«عدم استعراض العضلات الرقابية».. أهم إنجازات البرلمان في دوره الثالث!

بتاريخ الثاني من أغسطس، وفي عددها رقم 31 تابع، نشرت الجريدة الرسمية قرار رئيس الجمهورية رقم 350 بفض دور الانعقاد الثالث لمجلس النواب.

وبحسب ما ذكره صلاح حسب الله المتحدث باسم مجلس النواب، في مؤتمر صحفي انعقد في نهاية شهر مايو الماضي، أي قبل نحو شهرين من فض الدور البرلماني الثالث، فإن البرلمان كان حتى لحظتها قد أقر 111 مشروع قانون و23 اتفاقية دولية، وفيما يخص الدور الرقابي، فإن أعضاء مجلس النواب ألقوا 303 بيانات عاجلة، و385 طلب إحاطة، وكذلك قُدّم 45 سؤالًا للوزراء والمسؤولين، إلى جانب تقديم عشرين طلب مناقشة عامة، و551 طلبًا برغبة. أما عن التشريعات، فقد أصدر البرلمان حتى لحظتها 197 قانونًا.

وأهم الملاحظات هنا هي عدم عرض أي طلب إحاطة في دور الانعقاد الثالث، ولا صدور أي طلب فيه، ما يشير لضعف الأداء الرقابي على أعمال السلطة التنفيذية، وهو ما علق عليه المتحدث الرسمي بقوله، حسب ما نشره موقع صدى البلد، إن «إنجازات البرلمان في دور الانعقاد الثالث على المستوى التشريعي والرقابي تؤكد أننا أمام مجلس نواب جاد جاء في ظروف صعبة وتحدى الواقع من أجل النجاح»، مشيرًا إلى أن نجاح المجلس جاء بالانحياز للدولة المصرية بعيدًا عن استعراض العضلات الرقابية من أجل بطولات زائلة، بقوله: «انحزنا للدولة المصرية. لم نغازل مشاعر الناس باستعراض عضلات رقابية»، ولفت إلى أن النواب يدركون أنهم يدفعون فواتير من شعبيتهم في إطار عملهم التشريعي والرقابي، مع إدراكهم أن الشعبية لا تقارن بمصلحة الدولة المصرية.

ولكن هل يشكل ما أقره أو أنجزه أعضاء مجلس النواب الحالي انحيازًا لجانب الشعب المصري، أم جاء ليتوافق مع إرادة السلطة التنفيذية؟

أرى إجمالًا أن هذا المجلس قد ساير رغبات السلطة التنفيذية، ويكفي التدليل على ذلك بعدم تفعيله الجدي لدوره الرقابي، وعدم استخدام أهم أدواته الرقابية، والمتمثلة في الاستجواب، كما تكفي الإشارة لخلو هذا العدد الهائل من التشريعات التي أقرها البرلمان المصري، سوى من ستة تشريعات فقط مقدمة من قبل أعضاء مجلس النواب، في حين كانت الغلبة لصالح التشريعات المقدمة من الحكومة، وهو ما لم يكن ليحدث لو كان مجلس النواب هو المهيمن على مجريات السلطة التشريعية، كما هو دوره بحسب نص الدستور المصري، أو بحسب الوظيفة الرئيسية التي من أجلها توجد البرلمانات.

من زاوية مغايرة وأكثر اتساعًا تتضح الصورة، فقد وافق البرلمان على تمديد حالة الطوارئ لثلاثة أشهر في عموم البلاد، لتدخل عامها الثاني، ولتكون هذه هي المرة الرابعة، التي تُمدُّ فيها حالة الطوارئ، منذ إعلانها في أبريل2017، حيث وافق البرلمان، بتاريخ الأحد الموافق 24 يونيو، على قرار رئيس جمهورية مصر العربية رقم 266 لسنة 2018 بمد حالة الطوارئ في جميع أنحاء البلاد لمدة ثلاثة أشهر، تبدأ من الساعة الواحدة من صباح يوم السبت الموافق 14 يوليو 2018.

ومن الزاوية الاقتصادية، فقد أقر مجلس النواب، كما اعتاد دائمًا، كل القروض التي أبرمت الحكومة اتفاقياتها، وحسب ما جاء في البيان الختامي، فإن إقرار تلك القروض جاء من أجل تحقيق التنمية والمصلحة العليا للدولة، بالإضافة للزعم بأنها ليست قروضًا تستهدف توفير الطعام والشراب.

وبخصوص المستوى التشريعي فيما أقره مجلس النواب في دوره الانعقادي الثالث، فيكفي فقط ضرب الأمثلة لبعض هذه القوانين، والتي يأتي في مقدمتها، وعلى مستوى الحريات العامة، قانون الصحافة والإعلام، والذي جاء مقيدًا، إلى درجة كبيرة، لحرية التعبير عن الآراء، وذلك من حيث إثقاله القيود على إنشاء الوسائل الإعلامية، وأهمها المبالغ المالية، إضافة إلى توسيع السبل الرقابية، وتوغل يد السلطة على مقدرات العمل الصحفي والإعلامي بشكل كبير.

في ذات السياق، فقد وافق مجلس النواب على قانون الجريمة الإلكترونية، والذي بموجبه، وتحت مسمى «دواعي الأمن القومي»، أبيحت الرقابة على المواقع الإلكترونية والصفحات الشخصية والمدونات، كما أُبيح أيضًا منح الضبطية القضائية للعاملين، وجرى التوسع في سلطة الضبط أو سحب المعلومات والتحفظ على البيانات، كما مُنحت سلطة التحقيق حق حجب المواقع، هذا بالإضافة إلى الاستحداث التجريمي والتوسع العقابي الواردين بهذا القانون.

لا يمكن، لضيق المساحة، سرد كافة القوانين التي أصدرها مجلس النواب في دور انعقاده الثالث، ولكننا نكتفي هنا بضرب أمثلة لأهم ما أصدره المجلس، ومنه ما جاء من تعديل لنص المادة 102، وفيه جرى استحداث المعاقبة على النية، وذلك بالقول «كل من علم»، في حالة العلم بوجود أسلحة أو ذخائر، كما توسعت هذه التعديلات في المعايير التجريمية، إضافة إلى التوسع في استخدام السلطة العقابية، بعيدًا عن مبدأ التوازن والملاءمة بين الجريمة وعقابها.

وآخر مثال يمكن ذكره في هذا الصدد هو «قانون معاملة كبار قادة القوات المسلحة»، والصادر تحت رقم 161 لسنة 2018، حيث القادة المخاطَبون بأحكام هذا القانون يصدر بتحديدهم قرار من رئيس الجمهورية، ويُعاملون معاملة الوزراء، كما يحدد رئيس الجمهورية المزايا والمخصصات التي يتمتع بها المخاطبون بأحكام هذا القانون، وتمنح لهم الأوسمة.

وبجانب كل ما جاء بهذا القانون من سبل معاملة متميزة، أو «تكريم» كما تُسمى، فقد حظرت المادة الخامسة منه أي إجراء من إجراءات التحقيق أو اتخاذ أي إجراء قضائي في مواجهة أي من المخاطبين بأحكامه، عن أي فعل ارتُكب خلال فترة تعطيل العمل بالدستور وحتى تاريخ بداية ممارسة مجلس النواب لمهامه أثناء تأديتهم لمهام مناصبهم أو بسببها، إلا بإذن المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

من وجهة نظر قانونية أو دستورية متخصصة، يعد هذا القانون مثالًا واضحًا على ما يسميه الفقهاء الدستوريون بعيب «الانحراف بسلطة التشريع»، وهو العيب الذي يصيب القانون من ناحية صناعته، أو من زاوية صانعيه، ومعناه أن القانون لم يهدف إلى تحقيق الصالح العام، ولم تتوخ سلطةُ إصدارِه القواعد الدستورية المتمثلة في المساواة بين المواطنين، وإنما جاء لتمييز فئة من المواطنين على باقي المجتمع، كما أنه قد حاد عن تحقيق مبادئ العدالة، بحظره اتخاذ أي إجراء قضائي ضد أي من هذه الفئة إلا بموافقة مسبقة من المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

هذه الأمثلة والتوضيحات السابق ذكرها تشكّل أهم ما صدر من مجلس النواب المصري في دوره التشريعي الثالث، بما يدعم الرأي السائد لدى الشارع المصري، وهو أن هذا المجلس لم يكن منحازًا للكتلة الانتخابية، ولم يراع حقوق ناخبيه، وأنه اختار، في المقابل، الوقوف إلى جانب السلطة التنفيذية، أو خلفها في كل ما يصدر منها وعنها.

اعلان
 
 
طارق عبد العال