40 عامًا على «كامب ديفيد».. هل سار السادات منفردًا نحو السلام؟
 
 
المصدر: Leffler, Warren K
 

يحمل الفيديو المعروض على موقع يوتيوب عنوان «لا يُصدق.. رد فعل المصريين عند رفع العلم الإسرائيلي لأول مرة في القاهرة 1980». يعرض الفيديو مشاهد قصيرة لافتتاح أول مقر للسفارة الإسرائيلية بالقاهرة في 18 فبراير عام 1980. وكانت وقتها في شارع محي الدين أبو العز، بحي الدقي، قبل أن تنتقل لاحقًا إلى البناية الشهيرة الملاصقة لكوبري الجامعة بالجيزة، ثم انتقالها الأخير إلى حي المعادي عقب اقتحامها مرتين سنة 2011.

لا نعلم مصدر الفيديو، إلا أن مَن صوّره حرص على التنقل بين المحتفلين بافتتاح السفارة، وبين عدد من السيدات اللاتي يقفن في شرفات ونوافذ عقار ملاصق للمبنى الذي يضم السفارة. مع اقتراب الكاميرا، تظهر معالم الصدمة على وجوه السيدات، قبل أن يبتعد بعضهن عن النافذة. وعندما يُرفع العلم الإسرائيلي وسط تصفيق الحضور، يعلو صراخ السيدات المتابعات.

هل يلخص ذلك المشهد العفوي ردود الأفعال الشعبية على اتفاقية السلام مع إسرائيل؟

كان افتتاح السفارة الإسرائيلية في 1980 نتيجة لمسار بدأ مع زيارة السادات إلى إسرائيل في نوفمبر 1977، والتي أعقبها مفاوضات مباشرة علنية بين حكومتَي البلدين، انتهت إلى توقيع اتفاق كامب ديفيد في 17 سبتمبر 1978، ليكون إطارًا مبدئيًا لمعاهدة السلام التي جرى توقيعها في 26 مارس 1979.

تتكرر في عقد السبعينيات المشاهد العفوية، التي عادة ما تُستخدم لتأريخ رد الفعل الشعبي على اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، باعتبارها مشاهد رفض للاتفاقية، وما استتبعها. تُضاف إليها قصة سعد إدريس حلاوة الذي احتجز اثنين من موظفي الوحدة المحلية بقرية أجهور الكبرى بمحافظة القليوبية، تحت تهديد السلاح، بحسب ما قالته الصحف وقتها، مطالبًا الرئيس السادات بعدم استقبال السفير الإسرائيلي إلياهو بن أليسار واعتماد أوراقه كممثل عن الدولة العبرية. وذلك بعد أسبوع من افتتاح السفارة في القاهرة. انتهت القصة بطلقتين في رأس حلاوة بعد ساعات من التفاوض، رفض خلالها إطلاق سراح الموظفين.

سردية مغايرة ترسمها التسجيلات الرسمية للاستقبال الشعبي للسادات عقب زيارته لإسرائيل في نوفمبر 1977، حيث يظهر الآلاف من المواطنين المحتفلين على جانبي الطريق الذي يشقه السادات بسيارته المكشوفة من المطار إلى قصر الرئاسة. فيما يشكّك بطرس غالي، وزير الدولة للشؤون الخارجية وقتها، في عفوية هذا الاستقبال، في كتابه «طريق مصر إلى القدس» عن مباحثات السلام بين مصر وإسرائيل.

بين مشاهد السرديتين، الرافضة والمحتفلة، توجد أيام بلا أحداث صاخبة، تسقط من كل السرديات عمدًا بحكم العزوف عن توثيق الأيام الخالية من المشهدية. لكن في الأيام التي خلت من المشهدية، ظل الفعل اليومي يجري سواء لقبول ما جرى،  أو رفضه، أو السير بين النقيضين.

مشهد من فيديو يجسد لقطات حية من مصر 1980 بالتزامن مع افتتاح السفارة الإسرائيلية في القاهرة

(1)

لا يملك سعيد أبو طالب، المهندس المتقاعد، ذكريات محددة تخص مسار السلام على عمومه أو توقيع اتفاقية كامب ديفيد تحديدًا، التي قرأ خبر توقيعها، كغيره، في صحيفة «الأهرام» في اليوم التالي؛ 18 سبتمبر 1978. وقتها، كان لا يزال طالبًا بكلية الهندسة بجامعة عين شمس، وعضوًا بتنظيم سري يساري يحمل اسم «المطرقة».

يتذكر أبو طالب: «بشكل عام، رغم أننا فاهمين الموضوع كتنظيم ولم نصدم منه إلا أنه كان من الضروري أن نصدر بيانًا (رفض للاتفاقية). كتبنا البيان وطلبنا من الزملاء في التنظيم توزيعه في المناطق الشعبية. إحدى الزميلات النشيطات في التنظيم رفضت توزيع البيان. وقالت بوضوح: الناس هتضربنا سواء في الحي أو الجامعة.. الناس مبسوطة باللي حصل».

أما المهندس الستيني عماد عطية، فيطرح تعبيرًا آخر عن رد الفعل على مسار السلام مع إسرائيل: «اللي أنا فاكره كويس، هو خطاب السادات في مجلس الشعب سنة 1977 اللي أعلن فيه استعداده لزيارة الكنيست. وقتها، الناس اعتبرته مجرد كلام لإحراج إسرائيل وما حدش كان مصدق. لكن الناس كانت معجبة بذكاء السادات، وقدرته على المناورة. إلا أن اﻷمر كان مختلفًا وقت زيارته للقدس فعلًا. يمكن تلخيص مشاعر الناس حولي بمزيج من الذهول والصدمة والإعجاب بمنطق (والله جدع وشجاع)».

حديث عطية، الذي كان عضوًا بالحزب «الشيوعي المصري» في ذلك الوقت، عن عدم تصديق الجمهور احتمالية ذهاب السادات إلى إسرائيل، ورواية أبو طالب عن عدم الإحساس بالصدمة من توقيع اتفاقية كامب ديفيد، يوضحان أن «كامب ديفيد» كانت خطوة على الطريق، غير أنها لم تكن الأكثر صدامية.

لم تكن «كامب ديفيد» هي أولى الوثائق المشتركة التي تمّ توقيعها بين الجانبين المصري والإسرائيلي، ولم تكن أولى خطوات الحل السلمي للصراع بين البلدين. ففي 4 فبراير 1971، أعلن السادات، في خطاب بمجلس الأمة، عن استعداده لإعادة افتتاح قناة السويس إذا انسحبت إسرائيل من الشاطيء الشرقي الملاصق للقناة، وهو الاقتراح الذي رفضته إسرائيل، ولم تدعمه أمريكا.

بحسب الباحث الإيطالي جينارو جيرفازيو، في كتابه «تاريخ الحركة الماركسية في مصر 1967-1981»، فإن خطوة السادات كانت محاولة لإعادة إشراك الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية في حل الصراع بالشرق الأوسط. غير أن مبادرة السادات، التي لاقت معارضة عنيفة من قِبل الجناح الناصري الذي كان لا يزال مسيطرًا على مفاتيح السلطة السياسية وقتها، كانت تعني بشكل واضح أنه يتجه نحو حل غير عسكري للأزمة.

فشل محاولات السادات في لفت انتباه الولايات المتحدة الأمريكية للضغط على إسرائيل لبدء المفاوضات، بالإضافة إلى مواجهة أزمة شرعية داخلية بسبب استمرار حالة اللا سلم واللا حرب، دفعا السادات إلى بدء العمليات العسكرية سنة 1973، والتي قدّمها للجماهير المصرية والعربية بصفتها حرب تحرير شاملة، إلا أن جيرفازيو، متفقًا مع الكثيرين، يرى أنها كانت خطوة للجلوس على مائدة المفاوضات.

خطوات السادات نحو المفاوضات كانت سريعة. فبعد 3 أسابيع من اندلاع الحرب، وفي 30 أكتوبر،  تحطم أول تابوه في مسار السلام بالمناقشات المباشرة بين القيادات العليا للقوات المسلحة للبلدين، عن طريق وساطة الأمم المتحدة في الكيلو 101 على طريق القاهرة – السويس. وأسفر اللقاء عما عُرف وقتها باسم «اتفاقية النقاط الست»، والتي ضمنت الالتزام المتبادل بوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى.

ثم جاءت اتفاقية فضّ الاشتباك الأول في 18 يناير 1974، برعاية أمريكية. وبموجبها انسحبت إسرائيل من سيناء حوالي 20 كيلومتر شرق القناة، وسمحت بوجود رمزي للقوات المسلحة المصرية، والتزمت الحكومة المصرية من جانبها بوقف العمليات الفدائية والمقاطعة البترولية.

أعاد السادات افتتاح قناة السويس في 5 يونيو 1975، بينما كانت إسرائيل تسيطر على معظم مساحة سيناء، فضلًا عن بدء إعادة المهجّرين من مدن قناة السويس إلى منازلهم، وهو ما كان إعلانًا شبه مباشر عن عدم وجود النية للحرب مرة أُخرى. تأكد ذلك مع اتفاقية فضّ الاشتباك الثاني في سبتمبر 1975، والتي نصّت على أن «الصراع بين الطرفين في الشرق الأوسط سيتمّ حله بوسائل سلمية» وأن على الطرفين الالتزام بتحقيق سلام «عادل ودائم من خلال المفاوضات». وفي مقابل ذلك، انسحبت إسرائيل من الممرات (المتواجدة بوسط سيناء) وآبار البترول مع وضع ثلاث نقاط تفتيش بقوات مشتركة بين مصر وإسرائيل والولايات المتحدة.

رغم معارضة هذه الخطوات، سواء داخليًا في أوساط المعارضة اليسارية والناصرية، أو إقليميًا، إلا أن قطاعًا كبيرًا من المصريين المتابعين لذلك الشأن كانوا متقبلين ما يحدث بدرجة كبيرة.

تحاول ليلى سويف، الأستاذة بجامعة القاهرة، رسم صورة لمزاج عام وقتها. كانت قد تمّ تعيينها لتوها معيدة بقسم الرياضيات في كلية العلوم سنة 1977. تقول: «كل مَن كان له صلة بالسياسة، أيًا كان انتماؤه السياسي، كان ضد الاتفاق مع إسرائيل، أما المواطنون غير المهتمين بالسياسة، وهم الأغلبية، فلم يكونوا ضد الاتفاق مع إسرائيل».

وصف موقف الجمهور غير المشتغل بالسياسة بأنهم «لم يكونوا ضد الاتفاق مع إسرائيل» يختلف عن وصفه بـ «الموافق» أو «المتحمس». توضح سويف ما تقصده: «القضية بالنسبة للمواطنين إننا ما نحاربش تاني، لكن لم يكونوا مع إننا نصاحب إسرائيل».

يتفق عطية مع ذلك الوصف قائلًا: «فكرة إن مفيش حرب تاني كانت قطاعات واسعة من المصريين تنتظرها بفارغ الصبر. ده لا يمنع إن فيه حاجات تانية، فيه ناس مصدومة، فيه ناس قلقانة، فيه ناس خايفة. كل هذه المشاعر موجودة لأن ما يحدث هو تغيير لكل ما تربّى عليه المجتمع».

يلتقط أبو طالب الخيط نفسه قائلًا: «الحرب كانت مسألة صعبة قوي، عدم اليقين بعد 1967 تجاه أي حاجة كان بيهز البلد كلها. في أسرتي، ابن خالتي اختفى يوم 4 يونيو 1967. كان يعمل في أحد مناجم الفحم في سيناء. راح هناك واختفى من وقتها. ابن عمتي مات في حرب الاستنزاف، وأخويا الأكبر شاف جثته في الوحدة العسكرية. ابن عمتي الثالث كان في مصنع أبو زعبل الذي قصفته إسرائيل، وانهار فرن الحديد على العمال واختلطت أجسامهم بكتل الحديد. كانت هناك دوافع كثيرة لدى الناس للبحث عن السلام، أهمها مصايب الحرب».

ينتقل أبو طالب إلى الواقع الذي عاشه مواطنو مدن القناة خلال الحرب قائلًا: «المهجّرين من مدن القناة اتبهدلوا، ولما حصل السلام بقوا مبسوطين جدًا لأنهم شافوا مننا حاجات سيئة جدًا خلال التهجير. في بلدنا (شبين القناطر) كان الأطفال بيهتفوا ورا المهجرين (يا مهجرين.. سنتكم طين.. علمتونا سب الدين)».

عاش مواطنو مدن القناة نحو 7 سنوات من الهجرة الإجبارية بعيدًا عن مدنهم. كانت الدولة قد اتخذت قرارًا بعد حرب 1967 بتهجير كافة سُكّان مدن القناة، وكان يبلغ عددهم وقتها قرابة مليون مواطن، لإخلاء شاطئ القناة للقوات المسلحة، فضلًا عن إبعادهم عن مرمى العمليات العسكرية الدائرة منذ بدء حرب الاستنزاف.

قضى أهالي القناة سنوات مشتتين بين قرى ومدن الدلتا وبعض محافظات الصعيد، كانت الأصعب بالنسبة لهم. حيث تمّ تجميع الأُسر في معسكرات مؤقتة في المدارس والمصانع والساحات المكشوفة. حاولت الدولة خلال فترة التهجير تسهيل الحياة على المهجّرين، إلا أن سنوات التهجير بقيت هي الأصعب في ذاكرة مواطني القناة.

كان زكريا إبراهيم، مؤسس فرقة الطنبورة للسمسمية البورسعيدية، مقيمًا في القاهرة معظم عقد السبعينيات، باستثناء زيارات متفرقة لأسرته في بورسعيد، المدينة التي تغيّرت بشكل درامي بداية من عام 1975 بعد إعلانها بأكملها منطقة حرة تدخلها البضائع المستوردة دون جمارك.

يحكي إبراهيم قائلًا: «المنطقة الحرة خلقت حالة من الحراك الاجتماعي السريع في بورسعيد، سمح بقبول فكرة السلام. خصوصًا أن الناس خلال فترة التهجير لم يعد لديها فوائض مالية. والناس منهكة جدًا. وقتها، المستوردين في المنطقة الحرة كانوا بيدوا التجار بضاعة بضمانات ورقية، مما سهّل للجميع العمل في التجارة بدون رأس مال حتى. انتشرت وقتها فكرة أن الكل هيكسب، واللي مش هيعمل فلوس في عهد السادات مش هيعمل فلوس في أي وقت تاني». كان هناك ارتباط واضح بين ازدهار المنطقة الحرة وتوقف الحرب بشكل نهائي.

كارتر وبيجين والسادات- الصورة: Fitz-Patrick, Bill

(2)

لم تكن السنوات الصعبة من نصيب مواطني القناة فقط، وإن كانوا تحملوا عبئها الأثقل، بل بشكل عام كان المصريون يمرون بمرحلة قاسية. انتهت الحرب ليبدأ السادات فورًا في تحويل الاقتصاد نحو سياسات الانفتاح. فأصدر حزمة من القوانين بغرض تشجيع الاستثمارات العربية والغربية، وفتح الباب للقطاع الخاص لاستيراد جميع السلع عدا 18 منتجًا استمرت الدولة في استيرادها بنفسها والتحكم بها، بالإضافة إلى إتاحة الفرصة للقطاع الخاص للتعامل مع البنوك الأجنبية، وكذلك تحرير سوق العملة بحيث يصبح ممكنًا الحصول على النقود الأجنبية مباشرة دون الرجوع للنظام المصرفي للدولة.

يرى جيرفازيو أن السادات كان يستهدف من وراء هذه السياسيات أكثر من مجرد مواجهة الأزمة الاقتصادية، بل كان يسعى لإعادة صياغة علاقة مصر بالعالم، بخلق ارتباط بينها وبين الكتلة الغربية الرأسمالية وفي القلب منها الولايات المتحدة الأمريكية، منهيًا بشكل حاسم التحالف المترنح منذ سنوات مع الاتحاد السوفيتي.

يعلق عطية على هذه الفترة قائلًا: «كانت أول صدمة كبرى حصلت لي هي زيارة نيكسون لمصر سنة 1974. نيكسون كان جاي مفضوح في أمريكا بسبب قصة ووترجيت، إلا أنه حظى باستقبال جماهيري هنا. وراءه ببساطة فكرة إن أمريكا هتحل لنا مشاكلنا الاقتصادية. هنطلع من الحرب ونسيبنا من موضوع الاتحاد السوفيتي والاشتراكية والكلام الفقري ده».

يتابع: «كان السادات يخاطب شيئًا ما داخل الطبقة الوسطى، ورغبتها في الاستهلاك وإنها تعيش بالشكل ده. كان الناس يرددون (مش ممكن الفقر اللي إحنا عايشين فيه). في رأيي، أن هذا هو السياق اللي الناس استقبلت فيه زيارة السادات للقدس وتوقيع كامب ديفيد ومعاهدة السلام: إنهاء الحرب، والصداقة مع أمريكا لحل أزماتنا الاقتصادية».

يصف عطية ساخرًا استقبال الطبقة الوسطى لـ «7 أب»، مشروب المياه الغازية الشهير، بابتهاج، كدليل على الرغبة في الاستهلاك بعد أعوام طويلة من التقشف. كانت هناك حالة تشبه كثيرًا ما حدث في ألمانيا عقب انهيار سور برلين سنة 1989.

بحلول عام 1977، كانت سياسات إعادة هيكلة الاقتصاد تحوّلت إلى كارثة مكتملة، بحسب تعبير جيرفازيو. فهي لم تحقق تنمية، ولم تجذب استثمارات أجنبية، فضلًا عن توجه الاقتصاد بأكمله نحو استيراد مكثف لسلع استهلاكية كمالية مما ضاعف من عجز الميزان التجاري لصالح الغرب. أدى عجز الصناعات المحلية عن منافسة السلع المستوردة من الشرق والغرب إلى فشل هذه الصناعات وزيادة البطالة، وتحوّل معظم الأنشطة الاقتصادية إلى أنشطة غير مُنتجة. وسط كل ذلك زاد الاستهلاك دون زيادة حقيقية في الدخل، الذي تأثر بسبب ارتفاع معدلات التضخم.

أدت كل الأسباب السابقة، بالإضافة إلى ضغوط صندوق النقد الدولي والبنك الدولي أيضًا، إلى اتخاذ الحكومة قرارًا في ليلة 17 يناير 1977 إلى إلغاء الدعم على عدد كبير من السلع الضرورية، لتقع انتفاضة 18 و19 يناير 1977.

تعلق سويف على تلك الفترة قائلة: «الغضب في يناير 1977 كان سببه إن الناس شعرت إنها صدقت السادات وأعطته فرصة فكانت النتيجة هي غلاء الأسعار دون أن ترى أي شيء إيجابي». استهدفت الحركة الشعبية التي امتدت من الإسكندرية إلى أسوان السادات ورموز حكمه بشكل شخصي بهتافاتها، مثل «قولوا للنايم فى عابدين حكمك زفت وزى الطين»، و«هو بيلبس آخر موضة وإحنا بنسكن عشرة في أوضة»، و«سيد مرعى دا يبقى مين، يبقى حرامى الفلاحين»، و«لمّ كلابك يا ممدوح، دم إخواتنا مش هيروح».

تتابع سويف: «أكثر ما استفز الناس هو ذلك التناقض بين حياتهم المتقشفة وحياة السادات الناعمة. عند الناس لا يزال نموذج الشخص الذي يصلح كرئيس جمهورية هو عبد الناصر، يعيش في منزل متواضع وأولاده بلا امتيازات. فيه فرق بين إن الناس تبقى متقبلة جزء من سياسات السادات بغرض منحها فرصة، وبين قبوله هو شخصيًا».

لم يعترف السادات علنًا ولا في أحاديثه المغلقة أن ما حدث انتفاضة شعبية، بل وصفها بمؤامرة من الشيوعيين اتّبعهم فيها «الأفندية الأراذل» في المدينة، بحسب رواية الكاتب الصحفي أحمد بهاء الدين في كتابه «محاوراتي مع السادات».

التقى بهاء الدين بالرئيس اﻷسبق بعد أسبوع من انتفاضة يناير، وكان السادات في استراحة القناطر وقتها بعد أن غادر القاهرة في وسط الأحداث. استمر النقاش بينهما قرابة 12 ساعة تخللها راحات متقطعة، دون أن يتمكن الكاتب الصحفي من إقناع الرئيس بغير ما يدور في ذهنه.

يقول بهاء الدين في كتابه: «إلى آخر يوم رأيتُ فيه السادات، كان لا يزعجه ويثير أعصابه ذكر أي شيء كذكر مظاهرات الخبز، التي كان يشعر وكأن شعبيته التي تبدى بها على العالم بعد حرب أكتوبر قد مسحتها هذه المظاهرات، وكأنها نوع من سحب الثقة الشعبية أمام العالم. وفي تقديري أن هذه المظاهرات قد تركت أكبر الأثر في حياة السادات ابتداءًا من انتهاجه سياسة القمع بشدة، إلى قراره بالذهاب إلى القدس والحصول على أي صلح بأي ثمن إلى وضعه 99% من أوراق اللعبة في يد أمريكا كما كان يقول بعد ذلك في عبارته الشهيرة».

وضعت انتفاضة يناير 1977 السادات في أزمة شرعية. فكما يقول جيرفازيو في كتابه، لم يكن ممكنًا لرأس المال الأجنبي أن يستثمر في مصر طالما أن شبح الحرب مع إسرائيل لم ينته بشكل نهائي بعد، مما يضع خطة السادات للانفتاح الاقتصادي على المحك. شعر السادات أن هناك ضرورة لكسر حالة جمود المفاوضات مع إسرائيل والتي استمرت منذ توقيع اتفاقية فضّ الاشتباك الثاني في 1975، فبدأ يحسم بداخله فكرة الذهاب إلى إسرائيل والسير منفردًا عن باقي الدول العربية في طريق توقيع معاهدة السلام.

ترى سويف أنه رغم انفجار يناير 1977 إلا أن «الناس كان منطقها إننا مش عايزين الحرب وإننا عايزين نصطلح مع الأمريكان، وكان عندها آمال إن ده يؤدي إلى تحسن الوضع الاقتصادي. رغم انتفاضة يناير 1977، لكن ما زال السادات قادرًا على بيع فكرة أن كل هذا في طريق تحسين الوضع الاقتصادي». أراد الناس أن يمنحوا ذلك المسار فرصة جديدة، لعله يثمر عن شيء ما.

في كامب ديفيد

(3)

زار السادات إسرائيل في نوفمبر 1977، ووقع اتفاقية كامب ديفيد في سبتمبر 1978، والتي مهدت لاتفاقية السلام التي جرى توقيعها في مارس 1979. لتُفتح أول سفارة إسرائيلية في القاهرة في فبراير 1980. من أحاديث سويف وأبو طالب وعطية وإبراهيم، بدا أن المزاج العام كان يتقبل ذلك فقط لتجنب الحرب، وأملًا في تحسين الحالة الاقتصادية.

يقول إبراهيم: «ما أعتقدش إن خيال الناس وقتها كان واصل للتطبيع مع إسرائيل. ما أعتقدش إن الناس انتقلت من الضفة دي للناحية الأُخرى. لكن أفتكر إن كلامهم أكتر كان (كفاية حرب وفقر). ده كان مُعبر أكتر عن متاعب الناس اليومية في الحياة أكثر منه موقف سياسي متماسك».

كان ذلك التحوّل يحدث في الوقت الذي تسير فيه مصر في اتجاه سلام منفرد مع إسرائيل، وسط مقاطعة من معظم الدول العربية التي اتخذت قرارًا بتعليق عضوية مصر في جامعة الدول العربية ونقل مقرها إلى تونس. فكيف تحركنا من نقطة المشروع العربي الموحد إلى تلك اللحظة؟

يجيب عطية عن ذلك السؤال قائلًا: «المخيال القومي تلقى ضربة قاسمة في 1967، الناس حست إنها فعلًا كانت عايشة في وهم. وبالتالي السادات لما قال سيبوكم من الوهم ده وخلونا نشوف نفسنا، الخطاب وجد قبول واسع، لأن الناس بالفعل كانت أدركت إنه وهم، كل ما في الأمر أن السادات أخذ الخيط للنهاية. مفيش تحوّل مفاجئ حدث، التحول بدأ بالفعل في 1967. الشيء الوحيد اللي كان كاتم ده إن فيه أرض محتلة لازم نرجّعها، ما لهاش حل تاني، مدن القناة مهجرة والقناة مقفولة، ولا توجد خيارات إلا الحرب».

«الخيال القومي» الذي تعرّض للهزيمة على حد قول عطية، كان واقعًا حقيقيًا لدى زكريا إبراهيم، الذي حاول التطوع في كتائب المقاومة الشعبية في بورسعيد قبل الحرب سنة 1967، وكان عمره 15 عامًا وقتها. يقول: «لست وحدي مَن قمت بذلك، بل كل زملائي في المدرسة فعلوا الأمر نفسه. كان هناك تماهي مع قضية الدفاع عن الوطن والمنطقة والعداء لإسرائيل».

توضح سويف قائلة: «قضت هزيمة 1967 على طموح الشعب المصري في أن يعيش في بلد متقدمة بها عدالة اجتماعية وتساند حركات التحرر. ذهب كل هذا الطموح الحقيقي لدى الناس مع الهزيمة».

لكن هزيمة ذلك الطموح وقبول الأمر الواقع والأمل في الرخاء الاقتصادي بعد توقف الحرب لم تكن أسبابًا كافيًا لنقل إسرائيل إلى خانة الصديق لدى المزاج الشعبي.

يقول عطية إنه بعد عودته سنة 1979 من بعثة لمدة عامين في الاتحاد السوفيتي كانت معظم الناس ترفض أي سلعة يُقال عنها إنها إسرائيلية. يحكي: «فاكر جنب بيتي في الهرم سنة 1979. حد وقف عند البقال وشاور على حاجة وقال دي إسرائيلي. وقتها كل الناس اتخانقت مع البقال إنه جايب سلع إسرائيلية. الناس ما كانتش بتحب إسرائيل ولا زفت. لكن في نفس الوقت كانوا مش عايزين يحاربوا تاني».

كان الموقف أكثر تعقيدًا من حدّية القبول أو الرفض. يقول أبو طالب إنه في كل مرة مارست إسرائيل اعتداءً على أي دولة عربية كان الأمر يفجر غضبًا داخل مصر. يعطي أمثلة على ذلك بقصف الطيران الإسرائيلي للمفاعل النووي العراقي في يونيو 1981، ثم اجتياحها بيروت في 1982.

تقول سويف: «حتى في الحالات التي لم يكن الغضب فيها شعبي، كان الطلبة يخرجون في مظاهرات، ولم تكن تلك الاحتجاجات مرفوضة أو تُقابل بعدائية من الناس».

تروي سويف قصة جرت معها سنة 1981، التي شهدت أول استضافة لإسرائيل في معرض الكتاب. تقول إنها كانت تذهب سنويًا للمعرض مع طلبتها في الكلية لمساعدتهم في اختيار الكتب المتعلقة بتخصصهم. في ذلك العام كان المعرض ساحة للاحتجاجات الرافضة لمشاركة إسرائيل. تقول: «عندما دخلنا المعرض وجدنا أعلام فلسطين في كل مكان. الأولاد سألوا إيه اللي بيحصل فقلنا لهم إن فيه جناح إسرائيلي في المعرض وإن فيه ناس مُحتجّة على وجودها. الأولاد ما صدقوش. رغم أنهم بدون أي نشاط سياسي، أصروا على لصق علم فلسطين على ملابسهم ودخول المعرض الإسرائيلي. وكان هذا هو شكل الاحتجاج الذي اختاره الطلبة».

تتابع سويف: «كانوا طلبة غير مهتمين بالسياسة، لكن ده كان رد فعلهم على وجود إسرائيل في المعرض».

احتجاجات أمام السفارة الإسرائيلية بالقاهرة، 27 أبريل 2011- الصورة: حسام الحملاوي

ظلت قضية السلام مع إسرائيل، طوال 40 عامًا، نقطة يتمّ الرجوع إليها من وقت لآخر، مع مظاهرات الطلبة وحملات دعم ومناصرة الانتفاضة الفلسطينية الأولى والثانية، ولجان مقاطعة السلع والبضائع الإسرائيلية ورفض التطبيع مع إسرائيل. بحسب سويف وعطية، تعاطف الجمهور مع المجند سليمان خاطر الذي اعترف بقتل 7 سياح إسرائيليين بسيناء في 5 أكتوبر 1985، وكانت هناك حالة رفض لأحكام السجن المشددة الصادرة ضد أفراد تنظيم «ثورة مصر» الذي استهدف عددًا من مسؤولي الأمن الإسرائيليين والأمريكيين في القاهرة بين أعوام 1984 و1987.

إلا أنه في كل مرة اشتبك هتاف «غلق سفارة وطرد سفير» مع عبارة «يعني عايزينا نحارب تاني» لم ينتصر أحدهما، بل صنعا موقفًا يسير على الحافة بين نقيضي القبول والرفض.

اعلان