ذاكرة فيلمية ممحية – في طريق طويل للا شيء
 
 
الرسم للفنانة: رواند عيسى
 

أحاول من خلال وسائط أدرك محدوديتها وتاريخها المتحيز، التكلم عنها.

مقتطف من «ذاكرة فيلمية ممحية- طريق طويل للا شيء»، وهو عمل فني غير مكتمل بعد لأمنية صبري

مهتمة بحوامل المعلومات، الحية وغير الحية، سواء قرص مدمج، سطح فيلمي، حمض نووي بشري أو شجرة في شارع. مؤمنة بأن كل المعلومات والأحداث التي مرت بهذا الكوكب محفوظة في فضائه بشكل أو بآخر، تكمن المشكلة في الوصول إليها. هناك أولوية مكتسبة لأحداث أكثر من أخرى، ومن هنا خُلقت وتُخلق أرشيفات مختلفة رسمية وغير رسمية.

الأرشيفات هي الأماكن / الأجساد التي تهتم بتجميع معلومات تاريخية معينة، ثم ترتيبها بشكل معين لتسهيل الوصول إليها. يمكن أيضًا أن نطلق على كل جسد حي أرشيف، لانطباق التعريف السابق عليه: يتذكر الجسد ما يمر به ويوثقه بأشكال عديدة: فأي حمض نووي يتغير حسب بيئته المحيطة يتضمن شهادة على ما مر به، فتظهر هذه الأحداث بهيئة تجاعيد على بشرة، صلع برأس قطة كلما كبرت بالسن، ذبول بأوراق نبات البطاطا بعد اصفرار لونها، تغيّر ألوان أو اختفاء الصور الملتقطة على أفلام فوتوغرافية وسينمائية مع ظهور بعض خدوش عليها كعلامة لمرورها بفترة زمنية مطولة؛ أو حفظها بصورة اعتقدت هي أنها لا تليق بها.

عرفتُ بمعتقد ياباني يؤمن معتنقيه بأنه عند وفاة كل بشري تقوم واحدة من الآلهة بتأدية حياته في أغنية تحمل ذكرياته وأفكاره وأحداث حياته بلغة إلهية؛ لتظل أسيرة الوجود بهذا العالم. مما يدعوني إلى التفكير في جدوى الإبقاء على أي أثر من صنعنا لنترك ما يشير إلى مرورنا بهذا العالم، بينما يستحيل محو أثرنا بشكل كلي على أية حال.

أفكر أن محاولاتنا لتوثيق أحداث بوسائلنا المحدودة يشبه محاولة جمع مياه المطر لنحتفظ به، ننظر إليه لنسترجع لحظة سقوطه الأخاذة، أو لنحاول فهمه. جميعها محاولات غير مرتبطة بالمطر ذاته وطبيعته الفيزيائية والكيميائية. فهو ذاته سيتشكّل مرة أخرى، ولديه دورة حياة كاملة مستقلة عن أي محاولة لتوثيقه أو عن أي وثيقة نحتفظ بها للتعبير عنه، متأكدة أن الحياة كقطرة مطر لا علاقة لها بأي من ترجماتنا البصرية أو اللغوية لهذا الحدث. ينطبق الشيء ذاته على أي حدث أو عنصر نحاول الاحتفاظ أو التلاعب به / استغلاله لتسجيل معلومات أخرى من خلاله، كالحبر والضوء مثلًا.

محاولة تسجيل العابر اللحظي سريع الزوال بها شيء من التمرد على ماهية هذا العالم، أن تحبس شعاعًا ضوئيًا سافر ملايين السنين الضوئية على سطح بداخل خزانتك، جبروت إنساني بلا شك. لا أعرف ما إذا كان التنزه/التخلي عن وجود ذاكرة صورية شخصية لنا، يعني تمردًا على ماهية سلطة الدولة مثلًا، باعتبار التاريخ الطويل السلطوي للصورة، فنحن أيضًا بتسجيلنا المستمر لأحداثنا – حتى الشخصية منها- نساعد المراقب في استرجاع ذكرياتنا التي نود الاحتفاظ بها لأنفسنا.

وإذا ما كان خيارنا هو تسجيل الحالي، فلم لا تعبر أي من الأشكال / الهيئات / الوسائط الحالية عن ما تمر به حواسنا بشكل صادق وموضوعي؟ هل هو قصور تكنولوجي، كسل بشري، أم تحيز ممنهج؟

***

محدودية وسيط تتضمن محدوديته المادية، فيزيائيًا وكيميائيًا، بالإضافة لاختلاف أبجدياته عن أبجديات مُستقبِله. يمكن أن أتكلم عن الوسائط الفوتوغرافية والفيلمية لدراستي خصوصًا ولاحتكاكي بهم في عملي.

بعيدًا عن الطُرق البديلة لصناعة الصور، تحمل الطرق التقليدية لصناعة الصور تاريخًا غاية في التحيز والعنصرية والسُمية. فسُميته طغت على البيئة الطبيعية حوله، وكذلك على بيئة مَن احتكوا / احتككن به، سواء بطبيعته المادية في مرحلة الصناعة، الاستخدام، أو حتى التخلص منه، أو بطبيعة الصور التي تسجل عليه وعملية التسجيل نفسها.

يتكون الفيلم الملون من طبقة هاليدات فضة حساسة للضوء، ومرشحات للون حساسة للألوان الحمراء والخضراء والزرقاء: مطابقة للألوان الأساسية التي ترى بها العين[i]. فمثلًا شركة «كوداك» في بداية صناعتها لفيلم حساس ملون، ولأن مصنعينه / مصنعاته من ذوي/ذوات بشرة بيضاء، قرروا أن «عادي» الفيلم هو أن يلتقط بشرة مَن يشبههم/ن، ولَم يضعوا في الاعتبار ذوات/ذوي البشرة السمراء.

 

صورة من «ذاكرة فيلمية ممحية- طريق طويل للا شيء»

ومن أجل خلق هذا الـ (عادي)  كان لا بد من وضع معيار، ومعيار «كوداك» حينها كان العارضة «شيرلي» ذات البشرة البيضاء. فضُبطت مرشحات الألوان الثلاث (وبالذات الأحمر) بحيث يتمّ التقاط درجات بشرتها بصورة (صحيحة)[ii].

 صُورت شيرلي صورة (معيارية)، ووزعت على جميع فروع «كوداك»، فإذا ما كان معمل على وشَك تحميض مجموعة  صور لعملائه، يُحمض بدايةً (بطاقة شيرلي) للتأكد من ضبط العملية.

المشكلة لا تكمن فقط في تصوير أصحاب بشرات سمراء وحدهم في صورة فيلمية أو رقمية، فحينها يمكنك تغيير (المعياري) وأن تزيد تعريض الصورة كلها[iii]، لكن تظهر المشكلة بقوة عند محاولة تصوير مجموعة من الأشخاص تتراوح ألوانهم بين أبيض وأسمر، فعندها تختفي كل التفاصيل من بشرة وملامح ذوي/ ذوات البشرات السمراء.

 المشكلة الأكبر، هي عندما يظن هؤلاء أن المشكلة بهم، وليست بالوسيط.

لذا فالشكوى من هذا القصور لم تأتِ منهم، وإنما أتت من مُصنِّعي الخشب والشوكولاتة، بأن أفلام «كوداك» تعجز عن التقاط طبقات ألوان منتجاتهم بشكل دقيق. حينها فقط، بدأ المتضررون والمتضررات الآخرون والأخريات في التحدّث عن مشاعرهم تجاه الكاميرا والصور.

قرأتُ شهادات يعبّر أصحابها كيف أنهم كانوا يشعرون أن هذا الوسيط لا يعبّر عنهم، وأكدت صديقتي سمراء البشرة، كيف كانت تعاني خلال سنواتها المدرسية في كل مرة تأتي فقرة الصورة السنوية، لأن المصوِّر حينها والجميع سيبدؤون في محاولة حل أزمتهم الدائمة: «إزاي هننور وشها دلوقتي؟».

أما في السينما، فكانت وجوه الممثلين / الممثلات ذوي / ذوات البشرة السمراء تُطلى بالفازلين لكي تسهل انعكاس الضوء عليها لتستطيع الكاميرا قراءتها.

حُلت المشكلة الخاصة بالأفلام لاحقًا، ولكن لا زال القصور حاضرًا بالأسطح الحساسة الرقمية الحالية كذلك. هناك العديد من مقاطع الفيديو على الإنترنت يصور فيها مستخدمون / مستخدمات كيف لا تميز أجهزتهم الذكية وجوههم بخاصية الكشف عن الوجه (face detection) بينما تميز زملاءهم / زملاءهن ذوي / ذوات بشرة بيضاء. أو كيف قام مكتب كامل ببلد آسيوي بفتح «قفل» جهاز «آيفون 10» بخاصية الكشف عن الوجه؛ لأن الجهاز عجز عن تمييز الفرق بين ملامح المستخدمين/ ات.

مقتطف من «ذاكرة فيلمية ممحية- طريق طويل للا شيء»، وهو عمل فني غير مكتمل بعد لأمنية صبري

عند رجوعي لما قمتُ بتسجيله في وقت عجزتُ فيه عن هضم معطيات الواقع والاحتفاظ بها، حيث استأمنتُ حينها وسائط الفيديو والفيلم لتسجل أكبر قدر من الآثار والذكريات التي أمر بها، وجدت شيئًا آخر لا يمثل ويختلف عما شهدته حواسي حينذاك، أو على الأقل، لا يطابق القليل الذي أذكره. تطورت نسخة فيلمية بعد كتابة هذا النص، يعيد الفيلم بناء بعض هذه الأحداث، ويستكشف عناصر مختلفة تحتفظ بدورها بما تمر به بصورتها الخاصة.

تعلمتُ من الفنان «جورج عوده» تفكيك العناصر والمعطيات الحالية والمحاولة الدائمة لصنع بدائل. لكل منّا هدفه لخلق بدائل، فمن تقليل سُمية الوسائط الفيلمية لمحاولة خلق بديل بصري عن ما نتخيل أنه يمكن التقاطه بالأسطح الحساسة أو لمحاولة الوصول لتسجيل ما تمر به حواسنا بشكل ذاتي.

 عملتُ مؤخرًا مع الفنانة «كيرستن شرويدنجر» في معمل التحميض لكي نحاول خلق بدائل للوسائط ضوئية، تحمل منطقًا يختلف عن ذلك الذي تتبناه الأسطح الحساسة المعيارية المُصنَّعة في شركات كبرى لتسجيل صور عالية الجودة. لا نملك رفاهية التخلي عن هذه الأسطح الحساسة ولا زالت محاولاتنا في المعمل مستمرة.

النص جزء من سلسلة «الأرشيف معركة»، و«ذاكرة فيلمية ممحية- طريق طويل للا شيء» هو عمل فني غير مكتمل بعد لأمنية صبري.

[i] العيون التي بها (عيوب إبصار) يمكن أن تختلف بهذه النقطة.

[ii] أي أقرب تطابق لما تراه عين بشرية معيارية.

[iii]  كما لوحظ هذا بشكل فج في فيلم «ما تبقى من الجنون» لجورج لاشيز، الذي عرض بمركز الصورة المعاصرة.

اعلان
 
 
أمنية صبري