلة. كان هذا الحدث علامة على نهاية حقبة وبداية أخرى جديدة: بناء المؤسسات في الطريق إلى استيفاء أركان الدولة. في كلمته، يتصور عرامين تأسيس أرشيف السلطة باعتباره الأرشيف الوطني: المؤسسة التي مهمتها المبدئية حراسة ذاكرة الشعب الفلسطيني. لكن هذه «الذاكرة» تعرَّف بعناية على أنها الذاكرة قيد التشكُّل الخاصة بالدولة الفلسطينية الوليدة. أنشأت السلطة الأرشيف الجديد بموازاة إنشاء جهازها البيروقراطي بحيث يؤدي الأرشيف دور الوعاء المستقبلي لذاكرة الدولة المستقبلية.

لا يأتي أرشيف السلطة على ذكر أرشيف المنظمة. وباستبعاده سجلات حركة التحرير، لن يضم الأرشيف الوطني الفلسطيني في نهاية المطاف إلا سجلات إدارة الحكم الخاصة بالدولة الوليدة، دونما ذكر للكيان السالف لها إلا على استحياء ربما. وسيكون بمثابة أرشيف دولة، مشابه لتلك الأراشيف التي تصفها فلدمان، حيث الملفات، بعد مرور الوقت، تستخلَص من نطاق إدارة الحكم وتدمج في نطاق التاريخ. سيطالع مؤرخو المستقبل أرشيف السلطة، مع التيار أم في الاتجاه المعاكس، فلا يجدون أثرًا في السجلات لحركة التحرير إلا القليل إن وجدوا. أما ما سيجدوه فحشد وافر من سجلات بناء مؤسسات السلطة وإقامة دولة فلسطينية حديثة.

يُبرز شعار الأرشيف الجديد نسر صلاح الدين، مكتوبًا تحته «السلطة الفلسطينية». أما شعاره المكتوب فهو «ذاكرة الأمة وذاكرة الدولة». تتماهى الأمة والدولة والسلطة الفلسطينية حد التطابق، ولسوف تقوم مؤسسة الأرشيف على حراسة ذاكراتها الموحدة المفردة.

الشكل 4: شعار السلطة الفلسطينية كما استخدمته بعثة المراقبة الدائمة لدولة فلسطين لدى الأمم المتحدة، تم الوصول في 25 يوليو 2014، http://www.un.int/wcm/content/site/palestine/cache/ofonce/pid/11544

الشكل 5: ترويسة موقع الأرشيف الوطني الفلسطيني، تم الوصول في 16 أغسطس 2014، http://www.pnac.pna.ps/ar/index.php?p=main&id=118

خاتمة

بينما كانت إسرائيل هي من سبق وأسر أرشيف المركز، فإن المشروع الفلسطيني لبناء دولة هو آسره الحالي. ومرة أخرى، فإن منشئ الأرشيف وآسره هما طرفا نقيض. أما في هذه الحالة فقد انمسخ المنشئ متحولًا إلى الآسر، وانمسخت الثورة متحولة إلى الدولة، وضاع أرشيف مركز الأبحاث. وإحدى تبعات الخسارة هي تعذر حكي قصص باستخدام المصادر الواردة به. من هذه القصص ما قد يحكي عن منظمة التحرير كفاعل مارق، أو حركة مقاومة، أو إرهاص بالدولة. ومنها كذلك ما عساه يتعدى ساحة التاريخ السياسي، ويُقْدِم على تنقيب التاريخ الاجتماعي للمجتمع الفلسطيني بلبنان، أو على طَرق دروب من قبيل خبرات النساء النضالية، والبنية التحتية المالية لمنظمة التحرير، وروابط الحركة وصلاتها بالنضال والتضامن العالميين المناهضين للاستعمار، إذا اكتفينا بتسمية بضعة احتمالات.

لقد تورط فاعلون مختلفون في إسكات الأرشيف بصفاتهم المختلفة، ولأسباب مختلفة، وبدرجات متفاوتة. الفاعل الأول هو منظمة التحرير، بوصفها عنقودًا من علاقات القوى، والتي أنتجت الأرشيف وساهمت في تدهوره في آن معًا. خلقت المنظمة مركز الأبحاث ليكون منتِجها المعرفي وحافظ سجلاتها، ثم أهملت الأرشيف، وسمحت بأن يطويه النسيان. والفاعل الثاني هو إسرائيل، وتعد سرقتها الأرشيف واحدة من حالات استيلائها الكثيرة على الأراشيف الفلسطينية. والنمط المنهجي الذي اتبعته إسرائيل في الاستيلاء على الوثائق يرتقي إلى محاولة للاستيلاء على جزء من الذاكرة الفلسطينية وطمسها.

الفاعل الثالث هو أرشيف السلطة الفلسطينية. فقد أبّد الإصابة بالصمت الأرشيفي التي أوقعها الاستيلاء الإسرائيلي، بأن أقصى السجلات الرسمية للثورة المسلحة من «ذاكرة الأمة وذاكرة الدولة». ولا يعني هذا القول بأن المؤرخين لا يستطيعون كتابة تاريخ الثورة نظرًا لغياب الأرشيف. فجمهرة من المواد موجودة بالفعل، وإن تكن محدودة، في شتى المكتبات والمستودعات. وما يعنيه غياب أرشيف منظمة التحرير هو أن دولة المستقبل لن تُضمِن سجلات ماضي الثورة في المصادر الأولية التي توفرها للباحثين والمؤرخين، مقصية بهذا تاريخ حركة المقاومة المسلحة من الحدود المرسومة لإنتاج التاريخ والمرعية من قبل الدولة.

في سياق مشروعها لبناء الدولة في لحظة ما بعد أوسلو، خلقت السلطة الفلسطينية أرشيفًا مؤسسيًا جديدًا، يبدأ تحقيبه للتاريخ الفلسطيني من إقامة شبه الدولة. وبذلك المعنى، فإن أرشيف السلطة يؤدي وظيفتين: كبيان وكأداة على السواء. فإنشاؤه ذاته بوصفه أرشيفًا وطنيًا يعمل كاستعارة مجازية عن بناء المؤسسات المستمر. إنه بيان معبِّر يفيد التقدم بلا هوادة نحو إنجاز دولة فلسطينية. وتعمل المؤسسة، ثانيًا، كأداة لإنتاج ماضي الدولة الجديدة المشمول بالعناية والتشذيب. وهي تضم الأثر الورقي الذي أفرزته البيروقراطية الحاكمة. إنها مؤسسة تحفظ ذاكرة لفلسطين معاد تخيلها، فلسطين متآكلة، دائمة الانكماش.

[هذه الترجمة بموافقة المؤلفة وبالتعاون معها لكن المترجم إذ يشكرها يعتبر كل خطأ أو ضعف في النص العربي مسؤوليته. لمطالعة الأصل الإنجليزي: Hana Sleiman, «The Paper Trail of a Liberation Movement,» Arab Studies Journal 24, no. 1 (Spring 2016); 42–67.]

 

[1] سميح شبيب، «الذاكرة الضائعة: قصة المصير المأساوي لمركز الأبحاث الفلسطيني» (رام الله، فلسطين: مواطن، المؤسسة الفلسطينية لدراسات الديمقراطية، 2005). وانظر هنا لمطالعة الشهادة الأصلية بملاحقها والتي نشرها شبيب على الإنترنت.

[2] لقد طُرحت قضية أرشيف مركز الأبحاث مرارًا بعد نشر الأصل الإنجليزي لهذا المقال في 2016، إلا أن أهم ما نشر عنها مؤخرًا مقابلة مع فيصل حوراني أجراها أوس يعقوب على موقع «رمّان».

[3] تعريف بمركز الأبحاث، «شؤون فلسطينية»، تم الوصول في 2 أغسطس 2013، http://shuun.ps/atemplate.php?id=33. وقد أعيد افتتاح مركز الأبحاث في رام الله وفق مرسوم رئاسي بتاريخ 21 مارس 2016. انظر «الرؤية والرسالة» على موقع المركز الذي أطلق مؤخرًا. ويقال إن المفاوضات جارية لإعادة أرشيف المركز من الجزائر إلى رام الله إلّا أن تلك المعلومات غير مؤكدة.

[4] Rashid Khalidi, The Iron Cage: The Story of the Palestinian Struggle for Statehood (Boston: Beacon Press, 2007), 150. رشيد الخالدي، ترجمة: هشام عبد الله، «القفص الحديدي: قصة الصراع الفلسطيني لإقامة دولة» (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2008)، ص 192.

[5] لمطالعة نقاش عن تغيير موقع مؤسسات المنظمة لتصبح في الضفة الغربية وغزة، انظر Jamil Hilal, PLO Institutions: The Challenge Ahead,” Journal of Palestine Studies 23, no. 1 (1993), 46-60. جميل هلال، «إشكالات التغيير في النظام الفلسطيني السياسي»، «مجلة الدراسات الفلسطينية»، المجلد 4،العدد 15 (صيف 1993)، ص 17-41. ولمزيد من المعلومات حول الأرشيف الوطني الفلسطيني، انظر «كلمة ترحيبية»، الأرشيف الوطني الفلسطيني، http://www.pnac.pna.ps/ar/index.php?p=main&id=118، تم الوصول في 2 أبريل 2014.

[6] Ann Laura Stoler, Colonial Archives and the Arts of Governance,Archival Science 2, no. 1-2 (2002), 94.

[7] المصدر السابق، 103

[8] المصدر السابق.

[9] لعب مركز الأبحاث دورًا مزدوجًا. جاء في المقام الأول دور المؤسسة البحثية الرسمية لمنظمة التحرير، وفي الثاني دور مركز التوثيق، مجسدًا في مكتبته وأرشيفه. يقدم أنيس صايغ وصفًا تفصيليًا لأقسام المكتبة الخمسة. وأهم ما فيها قسما التوثيق ووثائق المقاومة الفلسطينية. يحتوي قسم الوثائق سجلات غير منشورة وأوراقًا شخصية، أهمها: أوراق إملي فرانسس نيوتن Emily Francis Newton؛ مجموعة من أوراق «دائرة المخابرات في الشرطة الفلسطينية» (دائرة التحقيق الجنائي) Criminal Investigation Department في حكومة الانتداب البريطاني؛ وثائق حكومة عموم فلسطين؛ وثائق جيش الإنقاذ العربي؛ مجموعة من أوراق الحاج أمين الحسيني؛ ومذكرات وأوراق لحسين فخري الخالدي، وحنا عصفور، وعوني عبد الهادي، وفوزي القاوقجي، وكمال ناصر، وكثيرين غيرهم. أما قسم وثائق المقاومة الفلسطينية فتأسس في مطلع عقد 1970، وشمل آلاف البيانات الصادرة عن مؤسسات منظمة التحرير، والفصائل السياسية، والمنظمات المقاتلة. هذه المقتنيات والممتلكات، إذا ضممناها إلى منشورات المركز، تكفينا للزعم بأن أرشيف المركز أدى بالفعل في الحقيقة دور أرشيف رسمي للحركة الوطنية الفلسطينية بالنسبة إلى السنوات من 1964 إلى 1982. وبالرغم من أنه ليس من إنتاج بيروقراطية دولة، جمع الأرشيف الوثائق التي أنتجتها فصائل حركة التحرير المعاصرة له، ووثائق الإدارات السابقة، والشخصيات المرتبطة بالتاريخ الفلسطيني الحديث. وهكذا فإنه يشكل جزءًا لا يتجزأ من أرشيف الحركة الوطنية. لمطالعة تفاصيل مقتنيات وموجودات الأرشيف، انظر أنيس صايغ، «أنيس صايغ عن أنيس صايغ» (بيروت: رياض الريّس للكتب والنشر، 2006)، ص 217-219.

[10] الأرشيف، الكائن في جامعة فورت هِار University of Fort Hare، يحتوي سجلات المؤتمر الوطني الأفريقي African National Congress، والمؤتمر الوحدوي الأفريقي Pan Africanist Congress، ومنظمة الشعب الآزاني Azanian People’s Organization، وحركة الوعي الأسود الآزانية Black Consciousness Movement of Azania، وحركة الوحدة الجديدة New Unity Movement.

[11] Brian Williams and William K. Wallach, «Documenting South Africa’s Liberation Movements,» in Archives, Documentation, and Institutions of Social Memory: Essays from the Sawyer Seminar, ed. Francis X. Blouin and William G. Rosenberg (Ann Arbor: University of Michigan Press, 2006), 331, fn 20. حانت إحدى لحظات الصدفة السعيدة هذه مع محاكمة الخيانة عام 1956، والتي سبقها تحريز حوالي اثنتي عشرة ألف وثيقة من 460 مكتبًا وبيتًا. وحانت لحظة أخرى مع محاكمة ريفونيا عامي 1963-1964 عقب مداهمة المقر السري للمؤتمر الوطني والتي صودرت خلالها مئات الوثائق. هذه الاستيلاءات، والتي لا ينطبق عليها وصف «فكرة لاحقة»، ساعدت، للمفارقة، على حفظ وثائق لولاها لضاعت من جراء سرية التنظيمات.

[12] Rashid Hamid,«What Is the PLO?» Journal of Palestine Studies 4, no. 4 (1975), 94-95.

[13] المصدر السابق، 100

[14] Khalidi, The Iron Cage, 145. الخالدي، «القفص الحديدي»، ص 187.

[15] Pierre Lucain, “La question des archives Algériennes,” La Revue administrative 34, no. 204 (1981), 641.

[16] لمتابعة التغطية الصحفية لمستجدات القضية، انظر مثلًا: https://www.noonpost.org/content/17492.

[17] Christian Lowe, «Algeria, France Tussle over Archives 50 Years after Split,» Reuters, 4 July 2012. وللنسخة العربية انظر هنا.

[18] Lucain, «La question des archives Algériennes,» 645.

[19] للمزيد حول الوثائق الفلسطينية في الأراشيف الإسرائيلية، انظر محمود يزبك، «المف الفلسطيني في الأرشيفات الصهيونية»، «حوليات القدس» 11، العدد 12 (2011)، ص 86-90.

[20] انظر Yezid Sayigh, Armed Struggle and the Search for State: The Palestinian National Movement, 1949-1993 (Oxford: Clarendon Press, 1997), xv-xvii. يزيد صايغ، ترجمة: باسم سرحان، «الكفاح المسلح والبحث عن الدولة: الحركة الوطنية الفلسطينية، 1949-1993»، (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2002)؛ وKhalidi, The Iron Cage, xl-xliv. الخالدي، «القفص الحديدي»، ص 32.

[21] لمطالعة نقاش لحظات الإسكات الأربع، انظر Michel-Rolph Trouillot, Silencing the Past: Power and the Production of History (Boston: Beacon Press, 1995), 26.

[22] Sayigh, Armed Struggle and the Search for State, 286-87. صايغ، «الكفاح المسلح والبحث عن الدولة».

[23] Carole Collins, “Chronology of the Israeli Invasion of Lebanon June-August 1982,” Journal of Palestine Studies 11/12 (1982), 135-92.

[24] المصدر السابق، 192

[25] Cheryl Rubenberg, The Palestine Liberation Organization, Its Institutional Infrastructure (Belmont, MA: Institute of Arab Studies, 1983), 62.

[26] سميح شبيب، «المصير المأساوي لمركز الأبحاث الفلسطيني»، في «أنيس صايغ والمؤسسة الفلسطينية: السياسات، الممارسات، الإنتاج» تحرير سميح شبيب وبيان نويهض الحوت (رام الله، فلسطين: مواطن، المؤسسة الفلسطينية لدراسات الديمقراطية، 2010)، ص 43.

[27] أثناء تواجده في بيروت شهد المركز عدة هجمات. ففي 1969 ألقيت قنبلة في مدخل البناية من سيارة مارة، فهشمت الواجهة الزجاجية. وفي صيف 1972 أرسل طرد مفخخ إلى أنيس صايغ، مدير المركز آنذاك، فخلّفه بعمى وصمم جزئيين، وأضر بالقدرات الحركية في يده اليمنى. وفي 1974 انفجرت خارج المركز أربعة صواريخ أطلقت من منصات منصوبة على سقف سيارة وأسفرت عن تلف عدة مئات من الكتب. وفي تموز (يوليو) 1982، انفجرت سيارة مفخخة خارج المركز، فحطمت أبواب البناية وجرحت حارسًا. وفي آب (أغسطس) 1982 انفجرت مفخخة أخرى خارج المركز وألحقت به أضرارًا طفيفة. وفي أيلول (سبتمبر) 1982 نبش الجيش الإسرائيلي المركز. وأخيرًا ففي شباط (فبراير) 1983، انفجرت مفخخة سببت أضرارًا بالغة. لمطالعة تفاصيل حول الهجمات على المركز، انظر شبيب، «المصير المأساوي لمركز الأبحاث الفلسطيني»، ص 44.

[28] Raphael Israeli, ed., PLO In Lebanon: Selected Documents (London: Weidenfeld and Nicolson, 1983).

[29] جابر سليمان، مقابلة أجرتها المؤلفة، تسجيل رقمي، بيروت، 29 أغسطس 2013. تأسس مركز التوثيق في 1980 كمؤسسة قائمة بذاتها على يد عضوين في طاقم العاملين بمركز التخطيط في منظمة التحرير. بعد انسحاب منظمة التحرير من بيروت أُلحق مركز التوثيق بمركز الأبحاث لكي يشمل الأخير الأول بحصانته الدبلوماسية ويسمح له بمواصلة أعماله.

[30] وفق تعديل في شهادة الراوي بعد النشر الأصلي: قصف الجيش الإسرائيلي العديد من المكاتب والمقرات القيادية لمنظمة التحرير ولكنه لم يداهمها (إذ تولى الجيش اللبناني هذه المهمة). أما الأوراق المجمعة من قبل فريق مركز التوثيق فهي تلك التي بقيت في بعض المكاتب التي لم يطَلْها التدمير.

[31] شملت هذه الوثائق الخاصة بمنظمة التحرير تعميمات (اتصالات) داخلية ومحاضر اجتماعات وأوامر وتوجيهات عسكرية وإدارية وخططًا عسكرية وقوائم بمواقع مستهدفة وشهادات تخرج وتقارير داخلية ورسائل وخطابات وبطاقات هوية وصورًا.

[32] Israeli, PLO In Lebanon, 169.

[33] المصدر السابق، 9

[34] Ilana Feldman, Governing Gaza: Bureaucracy, Authority, and the Work of Rule, 1917-1967 (Durham, NC: Duke University Press, 2008), 34-35.

[35] سميح شبيب، مقابلة هاتفية أجرتها المؤلفة.

[36] David Shipler, “Palestinians and Israelis Welcome Their Prisoners Freed in Exchange,” New York Times, 25 November 1983.

[37] شبيب، «المصير المأساوي لمركز الأبحاث الفلسطيني»، ص 46.

[38] سميح شبيب، مقابلة هاتفية أجرتها المؤلفة.

[39]شبيب، «المصير المأساوي لمركز الأبحاث الفلسطيني»، ص 47.

[40] سميح شبيب، مقابلة هاتفية أجرتها المؤلفة.

[41] شبيب، «المصير المأساوي لمركز الأبحاث الفلسطيني»، ص 49

[42] سميح شبيب، مقابلة هاتفية أجرتها المؤلفة.

[43] شبيب، «المصير المأساوي لمركز الأبحاث الفلسطيني»، ص 49.

[44] سميح شبيب، مقابلة هاتفية أجرتها المؤلفة.

[45] مسؤول عسكري رفيع في فتح، مقابلة عبر البريد الإلكتروني أجرتها المؤلفة، 27 يونيو 2014.

[46] Stoler, «Colonial Archives and the Arts of Governance,» 99.

[47] Khalidi, The Iron Cage, 150. الخالدي، «القفص الحديدي»، ص 192.

[48] Abu Iyad and Eric Rouleau, trans. Linda Butler Koseoglu. My Home, My Land: A Narrative of the Palestinian Struggle (New York: Times Books, 1978), 138. أبو إياد/صلاح خلف [وإريك رولو] «فلسطيني بلا هوية»، ط1 (الكويت: دار كاظمة، 1978)، ص 219-220.

[49] راشد حميد، «مقررات المجلس الوطني الفلسطيني»، 1964-1974 (بيروت: منظمة التحرير الفلسطينية، مركز الأبحاث، 1975، ص 247.

[50] تصدّر الجهودَ الرامية لتبني البرنامج التيارُ الرئيسي في منظمة التحرير، والمكون من فتح، والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، والصاعقة، وقوبل بمعارضة من معسكر جبهة الرفض، والمكون من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين-القيادة العامة. لمطالعة نقاش حول برنامج النقاط العشر، انظر محمود درويش، إعداد، «المقاومة الفلسطينية أمام التحديات الجديدة»، «شؤون فلسطينية» 30، ص 5-58، وهو نص تفريغ ندوة استضافها مركز أبحاث منظمة التحرير في كانون الثاني (يناير) 1974، جمعت بين أبو إياد؛ جورج حبش، الأمين العام للجبهة الشعبية؛ نايف حواتمة، الأمين العام للجبهة الديمقراطية؛ شفيق الحوت، عضو اللجنة التنفيذية للمنظمة وممثل المنظمة في لبنان؛ وزهير محسن، قائد الصاعقة.

[51] يعد أبرز تعبير عن هذا المعنى ما صدر عن الاجتماع الحادي عشر للمجلس الوطني في يناير 1973، حيث رفضت المادة الثانية من الإعلان محاولات التسوية وأيًا من المشاريع النابعة منها، أكانت تخص كيانًا فلسطينيًا أم دولة في أجزاء من فلسطين. ويردد «الميثاق الوطني الفلسطيني» أهدافًا مشابهة. عرّفت المادة 2 من «الميثاق» حدود فلسطين على أنها حدود فلسطين في عهد الانتداب وأكدت على أنها ترسم «وحدة إقليمية لا تتجزأ». ورفضت المادة 19 «تقسيم فلسطين الذي جرى عام 1947» وما تبعه من «قيام إسرائيل» الذي اعتبرت أنه «باطل من أساسه» وأعلنت «مغايرته لإرادة الشعب الفلسطيني» و«مناقضته للمبادئ التي نص عليها ميثاق الأمم المتحدة». ونصت المادة 9 على أن «الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين»، مضيفة أنه مثّل «إستراتيجية» عامة لا مجرد «تكتيك». وأعادت المادة 21 التأكيد على مركزية «الثورة الفلسطينية المسلحة» ورفض «كل الحلول البديلة عن تحرير فلسطين تحريرًا كاملًا» و«كل المشاريع الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية، أو تدويلها.» لمطالعة بنود «الميثاق» انظر Zafarul Islam Khan, ed., Palestine Documents (New Delhi: Pharos Media and Publishing, 1998), 297-301. وعلى موقع المنظمة هنا. ولمطالعة مقررات اجتماعي المجلس الحادي عشر والثاني عشر، انظر حميد، «مقررات»، ص 225-252.

[52] في هذا السياق، فإن التحليل الوارد لا يشمل شتى الطروحات الخاصة بعملية بناء المؤسسات، وأهمها البرنامج الذي وضعه سلام فياض، رئيس الوزراء الفلسطيني من 2007 حتى 2013. تحليل كهذا يتجاوز حدود هذا المقال.

[53] Nigel Craig Parsons, The Politics of the Palestinian Authority: From Oslo to Al-Aqsa (New York: Routledge, 2005), 9.

[54] المصدر السابق، 43

[55] المصدر السابق، 126-132

[56] Nathan J. Brown, Palestinian Politics After the Oslo Accords: Resuming Arab Palestine (Berkeley: University of California Press, 2003), 8.

[57] المصدر السابق، 86

[58] المصدر السابق، 74

[59] المصدر السابق، 91

[60] «كلمة ترحيبية»، الأرشيف الوطني الفلسطيني، http://www.pnac.pna.ps/ar/index.php?p=main&id=118، تم الوصول في 2 أبريل 2014.

اعلان