إسماعيل الإسكندراني.. أن تسجنك «طريقة عمل المحشي»
قراءة في أوراق قضية عسكرية حكمها غير معروف
 
 
 
المصدر: روجيه انيس
 

في الحادية عشرة والنصف من صباح 29 نوفمبر 2015 وصل إسماعيل السيد محمد إلى مطار الغردقة، قادمًا من العاصمة الألمانية برلين. حين وقف أمام مكتب الجوازات أعلمه الضابط المسؤول أنه سينتظر قليلًا لوجود اشتباه في الاسم، قبل أن يصطحبه أمين شرطة إلى ضابط جهاز اﻷمن الوطني بالمطار، والذي بدأ في تصفح جواز سفره وسؤاله اﻷسئلة المعتادة في مثل هذه الحالات، قبل أن يجد الضابط بين المتعلقات جهاز «لاب توب»، طلب من إسماعيل كلمة سر الدخول عليه، فمنحها له.

كانت هذه اللحظة بداية لفصل طويل، لم ينته حتى اﻵن، في حياة إسماعيل السيد محمد، فصلٌ اقترن فيه اسمه بتعريف جديد؛ ليصبح الباحث والكاتب «السجين» إسماعيل الإسكندراني.

القراءة في أوراق القضية 569 لسنة 2015، التي ضُمّ إسماعيل إليها -وقد اطلع «مدى مصر» عليها- فضلًا عن إلقاء هذه القراءة الضوء على تفاصيل مختلفة من حياته، وعلى كثير من التفاصيل القانونية الخاصة ببنية قضايا الإرهاب، فهي تلقي الضوء كذلك على أوضاع العاملين في الصحافة والبحث، وأولئك الفاعلين في الشأن العام، خاصة المهتمين بأمور اﻷمن والإرهاب، وهو ما يتضح أكثر بالحديث مع عدد ممَن اقتربوا من إسماعيل في فترات مختلفة.

في التاسع من نوفمبر 1983 ولد إسماعيل في الإسكندرية، وعلى مدار اﻷعوام الخمسة والثلاثين الماضية توالت الفصول في قصته؛ من التفاعل مع نشطاء محليين في مدينته اﻷم عام 2008، وهو في الخامسة والعشرين، تزامنًا مع صعود حركات مدنية تشتبك باﻷساس مع العمال وسكان اﻷحياء المهمشة، إلى العام 2010 مع ظهور محمد البرادعي وحملته الشبابية على أنقاض قضية تعذيب ومقتل خالد سعيد، ليصبح إسماعيل منسق تلك الحملة في الإسكندرية، وصولًا إلى دوره كعضو فاعل في الحملة الانتخابية المركزية للمرشح عبد المنعم أبو الفتوح للترشّح لانتخابات الرئاسة عام 2012. ومن هذه المحطات السياسية إلى بروز اسمه كباحث معروف لمَن يتابع الوضع الأمني والعسكري في مصر، بعدما بات ضيفًا في العديد من القنوات الفضائية التي تحلل الأحداث في سيناء. خاصة مع مقالاته التي كتبها عن الوضع في سيناء في ذلك الوقت.

مثلما انعكست أهمية مقالات إسماعيل على بروزه كباحث، انعكست على وضعه في القضية، إذ أرفقت سلطات التحقيق بملف القضية المقالات التي كتبها؛ وهي سبع مقالات منشورة في موقع «السفير العربي»، يتحدث فيها عن الجغرافيا البشرية لسكان سيناء ووضعية الفلسطينيين المقيمين هناك، وخريطة المستثمرين وعلاقتهم بشخصيات عسكرية. بالإضافة إلى قصص صحفية أُخرى منشورة في جريدة «الأخبار» اللبنانية تتناول العمليات العسكرية في سيناء، وما وصفته القصص بـ «تربية الميول الثأرية لدى أهالي سيناء ضد القوات الأمنية» و«معاقبة المواطنين الرافضين للتعاون مع أجهزة الأمن».

حملت القضية المتهم فيها إسماعيل الإسكندراني عدة مفارقات، بداية من قضائه سنتين ونصف السنة قيد الحبس الاحتياطي، ما يتجاوز المدة القصوى للحبس المحددة في القانون، وانتهاءً بالحكم العسكري غير المعلوم بشكل قاطع الذي صدر بحقه، في 22 مايو الماضي. ففيما قالت مصادر صحفية إن حكمًا صدر بحبسه عشرة سنوات، نفى المتحدث العسكري ذلك دون أن يوضح حقيقة الحكم. وهي المتاهة القانونية التي يصفها طارق عبد العال، محامي إسماعيل، قائلًا: «حتى الآن لا نعرف الحكم. ولم يتمّ التصديق عليه. وهذا بالطبع يمنعنا من الطعن، وحسب قانون الأحكام العسكرية لا يوجد حد زمني أقصى يتوجب التصديق فيه على الأحكام».

غير أن هذه المتاهة القانونية تبدو متماشية مع باقي المفارقات التي حوتها القضية، والتي بدأت بملابسات توقيف إسماعيل لدى وصوله لمطار الغردقة.

الصورة: روجيه أنيس - المصدر: روجيه أنيس

كانت عودة إسماعيل الإسكندراني لمصر بمثابة مخاطرة واضحة، خاصة مع محاضراته ومداخلاته لدى جهات تعتبرها الدولة معادية، مثل قناة «الجزيرة»، فضلًا عن كتاباته التي ركزت على مسألة اﻷمن والإرهاب، ولهذا كان إسماعيل متوجسًا من القبض عليه عند وصوله للمطار، وهو ما ظهر في عدد من الرسائل الإلكترونية التي أوردت نيابة أمن الدولة نصها في القضية؛ اﻷولى مع أستاذة علوم سياسية في الجامعة اﻷمريكية، والتي كانت مشرفة رسالته للماجستير، يعُلمها بحضوره ﻷسباب عائلية، فترد متمنية السلامة، قبل أن يبعث بعد ساعات رسالة تفيد باعتقاله عند وصوله للمطار. (حُذفت أسماء كل أطراف المحادثات مع إسماعيل للحفاظ على خصوصيتهم).

تزامنت تلك المحادثة مع أُخرى أجراها مع صديق مصري مقيم في اليابان، بدا أنها بدأت بعد قليل من استيقافه في المطار، يطلب فيها الصديق من إسماعيل تجهيز رسالة طوارئ توضّح موقفه، فيرد بأنه لا يزال محتجزًا في الجوازات، مبديًا قلقه من احتواء جواز سفره على ختم العبور من معبر قسطل (بين مصر والسودان).

في ذلك الوقت، ومع سفر عدد كبير من الناشطين السياسيين للخارج، كان السفر إلى السودان يثير ريبة الأجهزة الأمنية، إذ كان السودان هو واحد من البلاد القليلة التي تستقبل شباب جماعة «الإخوان المسلمين» المسافرين من مصر.

حين وصل إسماعيل الإسكندراني إلى ضابط اﻷمن الوطني ظل اﻷخير يتصفح جواز سفره، وهو يستلم في الوقت نفسه أوراقًا تصله عبر الفاكس عن كافة تحركات إسماعيل منذ سفره إلى السودان في أكتوبر 2013 وحتى عودته إلى مصر في ذلك اليوم،  وخلال ذلك، بحسب نص أقوال إسماعيل، وجه الضابط له أسئلة حول سفرياته الكثيرة وطُرق الإنفاق عليها، إلى أن وصل إلى صفحة بجواز السفر بها ختم دخول دولة صربيا.

بين أسئلته عن زيارته إلى صربيا، سأل الضابط إسماعيل عن الأشخاص الذين قابلهم هناك، وتحديدًا شخصين أحدهما سوري، كما سأله عن علاقته بمنظمة «كانفاس»، والتي أسسها ناشطون صرب، وتعمل تحت راية العمل غير العنيف، وهي المنظمة التي تمّ اتهام كثيرين من المنتمين لحركة «شباب 6 أبريل» بتلقي تمويل منها لتنفيذ أجندات سياسية خارجية، بعدما نظمت عددًا كبيرًا من التدريبات وورش العمل المتعلقة بالتغيير السياسي السلمي إبان بدايات تحركات الربيع العربي عام 2011.

في إجابته على اﻷسئلة أوضح إسماعيل أنه زار صربيا للعمل على قصة صحفية بمناسبة مرور 20 عامًا على حرب صربيا-البوسنة. وهناك التقى عضوًا في «6 أبريل» (معتقل سابق من الحركة، أُعيد سجنه مؤخرًا، وسمّاه إسماعيل للضابط)، وعرفَ إسماعيل أنه في ورشة عمل تنظمها «كانفاس»، ففكر في زيارة المنظمة لعلها تفيده بمصادر لقصته الصحفية. وحدث اللقاء بينه وبين أعضاء المنظمة مرتين. الأولى في المقر بغرض التعارف، والثانية في عشاء رسمي بعد انتهاء ورشة العمل.

إلى هذا الحد كان الأمر يقف عند حدود الاشتباه المعتاد في زيارة النشطاء السياسيين إلى صربيا. وهو ما يشير إليه إبلاغ الضابط إسماعيل أنه سيغادر المطار، فيما سيتحفّظ الأمن الوطني على جواز سفره على أن يتسلّمه لاحقًا، وهو ما لم يحدث، إذ لمح الضابط بين متعلقات إسماعيل «لاب توب»، فطلب الدخول عليه فأعطاه كلمة المرور. وبحسب رواية إسماعيل أمام جهات التحقيق، شعر الضابط أن في يده صيدًا ثمينًا عندما وجد ملفات تحمل أسماء: «سيناء»، و«الجهاد»، و«رسائل البنا».

رغم أن ضابط اﻷمن الوطني، ومن قبله زميله في الجوازات، لم يذكر اﻷمر سابقًا، إلا أنه أظهر فجأة قرارًا بضبط وإحضار إسماعيل صادر من نيابة أمن الدولة قبل ثمانية أشهر من وصوله إلى الغردقة، وبناءً عليه تقرر احتجازه، ليُمثل في اليوم التالي أمام النيابة، مُتهمًا، هو و17 آخرين، بقائمة طويلة من الاتهامات.

عُرض إسماعيل على نيابة أمن الدولة العليا للمرة اﻷولى يوم 30 نوفمبر 2015، قبل أن تحيله في مرحلة متقدمة -بعد سنتين ونصف من توقيفه- إلى النيابة العسكرية، التي أحالت القضية إلى القضاء العسكري، لتصدر المحكمة في 22 مايو 2018 حكمها بإدانة المتهمين بمن فيهم إسماعيل.

اشتملت قائمة الاتهامات التي أدانت بها المحكمة العسكرية المتهمين على: تأسيس صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، تتولى نشر تدوينات تشير إلى أماكن تمركز الكمائن الأمنية، وإصدار تحذيرات للعناصر الإرهابية من خلال نشر أماكن المداهمات. وبث الشائعات والمعلومات المغلوطة التي تشير إلى قيام القوات المسلحة بعمليات عسكرية بسيناء بغرض استهداف أهالي وعواقل سيناء. وتأسيس صفحة بعنوان «طريقة عمل المحشي»، تتولى تنظيم حملات إعلامية ضد مؤسسة الرئاسة وبث توجهات تنظيم الإخوان الإرهابي. وتداول أنباء الحملات الأمنية وأعمال المداهمات بشمال سيناء وصور أفراد وضباط القوات المسلحة والشرطة والتحريض على استهدافهم. وتدشين حملة ضد أسهم بنك CIB لكونه من الأسهم القيادية بالبورصة المصرية.

الصورة: روجيه أنيس - المصدر: روجيه أنيس

القراءة في أوراق القضية تُظهر أنها بُنيت باﻷساس على محضر تحريات حرّره أحد ضباط الأمن الوطني في مارس 2013، وفيه يقول الضابط إن مصادره السرية أكدت أن قيادات من جماعة الإخوان المسلمين اجتمعت في الخارج، وقررت إعادة صياغة تحركاتها الهادفة للتأثير على استقلال الدولة عن طريق عمل اللجان الإلكترونية ونشر اﻷخبار الكاذبة، وفي حين نجحت مصادر الضابط السرية في أن تحدد بدقة أسماء الصفحات الإلكترونية التي ستستخدم في بث تلك اﻷخبار الكاذبة، إلا أنها لم تتمكن من ذِكر تاريخ محدد لهذا الاجتماع، كما لم تتمكن من ذِكر اسم أيٍ ممَن كانوا فيه،  ليكتفي محرر المحضر بقوله إنهم «جاري تحديدهم».

ورغم فشله في تحديد هوية القيادات المجتمعين لوضع مخطط القضية برمتها، ذكر محرر المحضر بعضًا من مصادر تمويلهم، قائلًا إن الأموال كانت تُنقل لهم عبر وسائل تحويل الأموال والحوالات النقدية، من عدة جهات، هي: جمعية 6 أكتوبر الخيرية، وشركة الهدى للإنشاءات، وجمعية بيت العائلة، وشركة الخليل للتجارة والتوريدات، ولجنة الإغاثة الإنسانية بنقابة الأطباء، ولجنة الأعمال الخيرية بجمعية الإصلاح البحريني.

إذن، وبحسب محضر التحريات، تمّ توجيه اتهام مباشر لهذه الجهات بتمويل جماعة إرهابية، من أهدافها المباشرة: قتل، أو تسهيل قتل، عناصر قوات نظامية، واستهداف أهداف تابعة لمؤسسات عسكرية وشرطية، والسعي لإفشال مؤسسة الرئاسة. غير أن هذه الجهات لم تُستدع للتحقيق. ولم يرد ذكرها قط في أي من مراحل التحقيق، بداية من نيابة أمن الدولة، مرورًا بالنيابة العسكرية، وانتهاءً بالقضاء العسكري.

اللافت أيضًا أن تلك الجهات محلية باستثناء جمعية الإصلاح البحريني. التي بدأت عملها في البحرين منذ العام 1941 وتعمل على مشاريع خيرية ويحكمها منظور إسلامي. وهي الذراع الخيرية لجمعية المنبر الوطني الإسلامي في البحرين، وهي جمعية سياسية لها توجهات قريبة من جماعة الإخوان المسلمين. غير أن لها علاقات وثيقة بالعائلة الحاكمة والقيادات السياسية في البحرين، إذ ربطتها علاقات بوزير الإعلام الأسبق طارق المؤيد، ووزير العدل المتوفى عبد الله بن خالد آل خليفة. مع العلم أن العلاقات بين النظامين المصري والبحريني ترتقي لمستوى الشراكة، ويضمهما تحالف عسكري واحد يحارب في اليمن.

أما بخصوص «المحشي»، فإن الصفحة التي سمّاها الضابط بـ «طريقة عمل المحشي» والتي من المفترض أنها بثّت الأخبار الكاذبة وأماكن تمركز قوات الأمن وتحركاتها، سيظهر في ما بعد أنها ليست صفحة إلكترونية يمكن البث من خلالها، وإنما مجموعة تواصل مغلقة تضم عددًا من الأعضاء. وذلك بناءً على اعترافات المتهم الأول في القضية؛ وليد محارب سليمان، التي أدلى بها أمام النيابة في 6 ديسمبر 2015، والتي مثّلت الأدلة الحصرية التي تناولت طبيعة عمل هذه المجموعة، وأي معلومات أُخرى عنها، خاصة مع عجز الجهات الأمنية المختصة بالجوانب الفنية عن فحص حسابات المتهمين الثمانية عشرة.

«وزارة الداخلية. الإدارة العامة للمعلومات والتوثيق. إدارة مباحث مكافحة جرائم الحاسبات وشبكة المعلومات. قسم المساعدات الفنية: يتعذر للفحص الفني من تنفيذ إذن النيابة حيث لا تتوافر الإمكانيات والأدوات الفنية والبرمجيات لفحص وتحديد عدد (18) صفحة وبروفيل على موقع الفيس بوك وإيجاد علاقات بينهم. وهذا تقرير فني بذلك. نقيب مهندس صلاح سليم. لواء عصام حافظ مدير إدارة البحث الجنائي- 14/1/2016»، ما سبق ورد نصًا بأوراق القضية.

برغم هذا العجز الفني، استطاع ضابط قطاع اﻷمن الوطني أن يسرد تفاصيل علاقات المتهمين، والتكليفات الصادرة منهم ولهم لبث اﻷخبار الكاذبة ووضع قوات إنفاذ القانون في دائرة الخطر. وهي التفاصيل التي لم تكن متاحة قبل أن يمدّ إسماعيل الإسكندراني أجهزة التحقيق بكلمات المرور الخاصة بحساباته الإلكترونية المختلفة، والتي تمّ استخدامها في الوصول لتفاصيل أكثر عمقًا في القضية، وهي تلك التي أوردها ضابط اﻷمن الوطني في محضره.

المحامي طارق عبد العال يعلّّق على هذه الإجراءات قائلًا: «الاتهامات التي أُدين بها إسماعيل لم يثبتها أي دليل، حتى ما جاء في تحريات ضابط الأمن الوطني إشكالي ومبني على إجراء غير قانوني وينتهك الدستور».

ويضيف لـ «مدى مصر»، عقب الانتهاء من مرحلة التقاضي اﻷولى: «التحريات تقول إن إسماعيل نشر أسرارًا عسكرية، منها أماكن تمركز قوات الأمن وكمائن الشرطة، هل هذه أسرار عسكرية أصلاً؟ ثم أن الصفحات التي نشرت ذلك ليست صفحات شخصية، فكيف عرف الأمن الوطني علاقة إسماعيل أو أيٍ من المتهمين بها.. بافتراض أن ذلك حدث بتتبع البصمة الإلكترونية، فهذا يحتاج إلى تقنيات تنفذها أجهزة الأمن، لم تشرع فيها باستئذان النيابة، هذا بالضبط ما نسميه (عدم مشروعية الدليل المستمد)».

ويكمل عبد العال: «باقي الكلام المنسوب لإسماعيل، قيل في مؤتمرات ومقالات ومحاضرات علنية بصفته باحث. هو نفسه قال كلامه أمام النيابة».

كانت سلطات التحقيق قد اتهمت إسماعيل بالانتماء لجماعة الإخوان المسلمين، وهي التهمة التي لم يكتفِ بنفيها باقتضاب، بل قدم تحليلًا كاملًا لموقفه من الجماعة.

قال إسماعيل إن خلافه مع أفكار وسياسات الجماعة بدأ منذ سنواتها الأولى بعد تحوّلها من جماعة دعوية. موضحًا أن خلافاته تأتي من: الخلط بين النشاط الدعوي والنشاط السياسي واستخدام المنابر الدينية للحشد السياسي. كما اعتبر أن دعوة الإخوان لتطبيق مبادئ الشريعة هي دعوة فارغة المضمون خاصة وأنهم وافقوا، بعد وصولهم للسلطة، على العديد من الأمور التي كانوا يقولون إنها تتعارض مع الشريعة الإسلامية؛ مثل الفوائد البنكية.

كما قال إسماعيل، بحسب نصّ التحقيقات الواردة في ملف القضية، إن مفهوم الإخوان للديمقراطية ضيق وقاصر. وأن خطابهم طائفي. وأنهم تورطوا في بعض أعمال العنف بشكل مباشر وغير مباشر. وأنهم فشلوا في إدارة الدولة وتصوروا أن دولة بحجم مصر ممكن أن يحكمها الإخوان وحدهم. هذا فضلًا عن إشارته لوجود خلاف كبير بينه وبينهم حول مبادئ حقوق الإنسان.

«عندما تعرفتُ على إسماعيل كان ذا هوى إسلامي، لكن لم تظهر أي ارتباطات تقول إنه عضو، أو كان، منتظمًا في الجماعة»، يقول الكاتب والباحث علي الرجّال، الذي زامل إسماعيل في عدد من المراحل. بداية من تعارفهما في 2008 كنشطاء مقيمين في الإسكندرية، مرورًا بالعمل سويًا في «حملة البرادعي»، وصولًا للكتابة لموقع «السفير العربي».

بدورها، تتحدث نهلة الشهّال، رئيسة تحرير موقع «السفير العربي»، مع «مدى مصر» عن بعض التفاصيل بخصوص تعاون إسماعيل مع الموقع. وتقول نهلة: «بالنسبة لي، ومن خلال كل ما كتبه إسماعيل في الموقع، لم يكن الهم الأساسي هو إخبار ما يحدث على الأرض، وإنما قراءة ما يحدث. وما يبقى في ذهني عما تناوله عمل إسماعيل في سيناء هو أمرين أساسيين. الأول: العداء غير المبرر تجاه سكان سيناء، والذي يمكن تلافيه. الثاني: هو عن إدارة فيها شيء من العشوائية في مسألة مواجهة الجماعات الإرهابية».

يدخل الرجّال أكثر في تفاصيل كتابات الإسكندراني: «في سيناء، هناك خلفية راسخة لدى الجميع عن الانتهاكات التي أقدمت عليها وزارة الداخلية ضد الأهالي عقب تفجيرات طابا ودهب وشرم الشيخ قبل الثورة. بالإضافة إلى أن العمليات الجارية في سيناء منذ ثورة يناير تشهد انتهاكات جسيمة أُخرى. هذه أمور ربما تجعل بعض الصحفيين والباحثين يقعوا في فخ التصديق الأوّلي للرواية المعاكسة لرواية الدولة عن الأحداث. بخصوص حالة إسماعيل. لكن لو كان حرًا اﻵن، فبالطبع كان إسماعيل سينتبه لهذا، خاصة وأن الكثير من الظروف لم تكن معلومة سابقًا، وأن الدولة تميل للتصريح عن أضيق التفاصيل الممكنة».

كانت سلطات التحقيق قد وجهت لإسماعيل أسئلة عن عمله، وعن مفهوم الصحافة الاستقصائية، والمقصود بالاجتماع السياسي، والأسباب التي دفعته لتناول موضوعات صحفية بعينها. وهي اﻷسئلة التي قدّم إسماعيل إجابات وافية لها، موضحًا خلالها أنه لأسباب مختلفة يهتم بالكتابة عن القطاعات المهمشة، سواء جغرافيًا أو فئويًا. وذلك من خلال عمله الاستقصائي «المبني على إبراز الحقائق وإشراك القارئ في الإطلاع على الدلائل بقدر الإمكان»، حسبما ورد في أوراق القضية، التي  اشتملت كذلك على تسجيلات لعدد كبير من المحادثات التي أجراها إسماعيل الإسكندراني في السنوات السابقة للقبض عليه، وكان بعضها مع مصادر صحفية وبحثية عمل معها.

إحدى هذه المحادثات تناولت الاستدعاءات اﻷمنية في سيناء، وجمعت إسماعيل بصديقه المصري المقيم في اليابان، وناشطة إعلامية محلية من شمال سيناء.

تبدأ المحادثة يوم 29 سبتمبر 2013 بين المصري المقيم في الخارج، وكان قد سبق له العمل في وظيفة مرتبطة بتنمية شبه جزيرة سيناء، والإسكندراني، ويطلب فيها إسماعيل من مُحدِّثه الاستعلام عن استدعاء الناشطة الإعلامية السيناوية هاتفيًا للتوجه إلى معسكر الزهور في الشيخ زويد. موضحًا في طلبه أنها هي نفسها من تصور لقطات فيديو من سيناء، وتنشرها في مواقع التواصل الاجتماعي.

بعد دقائق يعود الطرف الآخر إلى إسماعيل بعد تواصله مع شخص يعمل في سيناء، سنعرف فيما بعد أنه ضابط في القوات المسلحة، ويقول: «هو (الضابط) كلم قائد مكتب الضاحية وقالُه ما عندناش أي إخبارية، ولو في حاجة رسمي كانوا نسقوا معانا». ثم يضيف: «غير إنه قالّي: ما اعتقدش إن هبلهم يوصل إنهم يحتجزوا بنت ويلبسونا في الحيط أكتر. بدال تليفون خليها تسُك عليهم لآخر الأسبوع، ومكتب العريش خد خبر خلاص، وإن الموضوع ممكن يتحوّل لأزمة لو اتحجزت، بعتنالهم الرسالة عشان لو ناويين يهَبّلوا يتلموا شوية. في 101 (..) بدال ما حطوش مك مخ (رمز عن مكتب مخابرات) يبقى الموضوع مش رسمي حتى الآن».

تلك المحادثة أربكت الشابة نفسها قليلًا، خاصة عندما أبلغها إسماعيل عن دخول أحد الضباط على الخط. فلامته على التحدث في مسألة الاستدعاء دون الرجوع إليها، إلا أنه فسّر لها الأمر: «رتبة متوسطة من مكتب رفح، مُقَرَّب من صديق موثوق جدًا، وهو رافض اللي بيحصل، وله مواقف سابقة مُشرِفة، أنا عارفها كويس، وإيده نظيفة، ومش غبي عشان يضرك وهو بيسأل عنك، هو دة السكة اللي بقولك عليها والصديق اللي بيننا موثوق ومش بينطق».

ويكمل الإسكندراني مُدافعًا عن حديثه مع الوسيط: «يا ستي من نفس الجهة والله، نفس الجهاز (..) خلاصة القول، الموضوع ده (الاستدعاء) اجتهاد من ضابط أهبل، ومفيش أي حاجة رسمية، لما يجيلك استدعاء رسمي ابقي روحي، اللي كلموكي من الجيش الثاني، والجهاز المهم اللي باقي في سيناء ما عندوش خبر، ولو فيه حاجة رسمي كانوا عرفوا».

محادثة أُخرى قام بها إسماعيل عبر برنامج Skype كانت حاضرة في ملف القضية، تواصل فيها مع شخص بدا أنه يتحدث من داخل قاعدة عسكرية، بتاريخ 12 نوفمبر 2014، وتناولا إجراءات استثنائية وقعت في قاعدة عسكرية بحرية ما. اليوم نفسه كان قد شهد عملية استهداف زورق عسكري بالقرب من قاعدة بحرية في دمياط.

يقول مُحدِّث إسماعيل: «إنهم رافعين حالة الاستعداد برضُه من الصبح، وإنهم نازلين كلهم بسلاحهم وفي قيادات موجودة في الجيش بس ما حدش يعرف مين هما، وإن فيه زورقين مخطوفين بالعساكر بالظباط».

فيرد عليه إسماعيل طالبًا تحديد ساعة حدوث العملية وتفصيلات القبض على صيادين، قائلًا: «الصيادين اللي اتاخدوا عشان يداروا على الموضوع ويلبسوهم القضية».

في الساعات الأولى من صباح ذلك اليوم، كان زورق حربي مصري يبحر في جولة بين بورسعيد ودمياط من ضمن مهام حراسة الحدود، وبالقرب من سواحل دمياط حوصر الزورق من قِبل 4 مراكب صيد عليها أكثر من 65 مسلحًا (بحسب البيانات الرسمية). وتمّ إطلاق النيران والصواريخ على الزورق. وانتهت العملية بتدمير المراكب الأربعة والقبض على 32 عنصرًا، بحسب بيان للمتحدث العسكري قال فيه: «أسفرت عمليات البحث والإنقاذ عن إخلاء [إجلاء] عدد (5) مصاب من عناصر القوات البحرية وتمّ نقلهم إلى المستشفيات العسكرية لتقديم الرعاية الطبية اللازمة لهم وما زال هناك عدد (8) فرد فى عداد المفقودين وجارى البحث عنهم».

بعد ساعات قليلة من العملية، أعلن تنظيم «ولاية سيناء» مسؤوليته عنها. وكان التنظيم قبل يومين فقط من العملية يعمل تحت مسمى جماعة «أنصار بيت المقدس» قبل أن تبايع هذه الجماعة «داعش»، وتصبح هذه العملية هي الأولى بالولاء التنظيمي الجديد.

كانت كتابات إسماعيل، قبل توقيفه، قد أثارت الكثير من النقاشات حول مدى دقتها، وإن كان من المحتمل أن ينقل صورة مضللة عما يحدث، خاصة في ما يتعلق بكتاباته عن سيناء في الفترة الانتقالية بين عزل الرئيس السابق محمد مرسي وانتخاب الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، وهي الفترة نفسها التي شهدت تحوّل ولاء التنظيم المسلح في سيناء من «القاعدة» إلى «داعش».

في محادثة أُخرى ضمّتها أوراق القضية، يتواصل إسماعيل مع أحد الأشخاص الذي يخبره عن سفر قريب له عمره 15 عامًا إلى سيناء وتطوعه في صفوف «ولاية سيناء»، ويسأله عن رأيه إن كان مفيدًا أن يسافر لاسترجاع قريبه، ويسأله أيضًا عن القرى التي يتمركز فيها عناصر التنظيم.

يجيب إسماعيل موضحًا أن القرى الأربعة (حيث يتواجد عناصر التنظيم) في جنوب الشيخ زويد. ويقول: «أنت هاتعرف توصل العريش بس القرى التانية دي بعيدة عن العريش ومش هاتعرف توصل هناك (..) هو طبعًا ذهابك بنفسك هيكون أحسن حتى لو ما اتحركتش من العريش، بس تتابع من هناك، لكن ده يتوقف على مين اللي هاتتواصل معاه من هناك، ما تستبعدش إن حد ممكن يبلغ عنك أو عنه عشان أول ما توصل له يتمسك عشان يتحقق معاه».

علي الرجّال، الذي يتعامل مع مصادر مشابهة لتلك التي تعامل معها إسماعيل، يقول: «من المفترض أن تكون هناك معايير مهنية للصحفيين والباحثين للفصل بين العلاقة الشخصية والمهنية مع المصادر. غير أن التقاطع بين الجانبين المهني والإنساني يساعد كذلك في توطيد العلاقة مع المصادر، ويصبح ذلك الفصل مسألة صعبة. خاصة وأن المصدر لا يتعامل مع الصحفي إيمانًا بحق الرأي العام في المعرفة. اعتقادي، وهذا بالطبع لا يدين إسماعيل، أنه تجاوز دوره الصحفي وبات مناصرًا للقضية السيناوية بالأساس. وفي هذا السياق ربما تكون صلاته ببعض المصادر تثير تساؤلات لدى البعض، لكن هل تدينه (هذه الصلات)، أو تقول أنه متحيز أصيل لطرف دون الآخر، بالطبع لا».

ويُجمل الرجّال رأيه قائلًا: «بالطبع عمل إسماعيل، شأنه شأن الجميع، يستحق المراجعة. وأعتقد أن السجن حرمه من اكتشاف ذلك والعمل عليه. في عملنا هناك المعلومات التي عليك أن تأخذ بها، وهناك الأُخرى التي يفضّل استبعادها، وتقرير ذلك مسألة صعبة، خاصة أن ما يُستبعد دائمًا ما يكون هو الأكثر إثارة. وهنا أعتقد أن إسماعيل انجرف في ملاحقة تلك الأخبار والمعلومات. لكن أن يصل هذا الانجراف إلى أن يكون سمة عامة في عمله، أو أن يرتقي لأن يكون ميل لبث الأخبار الكاذبة، فهذا أبعد ما يكون عن الحقيقة».

أما نهلة الشهال فتقول: «نحن أمام منطقين مختلفين، منطق الصحفي أو الباحث، ومنطق السلطة وأجهزتها الأمنية. تلك الأخيرة، ولطالما أنها نابعة من فاشية رثة، فإنها لا ترى أن دور المواطن هو المعرفة. دوره أن يجد أكله وسقف يعيش تحته ويسكت وأن يكون خائف. لا علاقة له بالشأن العام».

طارق عبد العال، محامي إسماعيل، يقول عن موكله: «هو متهم فقط بأنه باحث يمارس حريته في البحث العلمي والسياسي».

اعلان