هل ينقذ العلمانيون الكنيسة؟
مقتل الأنبا إبيفانيوس يعيد النقاش حول انتخاب «مجلس ملي» جديد
 
 
 
المصدر: مو محسن
 

منذ مقتل رئيس دير «الأنبا مقار» إبيفانيوس، في 29 يوليو الماضي، كان الصراع اللاهوتي نظريًا، والشخصي في جوهره، بين الراحلين البابا شنودة الثالث والأب متى المسكين الفرضية الأساسية التي جذبتنا نحن الصحفيون لتفسير جريمة قيام راهب بقتل رئيسه الروحي. ويرجع هذا الصراع لشروح الأب متى المسكين لبعض ركائز المسيحية، التي اعتبرها البابا شنودة مخالفة للمذهب الأرثوذوكسي. ومع حجب المعلومات وعدم وجود مصادر حقيقية، وتجاهل الكنيسة التام لتزويد الإعلام بالمعلومات، انصبت غالبية محاولاتنا، على مدار أكثر من أسبوعين، على البحث والتفتيش عن جذور هذا الصراع، وذلك بدون معلومات جديدة في الحقيقة.

على التوازي مع فرضية جريمة الكراهية، طُرحت فرضيات أُخرى منها الفساد المالي، والتي رجّحها بعضنا بشدة، والتي ترجع لكون الأديرة الروافد الأساسية لاقتصاد الكنيسة المُعلن، حيث تُقام بها نشاطات اقتصادية متعددة.  وقد فرضت نفسها بقوة على تفسير الأحداث بعد أن شدّد البابا تواضروس الثاني، في أكثر من مناسبة، على الأقباط بعدم إعطاء الرهبان أي عطايا مادية أو عينية.

يظن الكثير من المسيحيين أن إعطائهم أموال «العشور» للرهبان يضخم من قيمتها في عين الرب، ﻷن الراهب سوف يقوم بوضعها بنفسه بعد أن يتلو صلوات من أجل المُتقدِّم بها. ورغم إيمان الكثير من المسيحيين بنذر الراهب للزهد والتقشف، إلا أن بعضهم في الوقت ذاته يغدقون العطايا على بعض الرهبان، وذلك بحجة إن لهؤلاء الرهبان قنوات خاصة متصلة بالفقراء، ما يضمن توزيع الأموال على المحتاجين. وبخلاف عطاءات المسيحيين، تعتمد الأديرة بشكل رسمي على نشاطات تبدأ بالفلاحة، وتصل لتصنيع المواد الغذائية وتصديرها، وتربية المواشي، وغيرها من الصناعات.

وحتى الآن، لم يخرج البابا، أو أي مسئول كنسي، ليتحدّث عن نتائج التحقيقات، التي أوضحت قتل رئيس الدير، الواقع بوادي النطرون، على يد وائل سعد تواضروس (الراهب أشعياء المقاري الذي جُرد، في 5 أغسطس الجاري، وعاد لاسمه العلماني)، وذلك بمساعدة ريمون رسمي (الراهب فلتاؤس المقاري الذي لم يعلن حتى الآن أي قرار بتجريده).

وبحسب التحقيقات، فإن المتهم وائل سعد اعترف بضربه للأنبا إبيفانيوس ثلاث مرات على رأسه بـ «ماسورة حديدية». ما أدى لوفاة رئيس الدير. فيما أحال المحامي العام الأول لنيابات استئناف الإسكندرية كل من وائل سعد تواضروس، والراهب فلتاؤس إلى محكمة الجنايات أول أمس، الأحد.

كان البابا شنودة ﻷول مرة عُرضة لسهام وأقلام الصحافة. نُبش الماضي غير المعلن بجدية أكبر، وجرى الحديث عن ميراث البابا تواضروس الثاني الذي تلقاه من شنودة، المتمثل في زيادة قبضة رجال الكنيسة على الأقباط الذين عُزلوا عن المجتمع، والتضييق على حياتهم من خلال قوانين الأحوال الشخصية، التي أصرّ البابا شنودة على التدخل في صياغتها، واقتصاد الأديرة البعيد عن الفحص، أي ما يضمّ الأمور اللاهوتية والعملية للكنيسة.

ومع تطور الأزمة، أصبح من الممكن الحديث عن ميراث البابا شنودة الذي تلقاه من سلفه، وجرى بقصد أو بدون قصد، نسب الكثير من سلبيات هذا الميراث للبابا المتوفي في 2012، والذي كان في الحقيقة رصيدًا لصراع طويل بين البطاركة وممثلي العلمانيين في «المجلس الملي»، وكانت الدولة شريكًا أساسيًا فيه. بينما كان الشعب القبطي بعيدًا كل البعد عن معرفته، أو التدخل فيه.

منذ الخمسينيات: مجلس ملي مُستأنس

«مجلس ملي نزيه هو ضرورة ملحة لتجنب وقوع الرهبان في براثن الفساد المالي، وللعمل على مواجهة الدولة في حال حاولت بعض الأجهزة إحكام قبضتها على الاقتصاد الكنسي بحجة الرقابة ومنع وقوع جرائم أُخرى» يقول كمال زاخر، المفكر والكاتب القبطي ومؤسس تيار العلمانيين الأقباط، لـ «مدى مصر».

وفي نوفمبر 2012، تقدّمت مجموعة من العلمانيين الأقباط بنصّ مشروع لـ «قانون مجلس الآراخنة» (رجال الكنيسة العلمانيين) للبابا تواضروس الثاني. والمتوقع أن يجري الفصل فيه قريبًا بسبب حادث مقتل الأنبا إبيفانيوس، بحسب زاخر الذي كان ضمن مَن تقدموا بالمشروع أيضًا.

فيما يرى إسحق ابراهيم، الباحث والمسؤول عن ملف حرية الدين والمعتقد في «المبادرة المصرية للحقوق الشخصية»، أن وجود مجلس من العلمانيين يشارك رجال الدين إدارة شؤون الكنيسة صار أمرًا ضروريًا، خاصة مع تشعب هذه الشؤون وتنوعها، فأصبحت لا تقتصر على النواحي الروحية والتعليم الديني فقط. لكن هناك مدارس ومستشفيات وأنشطة اجتماعية واقتصادية تحتاج إلى مَن يشرف عليها، ويديرها، بحسب إسحق.

لكن المجلس الملي لم يكن دائمًا الحل. فيوضح كمال زاخر أن «المجلس الملي طوال فترة البابا شنودة كان مستأنسًا، و(يضمّ) أهل الثقة»، وذلك في إشارة للمجلس الذي تشكّل من انتخاب شخصيات موالية للبابا شنودة، عام 2006. ويُنسب للأخير تدخله في تغيير لوائح الكنيسة، وقوانين الأحوال الشخصية، والاهتمام الزائد باقتصاد الأديرة، وعدم موافقته على وجود مراقبة علمانية حقيقية على رجال الكنيسة.

«المجلس الملي» في عهد البابا شنودة جعل اقتصاد الكنيسة والأديرة مُحصنًا بعيدًا عن سؤال العلمانيين، أو قبضة الدولة التي انتبهت لهذا الاقتصاد عقب «حركة الضباط الأحرار» في 1952، وقيام جمال عبد الناصر بتأميم غالبية المستشفيات والمدارس القبطية لتصبح ملكًا للدولة. كما أنه بمقتضى قانون الإصلاح الزراعي أصبحت ملكية الأراضي لا تتجاوز 200 فدان.

«يأتي هذا الدور الشكلي للمجلس الملي من تاريخ طويل من نزاع الباباوات والعلمانيين الأقباط»، حسبما يقول إسحق إبراهيم لـ «مدى مصر»، والذي يضيف: «المشكلة أن المجلس الملي بصيغته القديمة كان موضع أزمة ونزاع بين الباباوات والأراخنة الأقباط، بمعنى أن نشأة المجلس، والتوتر الذي صاحبه لعشرات السنين أدى لعدم رغبة رجال الدين في وجوده، لوجود منافسة على مَن له الكلمة العُليا لإدارة شؤون الكنيسة ماليًا وإداريًا، بخلاف فترة البابا شنودة الذي أجهز على دور المجلس بتهميشه، ثم بالتحكم في اختيار الأعضاء، ونشر قوائم على أنها مدعومة منه».

ولكن بسؤاله عن الأداء الشكلي للمجلس الملي في عهد البابا شنودة يقول المستشار منصف سليمان، نائب رئيس مجلس الدولة الأسبق وعضو في المجلس الملي المعاصر لعهد البابا الراحل: «هذا غير صحيح». كما يوضح لـ «مدى مصر» أنه مستاء من تزايد حديث البعض ممَن ينتمون للتيار العلماني القبطي عن ضرورة «عودة المجلس الملي بلائحة وقوانين جديدة»، وذلك في إشارة إلى المشروع المُقدَّم من قِبل زاخر وآخرين. كما يصف حديث العلمانيين، ممَن هم ليسوا من الأعضاء السابقين في المجلس الملي، أو مَن ليس لهم أدوار داخل مؤسسة الكنيسة، بـ «ركوب الموجة».

في عام 2011، انتهت ولاية «المجلس الملي»، ولم يُجدّد عمله مرة أُخرى.

وفي مارس 2017، أوضح البابا أن السبب الرئيسي في عدم وجود «مجلس ملي» منذ عام 2011 هو الأحداث التي تمرّ بها مصر، وعدم وجود كيانات مؤسسية مستقرة، حسب تعبيره. لكن مع وجود مجلس النواب حاليًا يمكن انتخاب مجلس جديد.

وسبق أن اجتمع البابا بأعضاء المجلس الملي المنتهي ولايته أكثر من مرة للتفكير في ما يخص وجود مجلس، لكن «بعد مناقشة لائحة القانون الداخلي له، وتغيير اسمه»، بحسب تصريحات سابقة. كما تحدّث عن تحفظه على اسم المجلس، وذلك ﻷن كلمة «ملي»، والتي تأتي من لفظة «المِلّة» تحمل في طياتها معاني طائفية. فالمسيحي هو بالأساس مواطن في الدولة، ومن غير المُناسب أن يكون المجلس الذي يناقش أموره يحمل اسمًا له سمة طائفية، حسب تعبير البابا.

فيما يقول المستشار منصف سليمان لـ «مدى مصر»: «اللجنة القانونية للمجلس الملي الحالي (المنتهية ولايته في 2011) قد صاغت مشروع قانون جديد للمجلس بناءً على طلب البابا تواضروس الثاني وتكليفه لنا، ومن المنتظر عرضه أولًا على المجمع المقدس للموافقة عليه، ثم عرضه على الدولة للحصول على موافقة العمل به. القانون سيحقق طموحات أكبر بكثير مما يتخيّل الجميع، والمجلس الملي سوف يعود أكثر قوة مما سبق».

ويوضح سليمان أن أحد بنود مشروع القانون المزمع تقديمه؛ تشكيل مجالس محلية تنبثق من «المجلس الملي العام» لمتابعة شؤون الإيبارشيات، على غرار المجالس المحلية التي أسسها البابا تواضروس ﻷول مرة في تاريخ الكنيسة، ووضع لها لائحة انتخاب، وهي اللجان التي أثبتت نجاحها في إدارة شؤون الكنائس على مستوى كافة المحافظات.

وعن تحفظ تيار العلمانيين بخصوص طريقة تشكيل المجلس الملي باختيار الأعضاء الموالين لأعضاء المجمع المقدس، كما حدث في عهد البابا شنودة، فيقول سليمان: «أعضاء المجلس الملي الجديد سوف يأتون بالانتخاب، ومَن يرى في نفسه المؤهلات الكافية فليتقدّم للترشّح».

بينما يؤكد إسحق إبراهيم الحاجة الآن لوجود مجلس حقيقي لترسيخ مفهوم الكنيسة باعتبارها مؤسسة قائمة على رجال الدين والعلمانيين، لكن بشرط أن يلعب هذا المجلس دورًا فعّالًا، وليس المطلوب «وجود مجلس شكلي، وإنما أن يُنتخب الأعضاء بشكل حر، وليس بتعيين أو تزكية رجال الدين، لأن بهذا يفقد معناه باعتباره يمثل العلمانيين»، بحسب المسؤول عن ملف حرية الدين والمعتقد في «المبادرة المصرية للحقوق الشخصية».

المجلس الملي: معقل تاريخي لخلاف البطاركة والعلمانيين

لم تكن أزمات العلمانيين مع القساوسة حول إدارة شؤون الكنيسة والمتجسدة في «المجلس الملي» خلال حِقبة البابا شنودة فقط، بل سبقتها عبر أزمات تاريخية.

في عام 1872، تأسس المجلس الملي وهو «مجلس الآراخنة»، ويضمّ رجال من الأقباط العلمانيين وبعض رجال الكنيسة، ويُعنى بإدارة شؤون الكنيسة غير الروحية، بعد أن أصدر الخديوي إسماعيل أمره باعتماد تشكيله. وذلك في وقت خلى فيه الكرسي البابوي من بطريرك، لوفاة البابا الـ 111؛ ديمتريوس الثاني في 1870، وبقاء الكنيسة بدون بطريرك لمدة أربعة أعوام و9 أشهر. كان ذلك وقت انتعاشة اقتصادية للكنيسة، بحسب كتاب «السنكسار»، وهو الكتاب الذي يدوِّن سيرة القديسين ورجال الكنيسة.

حصر أوقاف الكنائس والأديرة والمدارس وجمع حججها ومستنداتها، وتنظيم حسابات الإيراد والمصروف وحفظ الأرصدة، ما سبق ضمن المهام المنوط بالمجلس الملي أن يقوم بها، وفق اللائحة التأسيسية، وذلك قبل أن تُعدّل في وقت لاحق. ويُضاف لهذه المهام النظر والفصل في منازعات الطلاق والزواج، وما يتعلق بالأحوال الشخصية، والأمور الداخلية للأقباط، وحصر الكنائس، وقساوستها، والأديرة، ورهبانها، والأمتعة، والسجلات الموجودة بهذه الجهات.

وفي عام 1874، اُختير بطرس غالى باشا رئيس وزراء مصر وكيلًا للمجلس الملي، وبالرغم من خلو كرسي البابوية في ذلك الوقت، بدأ المجلس يباشر مهامه. وبعد وصول البابا كيرلس الخامس لكرسي البابوية بأشهر قليلة رأى أن المجلس يقتسم معه الحكم الكنسي، ويمثل اعتداءً على سلطاته. وفي أول خلاف مع المجلس الملي قام بحلّه في 1875.

لم يرضِ غالي عن حلّ المجلس من قِبل البطريرك، وتقدّم بشكوى لدى الدولة حينها، وبعد سنوات صدر الأمر العالي في 1883 بتشكيل المجلس الملي مرة أُخرى، وأُعيد انتخاب غالى ليكون وكيلًا للمجلس أيضًا.

عقب ثورة 1919، تقدّم سوريال جرجس، عضو «مجلس الشيوخ» وقتها، بمشروع قانون لتعديل لائحة المجلس الملي مطالبًا بإلغاء التعديلات التي أدخلها البابا كيرلس الخامس، والتي تزيد من سطوة رجال الدين على الكنيسة، داعيًا إلى العودة للائحة 1883.

كان «مجلس الشيوخ» يضمّ بعض رجال الكنيسة كممثلين عن الأقباط، فاعترض العضو الأنبا لوكاس، مطران قنا، ودار صراع قوي بين العلمانيين ورجال الدين الذين طالبوا بتدخل الدولة حينها. وبالفعل حسم رئيس الوزراء محمد محمود باشا الأمر ببقاء الحق للبطريرك في تعيين رؤساء الأديرة، فضلًا عن تشكيل لجنة لإدارة أوقاف الأديرة برئاسة البطريرك أو نائبه، وستة أعضاء، وأربعة من المجلس الملي، واثنين من المطارنة يختارهما البطريرك سنويًا. وصدر القانون الخاص باللائحة الداخلية لتشكيل المجلس الملي في 1927. وبقي البابا كيرلس على كرسي البابوية 52 سنة وستة أشهر.

ويسجل التاريخ، سواء الكنسي، في كتاب «السنكسار»، أو بحسب كتب أُخرى تاريخ اهتمام البطاركة بشكل أساسي بتوسيع الرقعة الاقتصادية للكنيسة بشكل عام، وللأديرة بشكل خاص، في ظل تفاهم غير معلن مع الدولة.

في 1927، عمل الأنبا يؤانس، لمدة عام كقائم مقام، وهو منصب يتولاه أحد الأساقفة مهمته تسيير أمور الكنيسة لحين «تجليس» بطريرك جديد. قام يؤانس التاسع عشر بالتركيز على النشاط الاقتصادي، وشكّل لجنة برئاسته وبعضوية اثنين من المطارنة، وأربعة من أعضاء المجلس الملي العام لمراجعة حسابات أوقاف الأديرة. وقام وزير الداخلية بالموافقة على القرار، وفي عهده أصدر «المجلس الأكليركي»، وهو أحد المجالس الملية الخاصة بالكنيسة، ويعمل على مباشرة الأمور المتعلقة بقضايا الأحوال الشخصية، وغيرها من قضايا الأقباط، قانونًا لتنظيم شؤون الأديرة والرهبان.

ووفقًا لكتاب «السنكسار»، عُرف عنه جهوده في زيادة إيراد أوقاف الإسكندرية بعد أن كان ضئيلًا، وشيّد الكثير من المباني والمشروعات، وكانت الحكومة أيضًا راضية عنه، وبالفعل اُختير ليمثل الأقباط في أكثر من مجلس تشريعي.

وأصبح يؤانس التاسع عشر البابا الـ 113، بالاختيار المباشر، وعادة ما يتدخل أعيان الأقباط في الاختيار، وجرى ذلك عام 1928.

اُختير بعد البابا يؤانس التاسع عشر بنظام التزكية أيضًا، البابا مكاريوس الثالث البطريرك الـ 114، في1944، وبعد أقل من عشرة أيام، أصدر وثيقة لما أسماه بإصلاح الأديرة وترقية الرهبان، وأمر بمحاسبة نُظار الأديرة ورؤسائها، الأمر الذي سبّب انقسامًا كبيرًا داخل المجمع المقدس و«المجلس الملي العام» كذلك لرفض رجال الكنيسة من الأساقفة أعضاء المجمع المقدس، الذي يمثل الهيئة العليا لقوام الكنيسة، أن تُطرح قضايا الأديرة أمام العوام من العلمانيين.

ويعد عصر البابا مكاريوس الثالث هو بداية التأسيس الفعلي لتدخل رجال الدين ممثلين في المجمع المقدس في شؤون الأقباط. ففي 7 يونيو 1944، تقدّم المجمع المقدس بمذكرة للبابا ووزير العدل للاعتراض على قانون الأحوال الشخصية للطوائف غير المسلمة، الأمر الذي اعتبره «المجلس الملي العام» تعديًا وتدخلًا من قِبل رجال الدين في شؤون العلمانيين، بحسب «السنكسار».

غضب البابا مكاريوس من الصراع، واعتكف في دير «الأنبا أنطونيوس» بالبحر الأحمر، برفقة عدد من المطارنة، إلى أن أعاده رئيس الحكومة للقاهرة، بعد أن طالب المجلس الملي بتحقيق كافة مطالبه، وخضع المجلس. وانعقد المجمع المقدس برئاسة البابا، في أول يناير 1945، وأصدر عدة قرارات مثل: السعي والعمل على قانون للأحوال الشخصية خاص بالمسيحيين ينصّ على قصر الطلاق على عِلّة الزنا، وجعل لائحة ترشيح وانتخاب بطريرك الكنيسة متفقة مع العقيدة المسيحية، التي تنصّ على أن تكون بالقرعة الهيكلية، وإنشاء سجل في كل كنيسة لتعداد الأقباط.

واستمر الصراع بين الباباوات والعلمانيين، ففي مايو 1946 اُختير يوساب الثاني ليكون البابا الـ 115، وذلك بدعم من أحد الأعيان يُدعى المنياوي باشا، ثم وقع خلاف بينهما بسبب رفض البابا تسليم إدارة الأوقاف الكنسية له، ووصل الأمر للمحاكم، إلا أن القضايا حُسمت لصالح البابا يوساب الثاني.

جاء كيرلس السادس ليكون البابا الـ 116، بنظام إجراء القرعة الهيكلية، في 2 نوفمبر 1957، وذلك بعد طرح أربعة أسماء، وتحدّث كتاب «السنكسار» عن دوره الروحي في الكنيسة، بدون حديث مسهب بخلاف مَن سبقوه عن دوره في تنشيط الاقتصاد الكنسي. كانت علاقته بـ «المجلس الملي» أيضًا دائمة التوتر، وأدى ذلك، في النهاية لتجميده، بطلب شخصي من البابا تقدّم به للرئيس جمال عبد الناصر، الذي أصدر أمرًا، في عام 1967، بحلّ المجلس الملي، وتشكيل لجنة برئاسة البابا كيرلس لإدارة أوقاف الكنيسة.

اعلان
 
 
كارولين كامل