شمال سيناء: أيام العودة إلى «اللمبة الجاز»
 
 
المصدر:
 

على مدار الخمسة أيام الماضية، كان الحاج حمدي قطامش، مؤذن مسجد الكوثر وسط مدينة العريش يرفع الآذان خمس مرات يوميًا بصوته فقط أمام باب المسجد دون مكبر صوت. كان الرجل السَبعيني، يحاول بكل ما أوتي من قوة أن يرفع صوته ليصل إلى أبعد مدى وسط جنبات الظلام الذي خَيم على المدينة، وتدريجيًا بدأ صوته يَخفت ومع توالي الأيام أصبح مبحوحًا وبالكاد يخرج من صدره.

حال مؤذن «الكوثر» تكرر مع جميع مؤذني العريش، عاصمة محافظة شمال سيناء، ومدينة الشيخ زويد وما تبقى من مدينة رفح، بعد انقطاع التيار الكهربائي عن تلك المدن منذ السبت الماضي، إثر استهداف ثلاثة أبراج ضغط عالٍ غربي المدينة، وخروج المحطة البخارية لتوليد الكهرباء عن العمل.

وتكتمل مأساة العريش بانقطاع المياه عن المدينة بعد تفجير مجهولين خط المياه الواصل إلى خزانها من مدينة القنطرة، في توقيت متزامن مع تفجيرات أبراج الكهرباء.

في تلك الأيام، عاش سكان المدن الثلاثة، والذين يقدر عددهم بـ 350 ألف نسمة، حسب تعداد كل مدينة على الموقع الرسمي لمحافظة شمال سيناء، أجواء عصيبة إثر توقف جميع سُبل العَيش، قبل أن يعود التيار الكهربائي إلى بعض الأحياء والمناطق داخل مدينة العريش، بداية من صباح أمس الأربعاء، مع استمرار انقطاعه بالكامل عن المناطق الجنوبية لمدينة العريش، وعن مدينتي الشيخ زويد ورفح بالكامل.

المحافظ يعتذر مرتين.. والظلام يمتد 5 أيام

عَقب انقطاع الكهرباء، أصدرت وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة بيانًا السبت الماضي، جاء فيه: «في تمام الساعة 9:35 مساء، فصلت الدائرتين 1و2 العريش/ بئر العبد جهد 220 ك.ف، المغذية لمدينة العريش وأعقبه خروج الوحدتين 1 و2 بمحطة العريش لتوليد الكهرباء»، دون الإفصاح عن سبب خروج تلك الوحدات والدوائر، فيما نشر اللواء محمد عبد الفضيل شوشة، محافظ شمال سيناء، اعتذارًا لجميع أهالي مدينة العريش عن انقطاع التيار الكهربائي عن المدينة، مؤكدًا خلال بيان الاعتذار أنه سوف يقتص من المتسبب في هذا الانقطاع أيًا كان منصبه.

ولكن اعتذار المحافظ قوبل بغضب شديد خاصة من سكان مدينتي الشيخ زويد ورفح لعدم ذكرهم في الاعتذار، ما دفع المحافظة لإصدار بيان اعتذار آخر يضم كل محافظة شمال سيناء.

مصدر مسؤول في إدارة كهرباء شمال سيناء أوضح لـ «مدى مصر» أن ثلاثة أبراج ضغط عالٍ، هي 56 و57 و58، والموجودة بالقرب من منطقة سبيكة غرب مدينة العريش، سقطت إثر وقوع انفجارات مجهولة المصدر أسفل قواعدها الخرسانية، في التاسعة من مساء السبت الماضي، ما نتج عنه انقطاع الكهرباء عن منطقة امتدت إلى ما بعد مدينة بئر العبد وقراها الشرقية مرورًا بمدينة العريش والشيخ زويد وحتى خط الحدود مع قطاع غزة، وهو ما يسمى بـ «خط 220 ألف»، الواصل من محطة محولات كهرباء «جعل» في مدينة بئر العبد، وحتى المحطة البخارية لتوليد الكهرباء في مدينة العريش.

وأضاف المصدر، الذي فضل عدم ذِكر اسمه، أن المحطة البخارية استمرت في العمل في إنتاج الكهرباء لمدة نصف ساعة بعد تفجير الأبراج الثلاث، قبل أن تتوقف بشكل مفاجئ بسبب مشكلة تقنية، ما نتج عنه ظلام المنطقة حتى الحدود مع قطاع غزة بالكامل.

وأوضح المصدر، أن خط «220 ألف» الذي خرج عن العمل السبت الماضي، كان قد خرج عن العمل أكثر من مرة خلال الشهر الماضي نتيجة تعرض الكابلات والأبراج إلى موجات ارتدادية لانفجارات أو ارتطام طلقات رصاص بالكابلات، وهو ما ينتج عنه اهتزاز يسفر عن خروج الخط عن العمل لعدة ساعات، وفي ذلك الوقت كانت المحطة البخارية هي المسؤولة عن توليد الكهرباء في الشبكة الواصلة إلى مدينة العريش والمدن التي تليها.

فيما فسر المصدر، خروج المحطة عن العمل في حادثة السبت الماضي، بأن التفجير أسفر عن سقوط الأبراج بالكامل وحدوث مشكلة فَنية في إحدى وحدات توليد الكهرباء أسفرت عن خروج المحطة بالكامل عن العمل، مع عدم وجود مصدر للكهرباء واصل للمحطة البخارية لإعادة تشغيلها في ظل عدم وجود مولدات ديزل ولا محطة غازية، وهما ما يمثلان الأساس لإعادة تشغيل المحطة وإدخال وحدات إنتاج الكهرباء مرة أخرى، في حال خرج خط «220 ألف». وسبق أن طالبت إدارة المحطة مرارًا بتوفير مولدات ديزل أو محطة غازية لتشغيل المحطة، لكن لم يُستجب له.

دفع ذلك قطاع النَقل في شركة الكهرباء يوم الأحد الماضي بعمل توصيلة بدائية بمد كابل كهرباء من قرية مزار غرب مدينة العريش وحتى أقرب محول كهرباء في مدينة بئر العبد، في محاولة لتوصيل الكهرباء للمحطة البخارية وإعادة تشغيلها. يؤكد المصدر أن المحاولة نجحت بعد تجربتين، وحاليًا تعمل المحطة بشكل جزئي، وبالتنسيق مع قطاع التوزيع داخل مدينة العريش يتم توصيل الكهرباء للأحياء بشكل تدريجي، وذلك حتى إصلاح الأبراج الثلاث التي سقطت. يرجح المصدر أن تستغرق عمليات الإصلاح من أسبوع إلى 15 يومًا.

ويوم الإثنين الماضي تمكنت فرق التشغيل من إعادة المحطة البخارية للعمل بعد إدخال الوحدتين المسؤولتين عن توليد الكهرباء، ولكن قطاع التوزيع في شركة الكهرباء واجه أزمة جديدة، وهي تعطل المحولات المسؤولة عن توصيل الكهرباء داخل الأحياء بسبب زيادة الأحمال، وحتى أمس الأربعاء احترقت أربعة محولات داخل المدينة في مناطق ضاحية السلام والصفا، وهو ما دفع المسؤولون إلى توصيل الكهرباء للأحياء والمناطق بشكل جزئي، وذلك حسب مصدر في قطاع التوزيع داخل شركة الكهرباء في العريش.

العودة للآبار و«الجراكن»

حال المياه في العريش لم يكن أفضل حظًا من الكهرباء، بعد تفجير خط الـ«1000» الواصل من محطة رفع القنطرة وحتى خزان العريش الرئيسي، في نفس توقيت وبالقرب من مواقع انفجارات الأبراج الكهربائية الثلاثة، لتتوقف إمدادات المياه عن المدينة.

ونشرت شركة مياه الشرب والصرف الصحي في شمال وجنوب سيناء، بيانًا عن الواقعة، ذكرت فيه أنها نجمت عن أعمال «تخريبية» في خط مياه 1000مم و700مم بالموقع ما بين سبيكة وأبو الحصين أدت إلى دمار غرفة المحابس بجميع مشتملاتها.

مصدر في شركة المياه في شمال سيناء، طلب عدم ذكر اسمه، أكد لـ «مدى مصر»، أن فرق الإصلاح تمكنت من إصلاح مكان التفجير، وأُعيد ملء خزان العريش، وسوف يتم الضخ للأحياء تباعًا خلال الساعات المقبلة.

تدمير خط أنابيب المياه في شمال سيناء - المصدر: الصفحة الرسمية لشركة مياه الشرب والصرف الصحي بشمال وجنوب سيناء على فيسبوك

على الرغم أن شركة المياه تضخ كميات من المياه على الأحياء في مدينة العريش في الأوقات الطبيعية، إلا أنها غير صالحة للشرب، وعادة ما تكون كميات قليلة لا تكفي جميع المناطق، وهو ما دفع الأهالي لحفر آبار جوفية بجانب منازلهم يقوموا من خلالها برفع المياه عن طريق طولمبات دون الحاجة لكميات المياه القادمة من خزان العريش، ولكن انقطاع التيار الكهربائي أوقف عمل تلك الآبار ما نتج عنه أزمة مياه طاحنة.

كان أهالي العريش يعتمدون على شركات تحلية المياه التي تبيع لهم مياه الشرب في «جراكن»، لكن تلك الشركات توقفت عن العمل، وغاب مندوبوها بجراكنهم عن شوارع المدينة، ما زاد من تفاقم الأزمة، الأمر الذي دفع شركة المياه العامة بالدفع بفناطيس مياه على بعض الأحياء والمناطق لحل الأزمة.

سيدة تقيم في مدينة العريش، طلبت عدم ذكر اسمها، قالت لـ«مدى مصر»: «أنا وزوجي كنا نقتصد في شرب المياه وتناول الطعام حتى لا نضطر لدخول الحمام، لعدم وجود مياه في البيت بالكامل، وكنا نشتري كرتونة مياه معدنية يوميًا لاستخدامها في في الشرب والحمام».

الحال لم يختلف كثيرًا في مدينة الشيخ زويد، التي لا تصلها المياه سوى مرات قليلة في الشهر، والاعتماد الأكبر لدى الأهالي على الآبار الجوفية.

مع آخر ضوء للنهار.. تتوقف الحياة

في مدينة العريش، كانت الحياة تتوقف مع آخر ضوء للنهار. ومع حلول الليل تغلق المحال التجارية أبوابها وتفرغ الشوارع من الأهالي وتغرق المدينة في ظلام دامس حتى صباح اليوم التالي.

أسفر انقطاع الكهرباء المتواصل عن توقف عمل أبراج التقوية الخاصة بشبكات الاتصالات، كذلك توقف معظم خطوط الاتصالات الأرضية.

ومنذ الأحد الماضي، توقفت جميع المخابز التابعة لمديرية التموين عن العمل، وكذلك المخابز الخاصة، فيما شَهدت مخابز الفطير العرايشي، التي تعمل بالغاز، طوابير طويلة من الأهالي للحصول على كيلوات محدودة منها.

التوقف أيضًا أصاب محطات الوقود التي كانت من المقرر لها أن تعمل ضمن التسهيلات التي أعلنتها المحافظة لأهالي شمال سيناء.

وحالة من الركود أصابت وسط مدينة العريش، خاصة مع توقف عمل محطة الغاز المسؤولة عن إمداد السيارات الأجرة، في ظل توقف جميع محطات الوقود عن العمل ضمن إجراءات العملية الشاملة سيناء 2018.

خسائر فادحة مُني بها تجار السلع الغذائية والمجمدات وأصحاب محال البقالة، نتيجة انقطاع التيار الكهربائي وتلف كميات كبيرة من المنتجات الغذائية وخاصة المجمدات، وحاول بعض التجار تدارك الأزمة من خلال تأجير مولدات كهربائية.

كما حاول الأهالي تدارك الأزمة من خلال تشغيل مولدات كهربائية تعمل بالوقود، ولكنهم واجهوا أزمة عدم القدرة على الحصول على الوقود من المحطات لعدم وجود كهرباء.

وفي سوق العريش الرئيسي، عُرضت بكثافة «لمبات الجاز»، وتراوحت أسعارها ما بين 50 جنيهًا للحجم الكبير و25 جنيهًا للحجم الصغير، ولتدارك أزمة قلة وقود الجاز نصح التجار بوضع قليل من الملح في الجاز لمد فترة الإشعال، ولاقت تلك اللمبات رواجًا كبيرًا في البيع خلال الأيام الماضية.

وعرضت محال الأدوات الكهربائية لمبات تعمل على الحرارة من أسلاك الهواتف الأرضية، ولاقت هي الأخرى رواجًا من قبل الأهالي ووصل سعرها إلى 50 جنيهًا.

على مدار السنوات القليلة الماضية تكرر انقطاع الكهرباء عن مدينتي الشيخ زويد ورفح عشرات المرات، وصل في إحداها إلى شهر كامل العام الماضي، وذلك على أثر تضرر خط ضغط عالٍ «66» الواصل من محطة محولات العريش حتى محطة محولات «الوحشي» المسؤولة عن توزيع الكهرباء على المدينتين، بطريقة قريبة من حادثة السبت الماضي التي وقعت في العريش وهي سقوط الأبراج التي تحمل الخط نتيجة انفجارات مجهولة، في مناطق شرق العريش وجنوب الشيخ زويد.

تكرار انقطاع الكهرباء والمياه وشبكات الاتصال وعن الشيخ زويد ورفح، وتدهور شتى مناحي الحياة بناء على ذلك، دفع العديد من الأهالي إلى هجرانها خلال السنوات الماضية.

اعلان