من السجن: هاري بوتر في طرة

تحركتُ بصعوبة عائدًا إلى العنبر، يئن ذراعاي تحت وطأة حقيبتَي الزيارة الثقيلتين في كل يد. شعرتُ بالعرق ينهمر انهمارًا من تحت شَعري الذي طال لشهور، فبلغ أطول ما بلغ في حياتي.

كان بداخلي جزء مضيء صغير من السعادة، فقد أحضرت أختى اليوم لي هدية. كانت قد وجدت صفحة تبيع مقتنيات سلسلة هاري بوتر لمهووسيها، فإذا بها اليوم في الزيارة تخرج علبة مستطيلة طويلة كالتي تجدها في متجر Olivander’s و تخرج منها عصا سحرية بعُقَل كروية على امتداد طولها.

إنها عصا الـ«Elder Wand».

ابتسمتُ و أنا أتذكر كيف كنّا نعبث بها في غرفة الزيارة، وأنا أحكي لأمي قصتها.

اقتربتُ من المخبر الجالس أمام باب العنبر لتفتيش الزيارة مرة ثانية. وضعتُ أمامه الحقيبتين البلاستيكيتين فبدأ في إخراج محتوياتهما تباعًا؛ طعام، ملابس، حلوى، صابون. أمسك بالعلبة المستطيلة وتفحصها، ثم فتحها. أخرج العصا وأخذ يقلب فيها بتعجب، ثم نظر إلىّ.

 – «ايه دا؟»

ارتبكتُ قليلًا ثم قلتُ: «تسمع عن هاري بوتر؟»

ظلّ محدقًا في وجهي كأنني تكلمتُ بالصينية. أعاد ناظريه للعصا، وبدأ يحاول ثنيها، قررتُ أن أخبره بالحقيقة قبل أن يكسرها.

-«دي عصاية سحرية».

رفع عينيه ببطء، و ثبتهما على عينى. بادلته التحديق بكل جدّ.

– «لا حول و لا قوة إلا بالله».

ردد وهو يخبط كفًا بكف، و يهز رأسه بعد أن ألقى بالعصا وعلبتها في الحقيبة، وأشار لي بالدخول.

سمعتُه يتمتم وأنا أمرّ بجواره عن العجائب التي يراها من مساجين هذه الأيام.

أبله. لا يعلم أنه كان يمسك منذ ثوانٍ بالعصا التي صنعها الموت شخصيًا.

جلستُ متربعًا على الأرض في آخر الزنزانة بعد أن نام الجميع. كانت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل. كان المكان ضيقًا، ولكنه حميمي، مبتل بعض الشيء لالتصاقه بالحمام، مضاء بنور خافت في عتمة الليل. نسميه مجازًا «المطبخ» لأنه مزدحم بالعلب البلاستيكية المعلقة، والتى تحتوي على أصناف من الخضروات والبصل والثوم والبهارات ومستلزمات الطعام.

ارتشفتُ رشفة من كوب القهوة الكرتوني، ثم أمسكتُ بالعصا و تأمّلتُها.

أحتاج لقليل من السحر ليخفف وحدتي القاتمة. لأخلع لثوانٍ رداء الغربة الذي اهترأ من فرط ما ارتديتُه.

رفعتُ العصا، و أشرتُ بها إلى حبة من الطماطم: «Wingardium Leviosa».

حركتُ معصمي مستحضرًا التعليمات من الذاكرة.

بعد عدة محاولات فاشلة، تحوّلتُ عن الطماطم، وأشرتُ إلى كوب القهوة محاولًا تسخينه: «Incendio!»

لم يحدث شيء. ثم تذكرتُ أنه لو نجحت هذه التعويذة فعلًا لكانت أحرقت الكوب الكرتوني بدلًا من تسخين القهوة.

حمدتُ الله على قواي السحرية المحدودة. خمس سنوات لم أقرأ فيها السلسلة أثرت على ذاكرتي.

أستمتع بالجلوس والتأمّل في أوجه الشبه بيني وبين هاري.

كتبتُ من قبل يوم عيد ميلادي التاسع عشر كيف استلقيتُ في الزنزانة وسط الأجساد أكتب على الأرض «عيد ميلاد سعيد» كما استلقى هو في كوخ على الصخرة، قبل أن ينخلع الباب فجأة ويعلم أنه ساحر. في حالتي انخلع الباب و دخل طوفان من المخبرين صارخين ومنهالين بالركلات والصفعات ليخرجونا للتفتيش.

أفكر الآن أيضًا كيف كان يحبه أشخاص و يعتبرونه بطلًا، ويكرهه آخرون ويتمنون هلاكه، بسبب ندبة لا ذنب له فيها ولم يطلبها، بل يمقتها من كل قلبه. لم يرد هو أبدًا إلا أن يكون إنسانًا طبيعيًا. سيتحوّل هذا السجن أيضًا يومًا ما إلى ندبة دائمة. من الآن أرى بوادر الحب الشديد من البعض والكره العظيم من آخرين بسببها.

وما طلبتُها إلا كما طلبها هو.

لمحتُ أمامي حركة بسيطة في علبة التمر المكشوفة. دققتُ النظر في الضوء الخافت؛ دودة. دودة صغيرة في نصف تمرة تتلوى بشكل مضحك. أمسكتُ ببرطمان فارغ مُلقى جواري، ثم رفعتُ التمرة، ووضعتها فيه، ثم أغلقتُه. راقبتُ الدودة و هي تخرج من التمرة وتتمدد على أرض البرطمان. فوجئتُ بها تسير بسرعة كبيرة في دوائر حول محيط البرطمان بأقدامها الصغيرة.

أخذت تدور وتدور بلا كلل. ذكرتني بأفكاري و هي تدور في رأسي.

أشرتُ إليها بالعصا: «Engorgio!»

تجاهلتني تمامًا، واستمرت في طوفانها العجيب.

شعرتُ بأنس غريب وأنا أراقبها في الظلام بهذا الشكل. يفترض أن يكون الظلام مخيفًا ومرعبًا، لكنني لم أعد أرتاح إلا فيه.

تذكرتُ مقولة  دمبلدور: «إن المجهول هو ما نخافه عندما ننظر إلى الموت والظلام. لا أكثر».

ربما لهذا أخاف المستقبل.

قررتُ أن أسمّي الدودة «هدويج» على غرار بومة هاري.

توقفتُ عن محاولة تكبيرها بالعصا. يبدو أن السحر ليس له مكان في هذا البؤس. بدأتُ أغني لها بدلًا من ذلك.

نظرتُ إلى المشهد من أعلى؛ شاب ثائر الشعر، متربع على أرض مبتلة، يحيط به الظلام إلا من بصيص ضوء خافت، يمسك بعصا سحرية وكأنها أمله الوحيد، ويغني، وبجواره على الأرض دودة تجري في دوائر لانهائية، باحثة عن معنى لوجودها في هذا البرطمان، تمامًا كما يبحث هو عن معنى.

تذكرت مقولة أخرى لدمبلدور: «يمكن للسعادة أن توجد، حتى في أحلك الأوقات ظُلمة، فقط إن تذكر المرء أن يضيء النور».

نظرتُ لـ «هدويج».

همستُ:«Lumos»، وابتسمتُ.

اعلان
 
 
عبد الرحمن الجندي