لقطتان من «أرض» يوسف شاهين
 
 
مشهد من فيلم الأرض
 

كمتفرج، تربطني بفيلم «الأرض» (1969) لقطتان، الأولى لأبي قبل خمسة عشر عامًا ذات ظهيرة حارة، كان مستلقيًا أثناءها على الأرض أمام شاشة تلفزيون في صالة منزل ريفي واسع من دورين، تمتد خلفه حديقة زَرَع فيها بيديه تكعيبة عنب وباذنجان وفلفل رومي. في تلك الظهيرة، وبعد تناولنا وجبة الغداء، وجدنا فيلم «الأرض» يُعرض بالصدفة أثناء تنقلنا بين القنوات الفضائية. ساد الصمت بيننا وحولنا طوال ما لحقنا به من الفيلم ووصولًا إلى أغنية النهاية، نهض أبي بعدها فجأة وبنشاط، ثم غادر الصالة بخطوات ممتلئة وهو يقول لي بصوت شبعان دون أن يلتفت: «أحلى فيلم».

هذا التواصل الذي أقامه يوسف شاهين مع أبي عبر هذا الفيلم لم يكن وليد ظهيرة ريفية هادئة، بل استمر لسنوات طويلة اكتشفتُ بعدها أنه كان يستخدم صورتين من الفيلم كصور شخصية له على حسابه في فيسبوك، واحدة يخفي فيها محمد أبو سويلم شاربه المحلوق عن أهل القرية بعد خروجه من السجن، والأُخرى يتلقى فيها ضربات رجال البوليس عندما جاؤوا لانتزاع أرضه.

ذلك التواصل أستوعبه بثلاث سنوات كاملةً قضيتها في الريف خلال مراهقتي، وبعام رابع كثيف قضيته في جمع ما تركه أبي بعد وفاته. لذا وبمثل الدرجة التي يؤكد لي بها دومًا مَن أعرفهم من ذوي الأصول الصعيدية بكون فيلم «الهروب» (1992) هو العمل الأكثر إخلاصًا لملامح الشخصيات الصعيدية وشبكة علاقاتها؛ أعتبر فيلم «الأرض» كذلك هو العمل الأدق في تقديم شبكة العلاقات التي تحكم الريف وتسيّر يومياته.

من فيلم الأرض

أخلصَ كاتب السيناريو حسن فؤاد لرواية عبد الرحمن الشرقاوي،«الأرض» (1954)،  المأخوذ عنها الفيلم،  بدءًا من الشخصيات ومرورًا بتطور الأحداث، وحتى جمل الحوار التي استعان بالكثير منها نصًا. في الرواية والفيلم يعلن الشيخ يوسف موقفه من خَضرة قائلًا: «اللي ما يملكش أرض ما يملكش حاجة أبدًا، حتى الشرف»، ويعلن محمد أبو سويلم موقفه من تقليل مدة ري الأراضي قائلًا: «خللي العمدة يقول، واللي في القلب في القلب»، بل إن الجملة المحورية في أغنية الفيلم وردت فكرتها على لسان عبد الهادي في الرواية: «لتجري دماها قبل مياها». ذلك التطابق تفسره التعاونات السابقة التي أقامها يوسف شاهين مع كاتب الرواية عبد الرحمن الشرقاوي ليكتب له الحوار تحديدًا في أفلامه، فقد كتب عبد الرحمن الشرقاوي حوار فيلم «رجل في حياتي» (1961)، وفيلم «الناصر صلاح الدين» (1963)، إلى جانب كتابته سيناريو «جميلة» (1958)، و«فجر يوم جديد» (1965).

نشر عبد الرحمن الشرقاوي روايته في مطلع الخمسينيات قبل أن تتبنى الدولة مذهب الواقعية الاشتراكية رسميًا في أفلامها مع بداية الستينيات، وقبل أن تحوّل روايته فيلمًا في نهايتها. هو يفتتح روايته واصفًا الحياة في قريته بأنها: «حياة يلهبها دائمًا صراع لا يهدأ من أجل القوت، حياة تلهبها المطامع، ولكن بلا أحلام».

أخلص يوسف شاهين في فيلمه لهذا النسق الذي تناغمت فيه شخصيات الرواية مع خطوط شبكة العلاقات التي تربطهم ببعضهم، والتي يتبادل فيها الضيق والانفراج مواقعهما باستمرار. فلاحو القرية يتلقون الضربات من العمدة والمأمور والإقطاعي محمود بيه، ويتنازعون بينهم على مياه الري ويطمع أحد كبرائهم في تولي منصب عمودية القرية بعد موت العمدة، لكنهم أيضًا يقاومون بحفل زفاف يجمعهم، وبنكتة يسخرون فيها من بعضهم ومن الغائبين، وبلماضة ومشاكسة وخشونة في التعامل أقرّ بها عبد الرحمن الشرقاوي نصًا في الرواية كواحدة من سمات المعاملات بين شخصيات روايته. فلاحو «الأرض» يقاومون كذلك بالتكاتف لإخراج بقرة سقطت في بئر الساقية، وبنوبات تمرد كقطع الجسر الذي يفصلهم عن المياه وكإغراق حديد الطريق الزراعي الذي سينتزع أرضهم في الترعة.

البناء الهيراركي الأبوي لمجتمع القرية في الرواية جعل دياب يقدس أخاه الأكبر وجعل أخاه الأكبر يقدس خاله الأزهري، وجعل عبد الهادي يقدس محمد أبو سويلم، فالكبار خاضوا التجارب ويعرفون أكثر. ذلك البناء كان حاضرًا وبقوة في توزيع مراكز السلطة داخل مجتمع القرية في الفيلم أيضًا، غير أن محدودية مساحة الفضاء العام وثبات النشاط الاقتصادي والتقاليد المتوارثة تسببوا معًا في افتقاد دياب لأخيه محمد أفندي بعد أن ضربه عبد الهادي أثناء نزاعهم على مياه الري، ودفعوا الخفير عبد العاطي لدعم فلاحي القرية سرًا ضد العمدة وللاستسلام أمام صفعات عبد الهادي عقابًا على ضربه وصيفة عندما تعدت على العمدة. مجتمع القرية استقرت علاقاته في صعودها وهبوطها ومتعايش مع ما تصفه به وصيفة قائلةً: «بلدنا وحشة وقوّالة»، ومع ما يجهر به دياب قائلًا: «بلدنا غيّارة».

التقط يوسف شاهين من داخل شخصيات الرواية هزيمتهم التي رسّبها ضيق العيش في نفوسهم عبر الزمن ويصارعوها بما تبقى فيهم من غريزة البقاء، فانتزع ضحكات تغالب البكاء من عبد الهادي ومحمد أبو سويلم كمعادل سينمائي لحسرة الأول وهو يقول: «السن يضحك والقليب مليان»، ولإنكسار الثاني وهو يغني: «احنا السبوعة وجت الأيام غلبتنا» في الرواية.

تلك الروح المنكسرة يفسرها محمد حسين هيكل في رواية «زينب» (1914) بأنها نتاج قوى الطبيعة والأفق المفتوح الذين يلهبا الأحلام بخيال جامح، ثم يخذلهما الواقع بفروضه. لكن عبد الرحمن الشرقاوي يذكر في روايته على لسان الراوي أنه كان يتمنى لو كانت قريته «بلا متاعب مثل قرية زينب» التي يتجول فيها حامد ابن مالك الأراضي بقيثارة وسط الحقول لينظم حيرته بالعزف عليها، ويتوافق فيها صغار المُلاّك وكبارهم على حصتهم من مياه الري. رواية «زينب» اتخذت أيضًا من الريف بشبكة علاقاته محورًا للقصة، حيث سعى كل من مؤلفها محمد حسين هيكل ومحمد كريم مخرج الفيلمين المأخوذين عنها إلى خلخلة هذا التناغم الريفي من داخله. بؤرة الصراع من وجهة نظرهما تنطلق من كون مجتمع «زينب» يشوه جمال الطبيعة التي تحتويه بالأفكار الرجعية التي توارثها، فوالد زينب يزوجها دون استشارتها لقاء ثروة، ومُلاّك الأراضي يصفون الأجراء بالوحوش تعليقًا على مشاجراتهم الدموية بالأيدي.

محمد حسين هيكل كتب روايته بدافع من حنين لوطنه أثناء وجوده في باريس لدراسة الحقوق. حنين جعله يكتب للرواية عنونًا فرعيًا تحت اسمها: «مناظر وأخلاق ريفية»، واتخذ فيها من «ميلودراما السل» التي انتشرت في الأدب الشعبي الأوروبي خلال القرن التاسع عشر إطارًا لعرض أزمة زينب وسط تقاليد قريتها. زينب تموت بالسل كموت مارجريت في «غادة الكاميليا» بالزهري. وعلى خلاف ما ذكره عبد الرحمن الشرقاوي، كان سكان رواية «زينب» لهم أيضًا متاعبهم مع السلطة والاحتلال ومُلاّك الأراضي في مطلع القرن العشرين، فقد انتزع الجيش الإنجليزي إبراهيم من قريته ومن حبيبته زينب ليضمه إلى الجنود المرسلين إلى السودان لأنه فقير لا يملك دية إعفائه من مهمة لا تخصه وبلا مجد تحت إمرة جيش احتلال يستعبده، كما عانى أيضًا فلاحو قرية زينب من فساد موظفي الري، ومن التلكع في دفع أجورهم.

نشر عبد الرحمن الشرقاوي الطبعة الأولى من رواية «الأرض» بعد عرض فيلم «زينب»(1952) الذي اختفت منه أي إشارة إلى تلك المتاعب التي يتكبدها الفلاح مع السلطة في الرواية، وحلّ محلها إبراهيم عائدًا من تجنيده بإدراك أكبر للخدمات التي تقدمها الحكومة للشعب. ابن المدينة محمد كريم لم يخلص لشخصيات رواية زينب إخلاص يوسف شاهين، ابن المدينة أيضًا، لشخصيات رواية «الأرض». تجاهل محمد كريم لشخصيات الرواية جعله يطلب من يحيى شاهين وهو يؤدي المشهد الذي يتصاعد فيه ألم شخصية إبراهيم لدى سماعه صخب زفاف حبيبته زينب إلى صديقه حسن أن يصب ماءً من قلة بجواره في كوب زجاجي ويتجرعه بنفس الطريقة التي يتجرع بها ابن مدينة الكحول في حانة لينسى مأساته.

من فيلم زينب

كان ولاء محمد حسين هيكل ومحمد كريم الأول موجهًا لطبيعة الريف، للحقول وللشمس والقمر والظلال، وما تتيحه من أحلام جامحة تجعل زينب في بداية حبها الوليد لإبراهيم تغمض عينيها وهي تتابعه أثناء عملها تحت إمرته في الحقل لتستمتع به في خيالها. الطبيعة التي تشجّع حامد على اختطاف قبلة من زينب وتمنعها في ذات الوقت من الاعتراض، بل وتجعلها تستسلم لقبلات أخرى منه. بينما كان إخلاص يوسف شاهين لشخصياته في فيلم «الأرض» (1969) وراء التوتر الذي أحاط بوصيفة والصبي المبهور بها وقت لقائهما خفية عند مصلية الحقول. فأحلام ذلك الصبي التي أرجعها عبد الرحمن الشرقاوي في الرواية إلى تأثره بأفلام الحب التي شاهدها في سينمات القاهرة تسببت في لعثمته مع وصيفة. وربما كانت النسخة الأولى التي قدمها محمد كريم من رواية زينب عام 1930 من بين تلك الأفلام، فأحداث فيلم «الأرض» تدور في مطلع الثلاثينيات. لقد سلبت الفرجة على الأفلام إرادة الصبي وجعلته ينتظر ما اعتاد حدوثه بين الأطياف المتحركة التي تعلق بها وسط ظلام قاعات السينما. انتظر أن تشهق وصيفة، ثم تغلق عينيها بذهول وتريح رأسها على كتفه، ثم تستسلم بقبلته. لكن وصيفة كانت أجرأ فتعلم الفارق بين الواقع والأفلام.

من فيلم زينب

حيرة محمد حسين هيكل بين «جمود» عادات الشرق، وتشوهات «تحرر» الغرب انتقلت في رواية «زينب» من خلال شخصية حامد، ثم حسمها تبنيه المذهب الطبيعي الذي ساد وقت كتابة الرواية في مطلع القرن العشرين. لكن يوسف شاهين كان مخلصًا لنفس تلك العادات المتوارثة التي تربط شخصياته، كانت سلطة العادات في رواية وفيلم «الأرض» أقوى من سلطة مشايخ الدين، سلطة تصبح معها أوامر الرجال نافذة وآراء الكبار مسموعة وكلمات الأزهريين قاطعة. ولم يكن الصراع ضدها كما هو الحال في رواية وفيلم «زينب»، بل كان ضد سلطة الاحتلال والإقطاع. من بين تلك العادات ما يبديه الآباء من رفض مبدئي زائف لمَن يتقدمون للزواج من بناتهم، في رواية «زينب» يحاول أحد رفقاء أبيها إقناعه بتزويجها من حسن فيتمنع الأب في البداية كما كان يتمنع محمد أبو سويلم كلما طلب منه عبد الهادي الزواج من وصيفة. لكن والد زينب يطمع في ثروة من والد حسن، بينما تمنُّع محمد أبو سويلم كان لتعزيز مكانة وصيفة، بنفس المنطق الذي قرر به كمال بيه في فيلم «خرج ولم يعد» (1984) حين اقترحت عليه زوجته سنية تزويج ابنتهما خيرية من عطية أن يُبدي الرفض في البداية ليعِّززها.

هذا الولاء الذي اتخذه يوسف شاهين لشخصيات «الأرض» لم يمنعه من إعادة توزيع بعض مشاهد الرواية الضخمة لتندمج داخل فيلم مدته ساعتان، مقتل خضرة الغامض يتأخر في الفيلم ليصبح إشارة تهديد محتمل يدخره العمدة للمتمردين في القرية إذا ما تمادوا في تعقيد الأمور، وتتكأ عليه ذروة البدء في شق الطريق الزراعي الذي سينتقل به صراع الفلاحين إلى نقطة أبعد. بينما يأتي مقتل خضرة في الرواية واحدًا من فصول لعبة الشد والجذب بين العمدة والفلاحين. ولا يكشف عبد الرحمن الشرقاوي عن قاتلها، بينما يكشف عنه سيناريو حسن فؤاد.

خَضرة في قرية «الأرض» تمثل قمة الانفلات الحسي التي تنتظم تحتها ملامح علاقة الذكر بالأنثى ويحددها الانجذاب الجنسي فقط. مشاعر الحب بين الرجال والنساء في رواية «الأرض» كان يشعلها ما كان يشعلها في رواية «زينب» النهود والجسم المشدود.

تتداخل العلاقات بعد ذلك تحت وطأة السن الصغيرة وغياب التجربة واختلاط المشاعر بالأحلام. زينب تستسلم لقبلات حامد رغم حبها لإبراهيم وحامد يحتار بين حبه لابنة عمه لعزيزة وانجذابه لزينب ووصيفة لا تستقر رغبتها بين محمد أفندي وعبد الهادي. براءة زينب ليست كدلال وصيفة، لكن هذين الملمحين المتناقضين تسببا في توسيع دائرة علاقة كل منهما بالرجال.

في اليمين مشهد من فيلم زينب، والآخر من الأرض

الشكوك والتنافس بين محمد أفندي وعبد الهادي للزواج من وصيفة جعلا عبد الهادي يتمنى في الرواية «لو أن كل لمسة من يد رجل لبدن امرأة تترك في مكانها حفرة شائهة واضحة كيلا ينخدع بها رجال آخرون أو يتعذب قلب عاشق طيب من الظنون». فوصيفة في الفيلم والرواية اكتملت أنوثتها ويتحاكى بها صغار القرية قبل كبارهم، دياب يتغّزل في جسمها حين يعبر عن رغبته في الزواج منها، والعمدة والمأمور يغازلانها. يوسف شاهين لم تفته تلك الحسية في التعبير عن المشاعر، فيبدأ فيلمه بخلوة وصيفة مع الصبي على حافة النيل واحتضانها له بقوة داخل صدرها ليدورا معًا على «الأرض» كما وصف عبد الرحمن في روايته. أبقى يوسف شاهين على كل الإشارات الحسية التي تفيض بها شخصيات الرواية ذكورًا وإناث تعبيرًا عن الحب والرغبة.

في رواية «الأرض» لا نعرف من تحبه وصيفة، ولا نعرف مفهومها عن الحب بالأساس. مشاعرها تتوقف عند حدود الانجذاب الغريزي طبقًا لمحددات الأنوثة والذكورة والمجتمع الأسري في قريتها، فما كان يهتم به محمد حسين هيكل في رواية «زينب» لم يشغل بال وصيفة في رواية «الأرض». لكن مع تصاعد أحداث فيلم «الأرض» (1969) وبروز دور عبد الهادي فيها يحسم يوسف شاهين الأمر تدريجيًا، وصيفة لعبد الهادي، البطل، خليفة أبيها، القوي، المقدام، نجم التحطيب، ذلك ما سيصنع قصة حب مثالية كالتي كانت بين إبراهيم وزينب في رواية وفيلم «زينب». إبراهيم وعبد الهادي في الفيلمين يهزمان أقرانهما في لعبة التحطيب. بعد سنوات طويلة يصبح الأمر أكثر تحديدًا في ريف «خرج ولم يعد» (1984)؛ عطية ترك خطيبته بليدة المشاعر وأحب خيرية بانطلاقها الذي لا يشوبه دلال أو انفعالات حسية أفلتتها الطبيعة.

من فيلم خرج ولم يعد

في النُسخ التي تعرض من فيلم «الأرض» في التلفزيون يتمّ حذف ثدي خضرة العاري لحظة مقتلها على حافة الترعة حيث كانت تغتسل، ويتمّ حذف التعنيف الذي يوجهه محمد أفندي لدياب على مضاجعته الجحشة. ثدي خَضرة أضافه يوسف شاهين، بينما استنكار محمد أفندي في الرواية لفعل أخيه كان لأنه مارسه مع هذه الجحشة بالذات، الجحشة التي يعتنى بها وبمشيتها لتريحه ويزهو بها أثناء تجواله في القرية، هذه الجحشة «مش زي حمير السباخ». تلك اللقطات المحذوفة لم يرها أبي في تلك الظهيرة التي شاهدنا فيها الفيلم معًا، ولا في أي ظهيرة أخرى.

انحياز يوسف شاهين كان لمجتمع لا تعكره سوى السلطة القائمة خارجه وتحكمه بقراراتها فأخلص للمدينة التي عرضها عبد الرحمن الشرقاوي في الرواية، المدينة بما تمثله في أذهان أهل القرية المقموعين باحتلال وبطش انجليزي ينهبهم وبفساد حزبي يعاونه؛ المدينة معقل الحركة الطلابية الثورية في مطلع الثلاثينيات. بينما كانت المدينة في فيلم «زينب» مركزًا للعلم والتحضر، ومصدرًا للقبح والضجيج والزحام في فيلم «خرج ولم يعد».

انحياز يوسف شاهين ابن المدينة لشخصياته جعله يتجاهل ما ذكره عبد الرحمن الشرقاوي على لسان رجال الحكومة القادمين من المدينة كلما احتدت مناقشاتهم مع الفلاحين، فمهندسو الري يصفون الفلاحين باللؤم تعليقًا على تشغيلهم ساقية الري في غير المواعيد المقررة، ورجال المساحة يستخدمون نفس الوصف مع العمدة تعليقًا على استدراجه لهم ليتعدى عليهم أحد مجاذيب القرية ببُلغته. لكن ابن الريف عبد الرحمن الشرقاوي لم يفته أن يمارس محمد أبو سويلم والشيخ حسونة اللؤم أيضًا في خطتهما لإلقاء الحديد في الترعة ليلًا، بينما تتحوّل تلك الخطة في الفيلم إلى فعل ثوري مشحون باندفاع وحماس الموسيقى التصويرية، ويكتفى يوسف شاهين باستخدام اللؤم كأحد ملامح شخصية العمدة في تآمره على الفلاحين.

التزام يوسف شاهين بفعل المقاومة هو التزام أصيل وثابت تختاره شخصيات كل أفلامه، فأضاف لرواية «الأرض» نهوض محمد أبو سويلم بإقدام وصمت مُجهدَين ليفتح باب البيت الذي هرولت زوجته وأغلقته في صمت منكسر فور سماعها أمر القبض عليه كي تمنعه من الامتثال. لكن التزام يوسف شاهين بفعل المقاومة كمحرك للشخصيات كان في أحد جوانبه وعيًا بما ستمثله هذه الشخصيات في عيني متفرج يعيش حالة حرب ضد محتل لأرضه بعد هزيمة 1967، فمد خطوط نضال محمد أبو سويلم في الفيلم لأبعد من حدودها في الرواية، بل ويغيّر نهاية الرواية لتصبح أصابع محمد أبو سويلم الدامية أثناء سحله فداءً لأرضه المنتزعة أثرًا من آثار بطل تراجيدي يحفز أبي على استخدام صورته لتعبر عنه.

أنهى عبد الرحمن الشرقاوي ابن الريف روايته بأغاني بدأ الفلاحون تأليفها عن لقاءات العشاق على الطريق الزراعي، وبقبول الأخ الأكبر للراوي بمبدأ الطريق الزراعي لما سيجلبه من تطوير للقرية، بل وتمنيه أن يستفيد منه الفلاحون ببناء بيوت جديدة ونظيفة تطل عليه، تمامًا كما روج الإقطاعي محمود بيه للمشروع في الفيلم بأنه سينقل المدنية إلى القرية. وبالفعل، لولا هذا الطريق لعانى عطية في فيلم «خرج ولم يعد»  أضعاف ما عاناه أثناء رحلته من القاهرة إلى القرية التي سيبيع فيها أرضه.

ذلك التوازن الحكيم بين الانكسار والمقاومة يقدمه عبد الرحمن الشرقاوي في نهاية الرواية من خلال شخصية كساب سائق الحنطور، الذي يؤكد للراوي أن «الرجل يجب أن يرفع رأسه دائمًا ويجب أن يدرك أن في الإمكان دائمًا أن يبدأ من جديد». بينما يقدمه علي إسماعيل طوال الفيلم بتوزيعين موسيقيين للتيمة الموسيقية الرئيسية يتبادل فيهما الناي والوتريات سيطرتهما على الكورال، ثم ينتهيا متجاورين جنبًا إلى جنب ويدفعا أبي، رغم الهزيمة التي تلقاها محمد أبو سويلم في نهاية الفيلم، للنهوض بنشاط كما أراد كساب في الرواية.

بين عام 1914 عندما نُشرت الطبعة الأولى من رواية «زينب» وعام 1984 عندما عُرض فيلم «خرج ولم يعد» حافَظ الريف على طبيعته وشبكة علاقاته، بل ونجح أحفاد حامد (بطل رواية زينب) في اجتذاب عطية من مدينته ليعيش بينهم في الريف على ما تبقى لديهم ولديه من ثروة. أبي نفسه خرج في نهاية السبعينيات من المدينة التي ولد ونشأ وتعلم فيها إلى الريف، ولم يعُد. وكان يتملل أثناء زيارته لنا خلال سنواته العشر الأخيرة منتهزًا أقرب فرصة تعيده إلى عالمه وطقوسه اليومية في قرية اختفت منها الحناطير وحلت محلها التكاتك، وزاد فيها تدريجيًا حضور الأسمنت رأسيًا وأفقيًا على حساب المساحات الخضراء. لكنه كان كلما أراد استهجان قول يعوزه المنطق ينفعل قائلًا:«دِيهدِي» كفلاحي رواية وفيلم «الأرض» بالضبط.

اللقطة الثانية التي تربطني بفيلم «الأرض» كانت فيه هو ذاته.

عندما غيّب السجن رجال القرية استخدم يوسف شاهين لقطة واسعة يسودها الصمت وتقطع فيها ظلال بيتين ريفيين عاليين أشعة شمس ظهيرة حارة تُلهب الساحة الترابية الواسعة التي يطلان عليها بينما يقف فيها كلب بحثًا عما يسد رمقه وينثر النسيم خلفه كومة من التراب. بعد لحظات ثقيلة يهرول طفل حافٍ إلى داخل اللقطة، وينقطع الصمت فجأة بإعلان علواني الصاخب عن عودة الرجال. ذلك الصمت في طرقات الريف وقت القيلولة أعيه منذ تلقيت لسعة كرباج أثناء زيارة صيفية قمتُ بها خلال طفولتي واختلستُ فيها الجلوس كأطفال رواية «الأرض» على حاجز معدني موجود في مؤخرة حنطور دون علم سائقه. كسر السائق صمت القيلولة بضربة خلفية من كرباجه على الحاجز عندما أحس بوجودي أثناء سيره.

من فيلم الأرض

صمت الريف المميز وصفه عبد الرحمن الشرقاوي في الرواية نصًا: «في تلك الساعة من النهار لا ينبض الجسر بحركة على الإطلاق، ولا يستطيع العابر الغريب أن يتلقى حلاوة الأصوات تحييه وترحب به في احتفاء لتؤكد بخشونتها وصدقها أن الإنسان على الرغم من كل شيء ليس وحيدًا في عالم الحقول». ويوسف شاهين مخرج يجيد اصطياد الصمت وكان استخدامه له في فيلم «الأرض» (1969) أحد الملامح الأساسية الدالة على استيعابه إيقاع الريف. أول دقيقتين في الفيلم يقدمهما يوسف شاهين بسكون تام لا تقطعه سوى جمل حوار مقتضبة وصوت عجلات حنطور، ثم تتهادى بعدهما تدريجيًا التيمة الأساسية لموسيقى علي إسماعيل التي يمكن سماع الصمت تحتها وهو يغلف مساحات ممتدة من حقول وأراضٍ خضراء يستعرضها يوسف شاهين بلقطتين طويلتين زمنيًا أثناء عرض عناوين الفيلم.

من الأرض

يذكر عبد الرحمن الشرقاوي على لسان الراوي: «كانت قريتي هي الأخرى جميلة كقرية زينب بأشجار الجميز، وكان النهر في الظهر تحت أشعة الشمس كصفحة من الفضة وفي الأصيل يبدو من الذهب وفي الليل مختلجًا قاتمًا يتسكع في طريقه إلى المجهول كالحياة في قريتي. وكانت النساء يحملن الجرار، كنساء القرية التي عاشت فيها زينب وكانت لهن أيضًا نهود، ومن بينهن كانت وصيفة ضاحكة ريانة مفعمة بيضاء ممتعة تثير الخيال أكثر مما كانت زينب».

يقرّ الجميع بفتنة الريف، محمد حسين هيكل وعبد الرحمن الشرقاوي في روايتهما، وكذلك عبد الحليم نصر كمدير تصوير للفيلمين المأخوذين عنهما. ترجم عبد الحليم نصر في فيلم «زينب» (1952) توجيهات محمد كريم الذي تولى مهمة تنسيق المناظر بجانب توليه مهمة الإخراج، ثم نقلها معه إلى فيلم «الأرض» (1969) ولكن تحت توجيه يوسف شاهين المهتم بإنضاج لغة سينمائية لها إيقاع يخصه ليحكي صراع شخصياته. كان عبد الحليم نصر جسرًا بين الفيلمين والزمنين والرؤيتين. اعتناؤه بالتوازن كان السمة المميزة لجيله من مديري التصوير، ومكّنته لقطات يوسف شاهين الواسعة بعمقها البؤري الذي يكشف كل جوانب اللقطة ويحتوى ترتيبه للشخصيات داخلها من توزيع الضوء والخطوط بلغة أعقد من التي استخدمها محمد كريم قبل سبعة عشر عامًا.

عاد محمد كريم في نهاية العشرينيات من فوق قمة موجة التعبيرية الألمانية مهتمًا بالتصميمات الهندسية والمعمار والخطوط الحادة بتقاطعاتها في تكوينات أفلامه. لم يكن ذلك اقتناعًا بالمذهب الألماني الراغب في تحطيم الطبيعي والسائد لاستبدالهما برعب الحرب العالمية الأولى عبر التشويه، بل كان اهتمامًا من كريم بنقل الصورة في الأفلام المصرية لتصبح لغةً كما هي في العالم. ومثل شاهين في فيلم «الأرض» (1969) كان كريم حريصًا في فيلم «زينب» (1952) على تصميم صورة عميقة ومنازل نموذجية بخطوط واضحة وتوزيع متوازن وتعبيري للإضاءة. السمات الأساسية للصورة متقاربة في الفيلمين، حتى وإن أضاف لها يوسف شاهين الألوان بدلالاتها واللقطات القريبة بتوقيتاتها وتأثيرها والناس بطاقاتهم. في كلا الفيلمين نرى الريف من خلال أُطر داخل أُطر، أبواب ونوافذ وطرقات وجدران وأقواس وأرابيسك وانحناءات النخيل، ونسمع أغاني الحصاد الريفية بينما زينب ووصيفة سعيدات وهن يقطفن القطن. ما جعلهما ريفين هو المساحات التي تمارس فيها الشخصيات اختياراتها؛ ريف زينب طبيعته مجتزأة وريف محمد أبو سويلم طبيعته مأهولة.

زينب، ثم الأرض

لم يقدم شاهين فيلمه بجملة افتتاحية بينما افتتح محمد كريم فيلمه بجملة تحمل تناقضًا داخلها وتناقضًا مع رؤيته للغة الصورة في الفيلم نفسه: «القصة الريفية الواقعية. قصة الصفا والجمال والعفاف والإيمان». عن وعي وإدراك لم يكن كريم مهتمًا بتقديم الواقع، لم يكن مقتنعًا أن نقله يعتبر من بين أدوار السينما، بل تجميله، غسله بالماء وترتيبه وإن تطلَّب ذلك خيانة الشخصيات.

بعده باثنين وثلاثين عامًا كتب محمد خان في بداية فيلم «خرج ولم يعد» (1984): «ربما كانت الشخصيات من الخيال ولكن ثق أن الأماكن من الواقع». كانت مواقع تصوير فيلم خان حقيقية بالفعل، لم تكن داخل بلاتوهات ستوديو النحاس كما كان الحال في فيلم «زينب» (1952)، لكنها كانت واقعًا مجتزءًا مثله. مشاهد التصوير الخارجي في ريف فيلمه كانت قليلة بالمقارنة مع مشاهد مدينة فيلمه، بل وبالمقارنة مع مشاهد التصوير الخارجي في باقي أفلامه. وكانت أقل بكثير من مشاهد التصوير الخارجي في فيلم «الأرض» (1969) حيث كانت الشخصيات تخوض صراعها على مصاطب المنازل وفي الحقول والشوارع الترابية. جمال الريف في فيلم «خرج ولم يعد»  كان مرئيًا في مرآة أفراد عائلة كمال بيه الذين لم نرى غيرهم في قرية العزيزية، نراه بعيني عطية، ابن المدينة الهارب منها، أو بالأحرى بعيني ابني المدينة محمد خان ومدير التصوير طارق التلمساني، اللذين حين أرتهما الطبيعة والسماء المكشوفة جمالهما اهتما باستلهام لوحة مملكة النور لرينيه ماجريت.

يقول محمد خان أن المبالغة في فيلم «خرج ولم يعد» كانت لإظهار «المفارقة الساخرة بين الريف والمدينة»، وأنه كان يشعر وقت صناعة الفيلم بأنه «يصنع قطعة شوكولاتة». ثم يتخذ من روث البهائم، الذي داسه عطية فور نزوله من السيارة التي أقلته من المدينة، دليلًا على وعيه كمخرج بوجود وجهين للريف. نفس الروث كانت خضرة في فيلم «الأرض» تتبع البهائم انتظارًا لسقوطه كي تجمعه وتصنع منه أقراصًا مجففة تصلح لإشعال الأفران، ثم تبيعها.

جمال الريف في فيلم «الأرض» كان مرئيًا بعيون عبد الرحمن الشرقاوي ويوسف شاهين وعبد الحليم نصر ومعهم منسق المناظر جبرائيل كراز، فشخصيات «الأرض» كانت منشغلة بما هو أهم؛ لقمة العيش، وأهداني انشغال يوسف شاهين بهذا الذي يشغلها لقطتين من فيلمه.

اعلان
 
 
شريف زهيري 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن