صلاح و«الاتحاد»..عندما ترفض مصر أن تديك

بصراحة، صلاح أصبح مزعجًا للغاية. يسجل أهدافًا غزيرة ويصل لنهائي دوري الأبطال وينشر صوره بالمايوه في الإجازة ويُصاب من تدخل راموس وينضم لقائمة أفضل لاعب في أوروبا وكأن العالم يدور حوله. الأهم من كل ذلك أنه يغرد على تويتر، ويستعرض خفة دمه، وهو ما يدفع النني للتغريد على تويتر واستعراض خفة دمه بدوره، وهو ذنب لو تعلمون عظيم، وكفى به ذنبًا.

بصراحة أيضًا، فالكتابة عن صلاح مزعجة للغاية برضه، لأنها تكشف لك أنماطًا من البشر لم تكن تعلم أنها موجودة، مثل الدولجية الذين يكرهون صلاح بارتياب بسبب علاقته بأبو تريكة، ويعتقدون أنه مدفوع من المسمط الماسوني العالمي، والدولجية الذين يعشقونه بجنون ويشاهدون كل مبارياته، ومشجعو صلاح الذين يتظاهرون بأنهم مشجعو كرة قدم، ومشجعو كرة القدم المنزعجين من مشجعي صلاح الذين يتظاهرون بأنهم مشجعو كرة قدم، ومشجعو أرسنال الذين يشبّهون النني ببيرلو، ووكلاء اللاعبين الكولومبيين الذين يهددون كأنهم مرتضى منصور.

تسطيح مُخل بالآداب العامة

الأزمة ضخمة، والدعوة مفتوحة، والمتغيرات كثيرة، والظروف صعبة، والجميع متورط، والتعقيدات لا تنتهي، وهذه مصر، حيث لا يمكنك أن تعلم ما يحدث فعلًا، والحل الوحيد هو أن تستنتج أو تخرس، ونحن لا نخرس حتى لو كانت أزمة صلاح مع اتحاد الكرة حول أثر سقوط الجمهورية الثانية في البرازيل على أداء منتخبهم في مونديال 1974.

لكن لأن البساطة هي أكثر الأمور تعقيدًا، ونحن معقدون ولا نخرس، فغالبًا سيكون الحل في إزالة الشوائب وتجريد القصة من ملابسها تمامًا، ثم إمعان النظر لكل منهما على حدة؛ أزمة صلاح، وما علق بها من ظروف ومتغيرات وتعقيدات.

الأزمة نفسها بسيطة؛ لقد ذهب المدعو محمد صلاح، طالب الشهرة والنجومية، إلى واحدة من المصالح الحكومية، وعندما وصل لمكتب مدام عنايات التي ستمنحه الختم الأخير، لم تمنحه الختم الأخير، فغضب وكأنه هبط لتوه من المريخ، وأخبرها أن الكيل قد فاض، وأنه تحمل الطوابير العشوائية والرشاوى اللانهائية طوال اليوم، وأن الأمور لا ينبغي أن تكون بهذه الصعوبة، وأنه عندنا في ليفربول الحاجات دي بتتعمل من غير ما أطلب، وكل واحد عارف حقوقه وواجباته، والأندية بتحافظ على لعيبتها عشان هم راس مالها يا مدام عنايات.

مطالب منطقية للغاية، عادلة في المطلق، لكنها تمثل نقطة التقاء بين عالَمين مختلفين تمامًا، الأول هو منظومة الكرة الأوروبية بجديتها وصرامتها واحترافيتها، والثاني هو بنّيكة الكبدة التي يديرها المدعو الاتحاد المصري، طالب الشهرة والنجومية.

الرابط الوحيد بين العالَمين هو صلاح للأسف، ولو لم يكن هناك صلاح لما كانت هناك مشكلة، ولم نكن لنصل لهذا المشهد السيريالي الذي لا ينقصه سوى أن يسجل لايف فيسبوك يقول فيه أنا مواطن مصري وعندي حقوق ومصرية وباسبوري أهُه.

طبعًا كل ما فعله هو من صميم حقه كإنسان قبل أن يكون أي شيء آخر، ولكن مشاهدته يطلب مزيدًا من التنظيم في معسكرات المنتخب من أمثال مجدي عبد الغني وخالد لطيف أشبه بمشاهدة ديفيد بيكام يطلب إتنين تشيز كيك عند أبو طارق.

المصريين أهمّه

عندما تنظر للأمر من هذه الزاوية لا تجده بهذا التعقيد؛ أبو طارق سيخبر بيكام بأن هذا محل كشري، وسيخرج الرجل محبطًا ليقذفه أطفال الشارع بالحجارة أو يتحرشوا بفيكتوريا زوجته ثم يستقل سيارة أجرة للمطار ويعود لبلاده ويقص ما حدث على أصدقائه فيسألونه إيه اللي وداه هناك ويضحك الجميع وينتهي الموضوع.

لكن هذا مقصور على الفرافير مثل بيكام، أما في مصر فهناك تعقيدات من نوع آخر، تعقيدات لا يدركها صلاح أساسًا، ولو أدركها لفكر ألف مرة قبل أن يبعث بخطابه الأول، وألفين مرة قبل أن يقرر الرد في لايف فيسبوك، ومليون مرة قبل أن يخرج من مصر أصلًا.

أول هذه التعقيدات هو رد الفعل الذي يخرج لا إراديًا، والممكن اختصاره في مطالبة صلاح بأن يعيش عيشة أهله، أو بمعنى آخر؛ أن يدرك أن المصريين يحبونه ويحترمونه ويتخذونه مثلًا أعلى أحيانًا، بل ولا يحقدون عليه إلا لأسباب وجيهة، ولكنهم في نفس الوقت لن يقبلوا أن يقول لهم أنه «يحصل على كل هذه المطالب في ليفربول من غير ما يطلبها»، ثم يتوقع أن يتعاطفوا معه.

أولًا، العبارة غير موفقة على الإطلاق، طلب الحق صنعة، وأن تطلب حقك في مصر دون أن تُغضب باقي المقهورين لهي عملية حساسة أكثر تعقيدًا من تفكيك المفاعلات النووية، ولأن الحياة الغربية قد أفسدت فطرة صلاح بلا رجعة، فهو لم يدرك أن العبارة غير متسقة مع ذاتها أصلًا، أنت تشكو صعوبة الحصول على مطالبك المعتادة لناس لا يحصلون على أي شيء أصلًا سواء طلبوه أو لا، هذا أشبه بألا يجد بيكام تشيز كيك عند أبو طارق فيشكوه للشبراوي.

ثاني التعقيدات مترتبة على الأولى؛ لا ينبغي أن يطلب صلاح أي شيء أصلًا سواء كان مشروع أو غيره، هذا ينسف الصورة الذهنية عن النمر الأسود الذي رحل لبلاد العريانين وتفوق عليهم بالكد والاجتهاد دون أن ينال شيئًا في المقابل سوى دعوة أمه وتوفيق ربه.

الثالث هو حالة الفصام التي أصابت كثير من المصريين وهم يقرأون الخطاب الرسمي الذي أرسله وكيله، والذي قام فيه صراحة بتهديد الاتحاد المصري في مشهد سيريالي آخر لم يكن ينقصه سوى أن يذيله بـ «انتو مش عارفين أنا ابن مين ولا إيه؟»، لأنه من ناحية، فكل المصريين تقريبًا يتمنون لو كانوا في وضع يؤهلهم لقول نفس العبارة، ومن ناحية ثانية فكل المصريين تقريبًا يعلمون أن كل أعضاء الاتحاد المصري في وضع يؤهلهم لقول نفس العبارة، ومن ناحية ثالثة فهي ليست طريقة احترافية لمعالجة أي مشكلة، ناهيك عن أن تكون المشكلة هي انعدام الاحترافية في تعاملات الاتحاد المصري، ولكن من ناحية رابعة، فنحن نتحدث عن الاتحاد المصري برضه، وهكذا دواليك.

بعد كل ذلك، يدخل العنصريون على الخط ليزيدوا الأمور سوءًا، معتبرين أن ما يحدث مع صلاح تهريج لأنه لاعب عالمي مشهور يوضع اسمه مع رونالدو ومودريتش في جملة واحدة، ولا يعقل أن تتم مضايقته بهذا الشكل في معسكرات المنتخب، وأن يُجبر على السهر مع المعجبين حتى السادسة فجرًا، وألا يستطيع التحرك بحرية داخل الفندق، وأن يُعتدى على خصوصيته. يعني المنتخب فيه 22 لاعب آخر غير مشهورين ولا عالميين ولم يسمع عنهم سوى أقاربهم من الدرجة الأولى، اعملوا فيهم اللي انتو عايزينه.

في بحر الخراء

وسط كل ذلك، هناك العديد من التحفظات المنطقية التي لن تأخذ حقها كالعادة، أولها على سبيل المثال أن صلاح من منتجات نفس المنظومة، مثلنا جميعًا، حتى وإن اختلفت تفاصيل شخصيته عن أنماطها الدارجة، وأنه مثل أي شاب مصري عادي، يفترض أن الجزاء في مصر من جنس العمل، ويطالب الجميع بأنهم ما يقولوش إيه إدتنا مصر ويقولوا حندي إيه لمصر.

لكن الأهم في ما يخص الأزمة الحالية هو أن صلاح أنتج مشهدًا بنفس عشوائية مشهد الاتحاد تقريبًا، فقط أضفى عليه وكيلًا محترفًا وبضعة إيميلات بالإنجليزية واعتبر ذلك قمة الاحترافية، ولكنه في الحقيقة كان يقود جمهوره في نمط متكرر كالقطيع؛ يخفي عليهم تفاصيل الأزمة وفي ذات الوقت يستجدي الدعم. يصمت تمامًا عندما يكون المنتخب في المونديال ثم يقرر تفجير الوضع قبل مباراة في تصفيات الأمم البائسة. لذا فمن حق البعض، حتى وإن كانوا قلة، أن يسأموا من استخدامهم في معارك غامضة مجهولة، قد لا يتخذون صف صلاح فيها بالضرورة، وقد لا يتخذوا فيها أي صف أصلًا.

الأهم من الأهم، أنه لو افترضنا أن الوضع الحالي غير قابل للتغيير، وأن الطريقة الوحيدة لإنهاء الأزمة بصورة سلمية ستكون صفقة أخرى خارج إطار القانون والحدود المتعارف عليها لحقوق البشر، فإن هذا يضعنا أمام المشهد السيريالي الثالث في هذه القصة، لأنه ينقل صلاح لخانة دراويشه العنصريين، ويظهره وكأنه يحاول الحصول على امتياز غير متاح لباقي المصريين لأنه لاعب عالمي ومشهور، وحتى لو كان يطلبه لكل اللاعبين فهذا يضمهم لنفس المساحة ولا يستثنيه منها.

مكمن السيريالية هنا أن هذا الامتياز هو حقه الطبيعي الذي يجب أن يناله فعلًا دون أن يطلب، ولا ينبغي أن يشعر أي منا بأي غضاضة تجاه ذلك، ولكن في نفس الوقت هذا يتطلب قدرًا هائلًا من التجرد؛ ألا تلوم صلاح لسعيه، وألا تلوم من سيشعرون بالغبن إن نجح سعيه.

التحفظات لا تنفي حقيقة أن لصلاح كامل الحق في مطالبه، لهذا هي تحفظات وليست اعتراضات، لأن الحقيقة أن صلاح يقود حرب المنطق الأزلية على الواقع. المشكلة الوحيدة أن العبارة الماضية لا ينبغي أن يتبعها أي لكن، ولكن هذا أمر مستحيل في مصر، سنجد سبيلًا للاعتراض بطريقة أو بأخرى، إما لأنه يذكِّرنا بأن مطالبه تُجاب في ليفربول دون أن يطلبها، وإما لأنه يتوقع من مدام عنايات أن تمنحه ما لا تمنحه لغيره، وإما لأنه تجرأ على طلب إتنين تشيز كيك من أبو طارق دون أن يشبه ديفيد بيكام ولو من بعيد حتى، وإما لأنه يسألنا إدينا إيه لمصر، دون أن يجيب على سؤال لماذا ترفض مصر أن تدينا، وتديه.

اعلان