#خليها_تحمض.. ضجيج الطبقة الوسطى على مواقع التواصل ضد «جشع» التجار
 
 
صورة: محمد الراعي
 

ما الذي يمكننا فعله إذا ارتفعت أسعار الفاكهة بشكل كبير؟ اقترح البعض: #خليها_تحمض. كان هذا عنوان حملة دعا إليها عدد من مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي لمقاطعة شراء الفاكهة، استمرت لمدة أسبوع بدأ في اﻷول من سبتمبر الجاري.

الحملة بدأت بشكل فردي على اﻹنترنت دون تخطيط أو توجيه مركزي أو دعم من شخصيات عامة تُقنع المستهلكين بالقدرة على التأثير التي تمنحها لهم قوتهم الشرائية.

انسحبت الحملة على أسعار الفاكهة فقط، وذلك بالرغم من ارتفاع أسعار الخضروات في خلال الشهور الماضية بنسب تتجاوز حتى نسب ارتفاع الفاكهة. بحسب البيان الذي أصدره الجهاز المركزي للتعبئة العامة واﻹحصاء في سبتمبر الجاري عن التضخم خلال شهر أغسطس الماضي، ارتفعت أسعار مجموعة الخضروات بنسبة 8% عن الشهر السابق، مقابل نسبة ارتفاع 4.9% فقط بالنسبة للفاكهة، كما ارتفعت أسعار الخضروات بنسبة 22.3% مقارنة بالعام الماضي، مقابل 19.2% للفاكهة.

سبب هذا بالنسبة لرانيا، إحدى مستخدمات تويتر، والتي كتبت العديد من التغريدات دعمًا للحملة، أن الخضروات مكون غذاء أساسي. «إحنا لازم نتغدى خُضار، لكن لا هنتغدى ولا هنتعشى فاكهة»  تقول رانيا لـ «مدى مصر»، وبالتالي فإن الفاكهة عبارة عن «كماليات» أو «رفاهية» يُمكن مقاطعتها.

تقول رانيا إن أسرتها تستهلك الفاكهة يوميًا، وأن وجود أكثر من نوع من الفاكهة في البيت طوال الوقت كان أمرًا أساسيًا. لكن زيادة اﻷسعار تسببت في تقليل معدل شرائها لتصبح مرة واحدة فقط كل يومين أو ثلاثة أيام. كان هذا قبل قرار الأسرة المشاركة بحملة المقاطعة والتوقف عن شراء الفاكهة.

هذا الموقف منطقي بالنسبة لأستاذ مساعد الأنثروبولوجيا الاجتماعية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، ريم سعد، والتي ترى أن غضب المستهلكين لا يتناسب طرديًا مع معدل الغلاء. لكن بالوقت نفسه قد ترسب اﻷمور الترفيهية غضبًا وإهانة أكثر بكثير من الحاجات اﻷساسية.

يطرح هذا تساؤلًا حول المستهلك التي تستهدفه حملة المقاطعة مشاركته بها.بحسب تصريحات صحفية سابقة، لرئيس قسم الرأي العام بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية، هويدا عدلي، التي أعدت من قبل دراسة تفصيلية عن الطبقة الوسطى في مصر،  تكون أنماط نفقات الطبقة المتوسطة مختلفة عن الطبقة الفقيرة، فالضغوط عليها تكون كبيرة جدا مع ارتفاع الأسعار، وبالتالي يؤثر ارتفاع أسعار الفاكهة بشكل كبير على الطبقة الوسطى، والتي تتأرجح بسبب تدهور الوضع الاقتصادي بالنسبة لها خصوصًا بعد تحرير سعر صرف الجنيه وانهيار قيمته قبل عامين.

أصبحت «رفاهية الفاكهة» رمزًا لمخاوف الهبوط الطبقي التي ظللت الطبقة الوسطى المصرية خصوصًا خلال العامين الماضيين. تمثل الفاكهة، كما توضح سعد، «مؤشر نزول» بالنسبة للطبقة الوسطى، وتذكره بأنها «على الحافة». ما يوضح أن المستهلك الذي يدور حوله خطاب حملة المقاطعة، مستهلك مأزوم بموقفه الطبقي الصعب، يوجه سهام غضبه على فاعلين ليسوا بالضرورة هم المسؤولين عن أزماته، بحسب سعد.

ولكن على جانب آخر تظل أسئلة حول الأسباب الحقيقية وراء ارتفاع أسعار الفاكهة بدون إجابة، بحسب ما تطرح الحملة، فإن السبب وراء ارتفاع أسعار الفاكهة هو جشع التجار. حيث يرفع التجار الجشعون أسعار الفاكهة لتحقيق أرباح أكبر، ويدفع المستهلك من جيبه هذه اﻷرباح، وبالتالي يمكن للمستهلك معاقبة هؤلاء التجار والتأثير عليهم عبر الامتناع عن الشراء. في هذه الحالة، سـ «تحمض» الفاكهة عند التجار ليتعلموا الدرس. في المرة القادمة، لن يجرؤوا على رفع اﻷسعار.

أحد أكثر الفواكه التي ارتبطت بارتفاع اﻷسعار خلال الشهور الماضية كانت المانجو، حين بلغ متوسط سعر الكيلو الواحد خلال الموسم الحالي 25-40 جنيهًا، ووصلت إلى 80 جنيهًا لبعض أنواعها. في الوقت نفسه، يشير نائب رئيس شعبة الخضار والفاكهة بالغرف التجارية بالقاهرة وتاجر الجملة، جمال علام، إلى أن محصول العام الحالي من المانجو تضرر كثيرًا بسبب المشاكل المناخية. وبحسب تقديراته، شهد محصول الموسم من مزارع اﻹسماعيلية، أحد أهم أماكن زراعتها في مصر، انخفاضًا  بالإنتاج قدره نحو 85%. «فيه جناين ما جابتش حباية، كان خراب بيوت»، يقول علام لـ «مدى مصر».

ويقول علام إنه مع انخفاض حجم المعروض من المانجو في اﻷسواق، ارتفعت اﻷسعار بشكل كبير، وهو ما يراه سلوكًا طبيعيًا في سوق يعتمد على العرض والطلب.

لا يعرف معظمنا -سكان الحَضر- الكثير عن الفلاحين ودورات الزراعة، ولا طرق بيع المحاصيل ونقلها إلى أسواق الجملة ثم أسواق المستهلكين. «ما عندوش فكرة اﻷكل بيوصل له إزاي»، تقول سعد.. بالنسبة إليها، فإن أحد أهم المشكلات هي الانفصال بين المنتج والمستهلك وعدم معرفته بما يحدث فعلًا. هذا الانفصال يدفع المستهلكين الحضريين إلى المواجهة مع التجار ﻷنهم يمثلون الحلقة الوحيدة التي يرونها من سلسلة اﻹنتاج بحسب رأيها.

هذا الانفصال يؤكده علام خاصة مع توقيت حملة المقاطعة، موضحًا أن حملة المقاطعة أتت في نهاية الموسم الصيفي وليس في بدايته.

لا نعرف ما إذا كان هذا سببًا في مدى نجاح الحملة أو فشلها.  بحسب تقدير علام، ألقت الحملة بصداها في السوق، حيث لاحظ عزوف عدد من تجار التجزئة عن شراء الفاكهة من تجار الجملة خوفًا من فسادها، موضحا بالوقت نفسه أن الأسعار لم تتأثر  بهذا العزوف.

حملات المقاطعة تكررت عدة مرات خلال السنوات الماضية، لكنها لم تحقق نجاحًا ملموسًا. تعود الفاكهة إلى ثلاجات الطبقة الوسطى دون أن تنخفض أسعارها. ولا يُمكن القول إن الفاكهة خلال أسبوع المقاطعة حمضت فعلًا.

على الرغم من حماسها للحملة، تُبدي رانيا ترددًا حول ما يُمكن أن تُسفر عنه نتائجها. هناك حملات أخرى سبقت هذه الحملة ولم تُسفر عن تغيير. لكن هذا لا يمنعها من المشاركة في الحملة والدعوة لها.

ترى سعد أن الحملة تحمل في طياتها أمرًا إيجابيًا على الرغم من ابتعادها عن جذور المشكلة، مؤكدة أن حملات المقاطعة التي يدعو إليها المستهلكون «تحافظ على فكرة المستهلك ودوره والتعبئة» التي يمكنه القيام بها.

اعلان
 
 
محمد حمامة