من الحكم بالإدانة إلى إعادة المرافعة.. قصة تغريم 4 شركات دواء 5.5 مليار جنيه لاتباعها سياسات احتكارية
 
 

أجلت محكمة جنح مستأنف الاقتصادية اليوم، الثلاثاء، نظر الطعن المقدم ضد الحكم الصادر بحق أربعة من شركات الأدوية، بتغريمها 5.5 مليار جنيه لإدانتها باتباع سياسات احتكارية، إلى 19 نوفمبر المقبل مع إعادة فتح باب المرافعة.

الحكم اﻷول أصدرته محكمة القاهرة الاقتصادية في مارس الماضي بإدانة الشركات الأربعة بالاتفاق على اعتماد سياسات جديدة لبيع منتجاتها الدوائية للصيدليات، بالمخالفة لقانون حماية المنافسة وقرار وزارة الصحة بخصوص تسعير الدواء، بما يؤثر على قدرة الصيدليات الصغيرة والمتوسطة على منافسة الصيدليات الكبيرة، وبالتالي يؤثر على توافر الدواء.

جاء الحكم بعدما قرر مجلس إدارة جهاز حماية المنافسة في ديسمبر 2015 إحالة الشركات الأربعة إلى النيابة، وذلك لمخالفتها المادة 6 من قانون حماية المنافسة والتي تحدد أشكال الممارسات الاحتكارية. وأحالت النيابة تلك الشركات إلى المحاكمة أمام محكمة القاهرة الاقتصادية في سبتمبر 2016.

وتقدمت شركة «ابن سينا فارم» بطعن على الحكم اﻷول أمام محكمة الاستئناف بعد صدوره بأيام، والتي قررت  قبوله شكلًا ما يعني وقف تنفيذه، وتحويل القضية إلى الدائرة التي أصدرت حكم اليوم، حسبما نقلت صحيفة البورصة وقتها.

تأتي الغرامة اﻷكبر في تاريخ صناعة الدواء على خلفية العشوائية التي يشهدها السوق فيما يتعلق بأسعار الدواء ونقصان عدد كبير منها، وذلك على الرغم من موافقة الحكومة في ديسمبر 2016 على زيادة أسعار آلاف من اﻷصناف الدوائية، استجابة لضغوط الشركات خصوصًا بعد تحرير سعر صرف الجنيه قبلها بشهر.

ورغم أزمات الدواء، شهدت تجارتها في مصر ارتفاعًا كبيرًا في أرباحها خلال العام الماضي 2017 وبلغت 51 مليار جنيه، بزيادة نسبتها 21% عن العام الذي سبقها.

كيف يصل الدواء إلى المريض؟

تتحدد أسعار الدواء في مصر عبر قرارات تصدرها وزارة الصحة تقوم فيها بإقرار طريقة اعتماد أدوية جديدة للتداول، وكيفية تحديد أسعارها، ونسب أرباح الصيدليات والموزعين منها.

آخر هذه القرارات كان القرار رقم 499 لسنة 2012، وتم عبر الاسترشاد بأسعار الدواء بالخارج، خاصة فى أوروبا والخليج وكندا، والتي تحددت بواسطة لجنة حكومية تشكلت لهذا الغرض. كما حدد ربح الصيدلي بـ 25%، مع زيادة الربح بنسبة 1% سنويًا على جميع الأصناف المسعرة طبقًا للنظام القديم.

واشترط القرار عند تسجيل أدوية جديدة أن تقدم الشركة قائمة بأسعار المستحضر في الدول التي يتداول بها، مع بيان سعر البيع للجمهور في كل دولة يباع فيها هذا المستحضر شاملاً كل أنواع الخصومات.

وبحسب القرار، تتم إعادة النظر في تسعير المستحضر في حال تغير متوسط سعر العملة بواقع 15% بالزيادة أو النقصان خلال عام.

على جانب آخر، ينظم قانون حماية المنافسة ومنع الاحتكار القواعد المنظمة للأعمال، ويمنع أشكال الممارسات الاحتكارية. تمنع المادة 6 من القانون الاتفاق أو التعاقد بين متنافسين في أي سوق إذا كان من شأنه رفع أو خفض أو تثبيت أسعار بيع أو شراء المنتجات، أو تقييد عمليات التصنيع أو التوزيع أو التسويق، أو الحد من توزيع الخدمات أو نوعها أو حجمها أو وضع شروط أو قيود على توفيرها.

وتجري عملية توزيع الدواء عبر سلسلة تبدأ من الشركات، وتمر بالموزعين، وتنتهي بالصيدليات. وحدد قرار وزير الصحة نسبة أرباح كل من الموزعين والصيدليات. على سبيل المثال،  تبلغ نسبة أرباح بيع الأدوية الواردة بقائمة «الأدوية الأساسية» -وهي الأكثر أهمية وطلبًا فى مصر- 7.86% من سعر المصنع بالنسبة للموزع، تصل إلى 25% من سعر الموزع بالنسبة للصيدلية.

وتتعامل شركات الدواء والموزعين والصيدليات عبر سياسات مختلفة فيما يخص المستحقات المالية، وأهمها الخصم النقدي وفترات الائتمان. الخصم النقدي هو خصم يُمنح للعميل في حالة الدفع الفوري لثمن مشترياته من الدواء. وفترة الائتمان هي فترة السماح الممنوحة للصيدليات لتسديد قيمة مشترياته خلال فترة زمنية محددة.

وثبت قرار وزير الصحة نسبة الخصم النقدي عند 4.5% من سعر بيع المصنع دون شرائح تفرق بين كميات الشراء المختلفة، لكن القرار لم يتطرق إلى فترات الائتمان.

يساعد تثبيت نسبة الخصم النقدي الصيدليات الصغيرة والمتوسطة في الاستمرار إلى جانب الصيدليات الكبرى التي تبتلع اﻷسواق. على سبيل المثال، لنفترض أن صيدلية صغيرة تشتري دواءً معينًا بقيمة ألف جنيه، بينما تشتري صيدلية كبرى مخزونًا كبيرًا من هذا الدواء بقيمة مليون جنيه. مع تثبيت نسبة الخصم النقدي، تحصل الصيدليات الصغرى والكبرى على الخصم ذاته مهما اختلفت قيمة المشتريات، وبالتالي تتمكن من تحقيق هامش ربح يسمح لها بالبقاء. لكن إذا تغيرت هذه النسبة، لتحصل الصيدليات الكبرى على خصم أكبر يتناسب مع حجم مشترياتها، فإن الصيدليات الصغرى لن تتمكن من منافستها.

بحسب تقديرات أوردتها حيثيات الحكم، يعمل بالسوق نحو 60 ألف صيدلية، منها 4000 صيدلية كبيرة تتحكم في 50% من السوق. بين هذه الأربعة آلاف سلاسل صيدليات كبرى يرتبط أصحابها بعلاقات متشابكة مع الشركات المدانة، على سبيل المثال سلسلة صيدليات العزبي، المملوكة ﻷحمد العزبي، الذي أُدين في القضية بصفته رئيس مجلس إدارة شركة مالتي فارما، أحد الشركات اﻷربعة.

كيف تم الاتفاق؟

ذكرت محكمة القاهرة الاقتصادية في حيثيات حكمها أن رئيس رابطة موزعي الأدوية، وليد مهنى، أقر أن الرابطة تضم عددًا من الشركات المتنافسة في توزيع اﻷدوية، وتملك نحو 90% من السوق المصري. كما أوضح مهنى أيضًا أن الرابطة بدأت في تعديل سياساتها البيعية بعد ثورة يناير عدة مرات، كان آخرها في 2014.

طبقًا لتقرير حماية المنافسة وتحقيقات النيابة، اتفقت الشركات كتابيًا فيما بينها في نوفمبر 2014 على اعتماد سياسة بيعية من شأنها رفع سعر الأدوية على الصيادلة وتقييد عملية التسويق. وتمثلت هذه السياسات في تقسيم مشتريات الصيادلة من الأدوية طبقًا للتالي:

وبحسب أوراق القضية، عقدت الشركات المدانة خمسة اجتماعات خلال الفترة ما بين يوليو ونوفمبر 2014، اعتمدت فيها سياسات البيع الجديدة وطرق تنفيذها.

جاء الاجتماع اﻷول في يوليو 2014، وحضره ممثلون عن الشركات اﻷربعة المدانة إلى جانب الشركات الأخرى في الرابطة من بينها شركة فارما أوفرسيز.

ناقش الاجتماع مشكلات ارتفاع التكلفة وتراجع الأرباح، وضرورة توحيد السياسات الخاصة بالخصومات التي تُمنح للصيدليات والمدد الآجلة للسداد.

اتفق الحاضرون على بدء تنفيذ هذه السياسة الجديدة في سبتمبر 2014، لمنحهم فترة ثلاثة أشهر لتطبيق فترة الائتمان اﻵجل، مع إحالة الشركات المخالفة إلى لجنة التحقيق بالرابطة مع إخطار وزارة الصحة وغرفة صناعة الدواء.

وبناءً على توافق المجتمعين، اقترح مدير عام الشركة المتحدة للصيادلة، إحدى الشركات المُدانة، النسب الجديدة، وأدرجت بمسودة الاتفاق الذي أُرسل للحاضرين عبر البريد الإلكتروني.

توالت الاجتماعات، وتوافقت الشركات على الاتفاق (باستثناء الشركة المصرية للدواء، وذلك لعدم قدرتها على تطبيق نسب خصم مختلفة نظرًا للقيود المفروضة عليها من الجهاز المركزي للمحاسبات لكونها شركة قطاع أعمال عام، وشركات أخرى لأنها تعتمد على اﻷدوية المستوردة ولا يعنيها تغيير النسب).

تعطل تنفيذ الاتفاق في سبتمبر بسبب مشكلات مع نقابة الصيادلة، ووجود كميات كبيرة من الفواتير مطبوعة مسبقًا لا تحتوي على السياسات الجديدة مطبوعة على ظهرها.

وفي الاجتماع الخامس في نوفمبر 2014، وقع ممثلو الشركات الخمسة المُتهمة على الاتفاق النهائي. واتفق الحاضرون على بدء تطبيق السياسات الجديدة مع نهاية 2014، على أن يتم طباعتها على ظهر الفواتير الجديدة.

وحّد الاتفاق السياسات البيعية والتسويقية للشركات سواء للخصم النقدي أو فترات الائتمان. وتسببت الاتفاقية في رفع سعر المنتج لدى الصيدليات ذات المسحوبات المنخفضة والمتوسطة، والتي تمثل النسبة الأكبر من عملاء تلك الشركات، وتقليل هامش ربحهم. وبالتالي أثر على قدرتهم على توفير جميع الأدوية بالكميات واﻷصناف التي يحتاجونها كما كان الوضع قبل الاتفاق. جاء هذا لصالح كبار العملاء أصحاب المسحوبات المرتفعة.

طبقًا لتقديرات محي الدين إبراهيم، نقيب صيادلة مصر، ومصطفى محمد الوكيل، وكيل النقابة، ووحيد عبد الصمد، أمين الصندوق، تسببت السياسات البيعية للشركات في تراجع أرباح الصيدليات الصغيرة والمتوسطة بنسبة تراوحت بين 12 و15%.

بلاغات

في اﻷول من فبراير 2015، تقدم محمد كمال عبد المنعم سعودي، وكيل نقابة صيادلة مصر، ببلاغ لجهاز حماية المنافسة ضد شركات المتحدة للصيادلة، ابن سينا فارما، فارما أوفرسيز، رامكو فارما، مالتي فارما، يتهمها بالاتفاق فيما بينها من خلال رابطة موزعي الأدوية على تعديل السياسة البيعية للصيدليات بما يقيد عمليات التسويق ويفرض سياسة احتكارية تتعلق بتقليص نسبة الخصم النقدي وفترات الائتمان الممنوحة للصيدليات الصغيرة والمتوسطة، مع تقديم خصومات نقدية أكبر وفترات ائتمان أطول للصيدليات الكبيرة، بالمخالفة لقرار وزارة الصحة، وبما يُضعف من قدرة الصيدليات الصغيرة والمتوسطة على المنافسة.

وفي أكتوبر 2015 تقدم وكلاء مسؤولي شركة فارما أوفرسيز، إحدى الشركات التي شملها بلاغ وكيل نقابة الصيادلة، ببلاغ جديد لجهاز حماية المنافسة للكشف عن مخالفات الرابطة، وهم أعضاء فيها.

وجاء في البلاغ الذي تقدمت به الشركة «أنه في بداية عام 2011، نظرًا للظروف التي كانت تمر بها البلاد، تفاقمت المشكلات في مجال توزيع الدواء من عدم وجود سيولة كبيرة وتعرض الشركة لخسائر بسبب تعرض سيارات توزيع الدواء التابعة لها للسرقة وارتفاع سعر الدولار وعناصر ومستلزمات العمل مما أثر سلبًا على هامش ربح الشركات المثبت منذ فترة طويلة».

وطلب ممثلو فارما أوفرسيز من جهاز حماية المنافسة التمتع بالإعفاء القانوني من المسؤولية الجنائية المنصوص باعتبارهم أول من بادر بإبلاغ الجهاز عن الجريمة وقدموا ما لديهم من مستندات وأدلة على ارتكابها، كما تسمح المادة 26 من قانون الجهاز. وعلى إثر ذلك، حُررت وثيقة في أكتوبر التزم بموجبها الجهاز بعدم تحريك الدعوى الجنائية ضدهم، وبهذا تم استبعادهم من قائمة الشركات المتهمة.

لكن مسؤولًا بأحد الشركات اﻷربعة المُدانة، رفض ذكر اسمه، قال لـ «مدى مصر» إن «فارما أوفرسيز» تحولت إلى شاهد في القضية رغم أنها لم تكن مُبلغة عن الواقعة، ورغم عدم تقديمها لأي أوراق زائدة عن الموجودة لجهاز حماية المنافسة ومنع الاحتكار. وأرجع المسؤول السبب إلى تمتعها بعلاقات قوية مع «شخصيات هامة في الدولة»، بحسب تعبيره.

القضية – الحكم

في ديسمبر 2015، طلب جهاز حماية المنافسة تحريك دعوى جنائية ضد مسؤولي شركات رامكو للأدوية، المتحدة للصيادلة، ابن سينا فارما، ومالتى فارما، بتهم ممارسات احتكارية استنادًا لاتفاقهم.

اتهم جهاز حماية المنافسة الشركات الأربعة بالاتفاق على «توحيد السياسة البيعية والتسويقية المتمثلة في تقليص فترات الائتمان والخصم النقدي الممنوحة للصيدليات من الشركات أطراف الاتفاق […]، الأمر الذي أضر بالصيدليات الصغيرة والمتوسطة، وتسبب في تقليص هامش ربحها، وتقييد قدرتها على توفير الأدوية بالكميات والأصناف التي تحتاجها، وفقدانها لبعض من عملائها، وأدت إلى خروج بعضها من السوق، ومن ثم امتد أثر هذا الضرر يطيل المواطن الذي فقد قدرته في الحصول على الدواء المناسب لعدم توافرها وخاصة في المناطق النائية».

وأحالت النيابة القضية إلى محكمة القاهرة الاقتصادية، والتي أدانت المتهمين وقررت تغريم مسؤولي الشركات 5.5 مليار جنيه موزعة كالتالي:

واعتبرت المحكمة في حيثياتها أن الاتفاقات المماثلة التي تقوم بها الشركات «تمثل في ذاتها وسائل غير نزيهة وغير مشروعة للتوصل إلى تقييد المنافسة أو اﻹضرار بها»، وأنها تُهدر «غايات القانون المتمثلة في حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية».

من جانبه، قال هاني فكري، مدير شركة المتحدة للأدوية، إحدى الشركات المتهمة في القضية، في تصريحات لـ «مدى مصر» إنه «لا يمكن أن يكون هناك تلاعب في الأسعار لسلعة محدد سعرها جبريًا، حتى الخصومات التي يحصل عليها الصيدلي والموزع محددة وفقًا للقانون».

واعتبر فكري أن أي خصومات إضافية تقدمها الشركات للموزعين أو الصيادلة لا تخالف القانون، وهي إجراءات معمول بها وتمنح الشركات مزايا تنافسية ولا يمكنها أن تضر بالمستهلك، لأنه في النهاية لا يمكن بيع الأدوية بأسعار أعلى من سعرها المحدد سلفًا. كما نفى أن تكون سياساتهم تسببت في نقص بعض الأدوية في السوق.

الموقف ذاته أوضحه رئيس مجلس إدارة شركة ابن سينا ومدير المبيعات بها خلال التحقيقات، حيث اعتبرا أن فترة الائتمان تتغير وفقًا لتغير فوائد البنوك والوضع الاقتصادي العام، وارتفاع كل أسعار مستلزمات الإنتاج والتشغيل والدولار، وهو المنطق الذي رفضته المحكمة.

اعلان
 
 
علاء حجاج