أفكار ضد السجال الطائفي

كنت قد كتبت فقرة المدخل في المسودة الأولى لهذا المقال، قبل أن أتلقى على هاتفي مقطعًا صوتيًا مصورًا لقصيدة هجاء مقذعة للإسلام، ولكل أركانه وطقوسه وشخوصه ووقائع عصره الأول، وعلى الفور رددت على مُرْسل هذا المقطع، الذي أعرف أنه مسلم رافض للفكر السلفي، طالبًا منه أن عدم إعادة إرسال مثل هذه «المواد الدعائية ضد الأديان إليّ، مثلما أطلب من الآخرين أن لا يرسلوا إليّ موادًا دعائية إلى الأديان، لأني لا أكوّن أفكاري من هذا النوع من المصادر، ولأن فتح هذا الباب سيغرقنا جميعا في النهاية، بما أنه ليس صعبًا تسقط أسباب للطعن في كل الأديان، عقيدة و طقوسًا، أو تاريخًا وشخصيات مؤسسة».

تلقيت على الفور رسالة استجابة واعتذار من الرجل، لكنني اضطررت لتغيير سطوري الأولى، لارتباط هذه الواقعة ارتباطًا وثيقًا بموضوعي.

أما الفقرة التي كنت قد بدأت بها المسودة الأولى لهذه السطور، فكانت كالتالي: «دون إنكار أو تجاهل الأسباب الأصلية والأكثر عمومية لظاهرة التوتر الديني (أو الطائفي) المتفاقمة في مصر، والتي تتخذ من العنف الأهلي ضد بناء الكنائس أحد مظاهرها أو عناوينها الرئيسية. أي دون إنكار أو تجاهل الفشل المستمر لمشروع الدول الوطنية الديمقراطية، القادرة على رفع مستوى معيشة ووعي مواطنيها، فربما يكون من المهم عمليًا أن نعيد النظر في الكثير من المفاهيم والممارسات المتعلقة بتلك الظاهرة حصريًا، والتي تشيع لدى معظم الأطراف شيوعًا جعلها من المسلمات، وهي لا تزيد بحال من الأحوال عن مقولات أو موتيفات فولكلورية، ترسخت بفعل التكرار في دوائر مغلقة».

كان أكثر ما يعنيني، وما أود التركيز عليه، هو التصاعد المستمر لحالة السجال الطائفي الشعبوي، أو الغوغائي إذا أردنا الدقة، بين جماعات بعينها، وأشخاص بذواتهم على الناحيتين، على أن يكون مفهومًا أننا نفرّق بين السجال وبين الحوار، فالسجال مرفوض، أو يجب أن يكون مرفوضًا لانطلاقه من أرضية العداء، واستهدافه تثبيت خطوط الانقسام، وتعبئة الأنصار، أما الحوار فهو مرغوب لأنه ينطلق من أرضية البحث عن التفاهم، وتثبيت خطوط التوافق والعيش المشترك.

كذلك فإن السجال لا يلتزم بأية معايير علمية أو أصول منهجية، ولا يهتم بها، لأن الغرض هو تجميع النقاط بأية طريقة، في حين يلتزم الحوار بكل تلك المعايير والأصول، لأنه يستهدف توضيح الحقائق، أو الاقتراب منها، ولذا فالسجال هو الأنسب لعقلية العوام والغوغاء، ومن ثم فهو المفضل عند مروجي الفتن والصراعات، وقديمًا قيل: «الحرب أولها كلام».

إذن، فإن أحد أهم المداخل للقضاء على ظاهرة التوتر والعنف الطائفي، أو التخفيف من حدتها تدريجيًا حتى القضاء عليها، هو وقف هذا السجال، وذلك إلى جانب المداخل والمعالجات الأخرى، مثل التطبيق الحازم والحاسم للقانون، وإبعاد المتعصبين وذوي الخلفيات المتشددة عن الدوائر الرسمية المتعاملة مع هذا الملف، والاعتراف بأنه إذا كان التوتر الطائفي متفشيًا- ولو كشعور دفين- في جماعات وأشخاص من الطرفين المصريين، المسلم والمسيحي كما سبق القول، فإن العنف يمارَس من طرف واحد ضد الطرف الآخر باطراد، أي من مسلمين ضد مسيحيين.

هنا يكون السؤال: كيف يمكن وقف السجال الطائفي المتصاعد بخطورة، في أروقة بعض المساجد، وبعض الكنائس، وفي قنوات تلفزيونية معروفة، وكذلك عبر شبكات التواصل الاجتماعي بكافة تطبيقاتها؟

لقد جربنا المدخل التشريعي، تحت مسمى «قانون تجريم ازدراء الأديان»، ولا شك أن هذه كانت خطوة على الطريق الصحيح، ولكن النتائج جاءت أقل كثيرًا مما كان متوقعًا، بحكم أن هذا المدخل هو بطبيعته عقاب بعد وقوع الجريمة ،أو في أحسن الأحوال هو محاولة لردع الجريمة قبل وقوعها. ولكن العقاب والردع يختلفان عن الوقاية الدائمة، التي يوفرها المدخل الثقافي، وغيره من المداخل السياسية والاجتماعية.. إلخ.

وما نقترحه هنا تحديدًا هو استراتيجية لتفريغ السجال من مضمونه، أو إبطال مفعوله بمواجهته ودحض المقولات التي يستند إليها ويروجها أطرافه، وإذا كان من المستحيل حصر كل هذه المقولات حصرًا شاملًا، فليس من الصعب التركيز على أكثرها شيوعًا، وأشدها إثارة للمشكلات، أو تلك التي تنطوي على مغالطات وسوء فهم.

من ذلك النوع الأخير مثلًا تحميل الدولة وحدها مسؤولية وأد مشروع قانون دور العبادة الموحد، في حين أن كلًا من الأزهر والكنيسة شريكان في المسؤولية، فالأزهر يرفض المشروع حتى لا يستقوي به أصحاب المذاهب الإسلامية الأخرى المخالفة للمذهب السني السائد، كالشيعة وغيرهم. وكذلك ترفضه الكنيسة الأرثوذوكسية حتى لا يستظل بحمايته أتباع المذاهب المرفوضة لديها، بوصفها مذاهب غير مسيحية، ومنها المورمون، والسبتيون أو الأدفينتست، وجماعة شهود يهوه. أما الدولة فيأتي رفضها تجنبًا للاعتراف القانوني ببعض الجماعات والطوائف الدينية غير المعترف بها رسميًا حتى الآن، كالبهائيين والبهرة وشهود يهوه.

لهذا السبب وجدت الأطراف الثلاثة من مصلحتها عدم إصدار قانون موحد لدور العبادة، والاكتفاء بقانون خاص لدور العبادة المسيحية، تحت مسمى «قانون بناء الكنائس». لكن يبقى الإقرار بأن هذا القانون تبنى معظم شروط لائحة العزبي باشا، ما يعني أن قبول الكنيسة به جاء تطبيقًا لمبدأ «خذ وطالب»، وفي الوقت نفسه فإن اللائحة التنفيذية لهذا القانون لم تصدر حتى الآن.

ومن المقولات التي يحتدم حولها السجال، وتثير أقصى درجات الغضب عند المسيحي المصري، تكرار القول بتكفير غير المسلم، ومع أن الدعاة المشغولين بتكفير مخالفيهم لا يقصرون ذلك على المسيحيين والأقباط، وإنما يكفّرون الشيعة أيضًا، وكثيرين من أصحاب المذاهب الإسلامية الأخرى، لكن الأقباط يرون أنهم المعنيون بتهمة «الكفر»، بحكم خلو مصر من أعداد كبيرة من الشيعة، أو غيرهم من أصحاب المذاهب الإسلامية المغايرة للمذهب السائد، وذلك إلى جانب إمعان بعض الدعاة السلفيين في توجيه الاتهام مباشرة إلى الأقباط، إلا أن ما يجب أن يدركه الإخوة الأقباط، وما يجب أن يخفف من شعورهم بالغضب، هو أن أي دين يقوم في حقيقته على تكفير أو نسخ الأديان الأخرى، فالمسيحيون أيضًا يعتبرون المسلمين كفارًا، وهذا هو اعتقادهم أيضًا في اليهود، فضلًا عن أن هذا هو اعتقاد أصحاب الديانات الإبراهيمية الثلاث؛ الإسلام والمسيحية واليهودية، في جميع الديانات غير الإبراهيمية.

وعليه، فإن التكييف الحقيقي للخلاف حول تبادل اتهامات التكفير يجب أن يضعها في سياق سياسي اجتماعي، من حيث تهديدها لأسس العيش المشترك، وترسيخها لممارسات التمييز الديني، أي أنه يجب عدم الانزلاق الى فخ المجادلات العقائدية أو اللاهوتية، على مستوى الرأي العام، وفي هذه الحالة لن يتوقف أصحاب كل دين كثيرًا أمام رأي أصحاب الدين الآخر في عقيدتهم، فلماذا يحتاج المسيحي لـ«شهادة بإيمانه» من المسلم؟ ولماذا يحتاج المسلم اعترافًا من المسيحي بصحة إيمانه، ورسالة نبيه؟

أو بعبارة أخرى، ما الجديد الذي اكتشفناه، بعد كل هذا الزمان المتطاول من العيش بعقائد وأديان مختلفة، الذي يجعل رأي الآخرين في عقيدتي هو قضيتي الأولى والأخيرة؟

ويبقى من الوسائل الناجحة في وأد فتنة التكفير هذه اتخاذ قرار طال انتظاره بقصر الإذاعة في مكبرات الصوت من المساجد على رفع الآذان للصلوات الخمس فقط، في حين تبقى خطب الجمعة والدروس محصورة داخل كل مسجد، علمًا بأن هذا هو المعمول به في كل الدول الاسلامية، عدا مصر للأسف.

كذلك من المقولات الواجب دحضها، اتهام المسلمين المصريين بأنهم غزاة، أو أبناء غزاة اغتصبوا مصر من أصحابها الأصليين، أي الأقباط، إذ ليس في تاريخ البشرية كلها دولة واحدة لم يأتها غزاة من خارجها، اختلطوا بسكانها الأصليين، وصاروا معًا شعبًا واحدًا، فبريطانيا مثلا غزاها الرومان والساكسون والفايكينج والنورمان والفرنجة، والبريطانيون، مع الإسكتلنديين والسكان الأصليين من سالت وويلز، يكوّنون الآن بريطانيا العظمى، وكذلك الشعب الفرنسي المكون من الغال القدماء فالرومان فالفرنجة فالقوط وإيطاليا التي جاءها الإغريق فالنورد واللمبارد والجرمان.. إلخ، فلماذا تكون مصر استثناء، بحيث يدوم فيها إلى الأبد الانقسام بين غزاة وأبنائهم، وبين سكان أصليين؟

كذلك فإن المسلمين، «الغزاة» أو «الفاتحين»، لم يأخذوا مصر من سكانها، أو من أحمس ورمسيس وأبنائهم، وإنما أخذوها من الرومان، الذين أخذوها من الإغريق، الذين كانوا قد أخذوها من الفرس، وكان الفرس أنفسهم قد أخذوا مصر من الأشوريين، وجاء قبل هؤلاء وأولئك الليبيون والنوبيون والأحباش. فلماذا اختصاص العرب أو المسلمين وحدهم بأنهم من قضوا على استقلال مصر، وأضاعوا حضارتها ولغتها؟

وأما القول بأن الإسلام دين وافد جاء به البدو، فهو تطاول أدى الى تطاول مضاد يقول إن المسيحية أيضًا دين وافد جاءت به جماعة من صيادي السمك في الجليل، وكأن العقائد الفرعونية كانت هي الأصح، والأجدر بالبقاء في عرف هؤلاء المهووسين من الجانبين، وهو عرف ليس فيه شيء من المنطق أو العلم.

ولا شيء يوازي مقولة «الغزاة المستعمرين» في السخف والمغالطة سوى إصرار الجانب المسلم، في هذا السجال المقيت، على اعتبار أقباط مصر «أهل ذمة في بلاد مفتوحة»، عليهم التسبيح بحمد الفاتحين الذين أنقذوهم من اضطهاد الرومان الديني، وكأن التاريخ توقف عند القرن الأول الهجري، أو كأن الغالبية الغالبة من المسلمين المصريين، حكامًا ومحكومين، لم يتبنوا منذ قيام دولة محمد علي، فالثورة العرابية، ثم ثورة 1919، مبدأ الدولة الوطنية القائمة على المساواة الكاملة في المواطنة، دون تفرقة على أساس الدين أو اللون أو الجنس.

وتتفرع عن هذه المغالطة سلسلة أخرى من الافتراءات ضد الأقباط، كالشكِّ في ولائهم للدولة الوطنية، أو الاستقواء بالخارج، أو الدعوة الى تقسيم مصر، إلى حد حديث البعض قبل ثورة 2011 عن تخزين أسلحة في الكنائس، وكل هذه افتراءات كما وصفناها، لم تثبت صحة شيء منها في أية لحظة، بل إن العكس هو الصحيح، بداية من رفض الكنيسة قبول حماية القيصر الروسي للأقباط، عندما اضطرت الدولة العثمانية للاعتراف لفرنسا بحق حماية الموارنة، ولبريطانيا بحق حماية الدروز، ثم مشاركة الأقباط في الثورة العرابية وثورة 1919، وإحباط خطة الاحتلال البريطاني لخلق هوية منفصلة للأمة القبطية، ورفض مبدأ التمثيل النسبي في دستور 1923، وصولًا الى اختلاط دماء الشهداء المسلمين والمسيحيين في حرب أكتوبر، والى الوحدة في أجمل معانيها خلال ثورة يناير 2011.

وأما من لا يملون تكرار قصة المعلم (أو الجنرال) يعقوب، وفيلقه القبطي الموالي للحملة الفرنسية، فإنه من المغالطة – بل فضلًا من العار- ألا يتذكروا مقابل يعقوب واحد عشرات من الخونة المسلمين، مثلًا محمد بك الألفي الذي تحالف مع الإنجليز، لاحتلال مصر وتمكينه من حكمها، بعد جلاء الفرنسيين، والخديوي توفيق الذي دعا الاحتلال البريطاني، والقائمة الطويلة من خونة عرابي، بزعامة محمد سلطان باشا.

عود على بدء كما يقولون، فإن دحض هذه المغالطات وغيرها لإبطال مفعول السجال الطائفي الجاري منذ سنوات، والآخذ في التصاعد، يجب أن يكون من أولى مهام المجتمع المدني ومنظماته، وخصوصا المنظمات الحقوقية، فضلًا عن الأحزاب السياسية، وكاقتراح محدد فإنني أتوقع من «بيت العائلة المصرية» و«منتدى مكافحة التمييز الديني»، والمحافل المماثلة، أن تقود حملة منظمة ومستمرة، لتفنيد دعاوى المتطرفين من الجانبين، وللدعوة إلى مقاطعة كل المنابر والشخصيات المشاركة في هذا السجال، مع التركيز على «حظر» كل من هؤلاء على مختلف تطبيقات شبكات التواصل الاجتماعي، وحث المواطنين المؤمنين بدولة المواطنة والقانون على التعبير، كتابة، عن استهجانهم لهذه «المهاترات السجالية» على كل موقع أو منبر يتبناها.         

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد