استقالة وراء اﻷخرى: هل يختفي اﻷطباء من مستشفيات الحكومة؟
 
 

خلال الاجتماع الطارئ للجنة الشؤون الصحية بمجلس النواب، الأسبوع الماضي، لمناقشة وقوع وفيات وإصابات بين مرضى الغسيل الكلوي بمستشفى ديرب نجم بمحافظة الشرقية، اشتكت وزيرة الصحة، هالة زايد، من العجز الكبير الذي تواجهه مستشفيات الوزارة في اﻷطباء بسبب عدم قدرتها على منافسة الرواتب خارج مصر أو في القطاع الخاص.

وإذا كنت تتابع مجتمع اﻷطباء، ستعرف أنهم مؤخرًا يتسابقون للحصول على إجازات بدون مرتب، أو حتى الاستقالة، من عملهم في وزارة الصحة. يتحدث بعضهم عن سيناريو قد يبدو صعبًا للوهلة اﻷولى خلال أعوام قليلة، ستخلو معظم المستشفيات والوحدات من اﻷطباء.

وبين يناير وأغسطس من العام الحالي استقال 593 طبيبًا من وزارة الصحة وفقًا لما رصدته نقابة الأطباء، بحسب إيمان سلامة، المدرسة في كلية الطب بجامعة سوهاج، وعضوة مجلس نقابة اﻷطباء بالمحافظة. يخص هذا الرقم اﻷطباء الذين حولوا صفة عضويتهم النقابية من طبيب عامل بالوزارة إلى طبيب حُرّ فقط، دون أن يشمل الحاصلين على إجازة بدون مرتب أو المستقيلين دون تغيير صفتهم، الذين إذا أضيفوا سيتضاعف عدد من تركوا مستشفيات الوزارة ما بين 10 و15 ضعف بحسب إيمان.

من جانبه، يشير رشوان شعبان، الأمين العام المساعد لنقابة اﻷطباء، إلى أن هذا العدد مرتفع للغاية مقارنةً باﻷعوام السابقة، والتي لم تشهد أي حالات استقالة تقريبًا. بحسب شعبان، لم تتمكن النقابة من تحديد إحصائيات دقيقة بسبب عدم شفافية وزارة الصحة في اﻹفصاح عن اﻷرقام.

في 2016، بلغ عدد اﻷطباء العاملين في القطاع الحكومي في مصر 103 آلاف طبيب، بحسب إحصائيات الجهاز المركزي للتعبئة العامة واﻹحصاء، منهم حوالي 80 ألف في مستشفيات ووحدات مديريات الصحة والمستشفيات والمعاهد التعليمية، والذين يزيدون بفارق ضئيل عن عدد اﻷطباء المصريين العاملين في السعودية، والبالغ 69 ألف طبيب، بحسب تقديرات صرح بها شعبان لـ «مدى مصر».

وعمومًا، عدد الأطباء في مصر دون الحد الأدنى العالمي لكفاية السكان. بحسب إحصائيات منظمة الصحة العالمية لعام 2014، يتوافر في مصر 2.2 مقدم للرعاية الصحية (أطباء وتمريض وغيرهم) لكل 1000 مواطن، وهي نسبة تقل عن الحد اﻷدنى الذي حددته المنظمة بـ 3.4 لكل 1000 مواطن. وهناك أقل من طبيب واحد لكل 1000 مواطن.

ورغم حاجة القطاع الصحي إلى زيادة عدد مقدمي الخدمة الطبية وخصوصًا اﻷطباء، يستمر هروب اﻷطباء من المستشفيات الحكومية، بما يهدد القطاعات اﻷكثر فقرًا، والتي لا تستطيع تحمل تكاليف الرعاية الصحية الخاصة.

يتوجه اﻷطباء للسفر والعمل بالخارج، أو على اﻷقل العمل في مستشفيات أو عيادات خاصة داخل مصر. وزيرة الصحة قدرت خلال اجتماع البرلمان، الأسبوع الماضي، أن 60% من اﻷطباء المصريين موجودون في السعودية.

تختلف أزمة نقص اﻷطباء بحسب المكان. في المحافظات النائية، وفي القرى البعيدة عن المدن المركزية، تعاني المستشفيات من نقص عام في جميع التخصصات الطبية. وفي المقابل، تتمتع المحافظات والمدن المركزية بنسبة عالية من اﻷطباء. بحسب تقدير مقرر اللجنة القانونية لنقابة اﻷطباء في 2013، 45% من مجموع الأطباء يعملون في القاهرة الكبرى.

يتوزع أطباء التكليف كل عام على مديريات الصحة في جميع أنحاء الجمهورية، لكن يمكن للأطباء تعديل تكليفهم والانتقال من المحافظات البعيدة إلى محافظاتهم بعد مرور عام.

يرى محمد رشاد، طبيب أمراض الكلى، أن السبب الرئيسي وراء عزوف اﻷطباء عن العمل في وزارة الصحة يرجع باﻷساس إلى عدم ملائمة المقابل المادي بالنظر إلى حجم مسؤولياتهم.

يشير رشاد إلى غياب مقابل مادي عادل كان موجودًا طوال الوقت، لكنه كان يتوازن بالطريقة العرفية التي تعمل بها المستشفيات الممتلئة باﻷطباء. يتوزع اﻷطباء في الوحدات والمستشفيات على أيام عمل اﻷسبوع والنبطشيات فيها. يتكفل كل منهم بالعمل في يومين أو ثلاثة مقابل عدم حضوره باقي أيام اﻷسبوع. صحيح أن هذه الطريقة تخالف القانون، لكنها كانت عادلة بالنسبة للأطباء، بحسب رشاد. المقابل المادي الذي تمنحه الحكومة يصبح أكثر عدلًا مع انخفاض أيام العمل بما يمنح الفرصة للأطباء للعمل في القطاع الخاص وتحسين دخولهم. هذا التوازن كان يحافظ على رغبة اﻷطباء في الاستمرار بالعمل في وظائفهم الحكومية رغم المقابل المادي الضئيل.

بدأ هذا في التغير في اﻷعوام الماضية بعد إقرار قانون الخدمة المدنية، والذي أصدره الرئيس عبد الفتاح السيسي في مارس 2015 ووافق عليه البرلمان في أكتوبر 2016. عدد من اﻷطباء الذين تحدث معهم «مدى مصر» أشاروا إلى توجه الجهاز اﻹداري لفرض انضباط داخلي بعد إصدار القانون، ظهر في أمور شكلية في بعض اﻷحيان، ومن بينها الالتزام بمواعيد الحضور والانصراف ووجوب ارتداء البالطو وتعليق الهوية. «كل الحكاية عندها [الحكومة] حضور وانصراف وID وبالطو»، يقول شعبان.

تضيف إيمان سلامة أن عمل اﻷطباء في مستشفيات الحكومة لا يمنحهم تعليمًا أو تدريبًا كافيًا يمكنهم الاستفادة منهما في عملهم الخاص. هذا هو السبب، بحسب رأيها، في إقبال اﻷطباء على المستشفيات والمعاهد المتخصصة رغم حالة العزوف العام عن مستشفيات الحكومة.

تشير إيمان أيضًا إلى تكرار حالات الاعتداء على اﻷطباء أثناء مباشرة عملهم، وعدم حمايتهم من غضب المرضى وذويهم، أو من المساءلة القانونية خصوصًا في حالات المضاعفات الطبية التي قد تحدث ﻷي مريض ولا تعني بالضرورة إهمال اﻷطباء في عملهم. يتضح هذا بالنسبة إليها في الانخفاض الرهيب الذي شهده هذا العام في عدد اﻷطباء الراغبين في الحصول على نيابات طوارئ أو جراحة، بحسب ما لاحظته، وهو اﻷمر الذي تفسره بإحساس عام لدى اﻷطباء بعدم اﻷمان.

ومع تضاعف اﻷسعار بسبب موجات التضخم بعد انطلاق برنامج اﻹصلاح الاقتصادي الذي تتبناه الحكومة بدعم من مؤسسات التمويل الدولية، أصبح الوضع ضاغطًا بالنسبة للأطباء. حصل رشاد على إجازة بدون مرتب في أبريل الماضي، ويقول إنه فكر في تقديم استقالته إذا لم يتمكن من الحصول على الإجازة.

كان رشاد محظوظًا ﻷنه استطاع الحصول على إجازة، لكن زملاء كثيرين له اضطروا لطلب إجازة مرضية لتأجيل المواجهة مع الجهاز اﻹداري. «فيه دكاترة تقول بلّغ مرضي وكل شهر روح احضر يومين وبلغ مرضي تاني، المهم إنه ما يترفدش وفي نفس الوقت ما يحضرش»، يقول رشاد. أثناء إتمام إجراءات اﻹجازة، كان مدير المستشفى يباشر بنفسه إدارة قسم الطوارئ بسبب العدد الكبير من اﻷطباء الغائبين في إجازات مرضية.

يرى شعبان أزمة في عدم تفرقة الحكومة بين اﻷطباء وباقي موظفي الدولة. بحسب رأيه، هناك تناقض بين خضوع اﻷطباء لنفس القانون والذي ينظم عدد ساعات العمل وطريقة احتساب اﻷجور الثابتة والمتغيرة، ومن ناحية أخرى توقع انتظامهم في تغطية النبطشيات المسائية والليلية ومتابعة المرضى بمقابل مادي لا يكاد يُذكر.

يتفق رشاد مع شعبان، مشيرًا إلى البدل الذي يحصل عليه اﻷطباء مقابل كل نبطشية 12 ساعة من 8 مساءً وحتى 8 صباحًا، ويبلغ 50 جنيهًا فقط. ويقول إن «الموظف العادي ما لهمش عنده إلا شغل من الساعة 8 حتى 2 ظهرًا وفي معظم اﻷماكن كمان عندهم يومين إجازة في اﻷسبوع. الدكتور ﻷ، تيجي نبطشية، تشتغل كل يوم، وما تقدرش تقول ﻷ».

يرى شعبان أن الحكومة ترغب عن عمد في التخلص من عدد كبير من اﻷطباء ضمن حملتها لتقليص عدد العاملين بالدولة. لكن هذا يرتبط أيضًا بالنسبة إليه بالتوجه الذي كشفت عنه الدولة مرارًا بالتخلي عن تقديم الخدمة الصحية، وألمح إليه السيسي مجددًا اﻷسبوع الماضي. بحسب رأيه، ترغب الدولة في قصر الرعاية الصحية على التأمين الصحي والقطاع الخاص.

لا تتفق إيمان مع رأي شعبان في أن الحكومة تفعل هذا عن عمد. بالنسبة إليها، فإن السبب هو اﻹهمال غير العمدي. «شايفة إن الموضوع كله سوء وغباء إدارة بيروقراطية مش أكتر»، بحسب تعبيرها.

على الرغم من هذا، تتفق سلامة مع شعبان على الحاجة إلى إدخال إصلاح جذري على طريقة إدارة المنظومة الصحية ومن بينها ما يتعلق باﻷطباء. على الحكومة أن تقدم للأطباء شيئًا ما لدفعهم للاستمرار في المستشفيات. وبحسب رأيها، إذا لم تتمكن الحكومة من توفير مقابل مادي للأطباء بسبب ضعف اﻹمكانيات، يجب عليها أن تقدّم شيئًا آخر. ربما يكون تدريبًا جيدًا أو حتى إقرار لقانون المسؤولية الطبية وتأمين عمل الأطباء في المستشفيات. ويتفق الجميع على أن اﻹقرار بهذه الحاجة للإصلاح وبدء التفكير بصددها هو فقط ما يمكنه منع كارثة محتملة باختفاء الأطباء من وزارة الصحة.

اعلان
 
 
محمد حمامة 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن